آدم أبو البشر ..  والبشر اسمهم آدم :

        إذا قلنا عاد وثمود وسبأ إلخ .. نفهم بهم الأقوام الذين ورد ذكرهم  في القرآن المجيد ، كما هو معلوم . فإن كل قوم من هؤلاء إنما سمي باسم شخص هو الأب  . وفي المجمع عن فروة بن مسيك قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن سبأ أرجلٌ هُوَ أمْ امرأةٌ ، فقال : هو رجل من العرب ولد عشرة ، تَيَامَنَ منهـم ستـة ، وتشـاءمَ أربعة . فأمـا الذين تيامنـوا فالأزد وكنـدة 

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة الفرقان ، الآية  33  .

(2)      سورة الملك  ، الآيات ( 3 ـ 5 )  .

(3)      سورة الإنسان ،  الآية  13  .

(4)      سورة الأنبياء  ،  الآية  33   .

(5)      سورة الفرقان ، الآية 61  .

 

ومذحج والأشعرون وأنمار وحمير ، فقال رجل من القوم : ما أنمار ؟ قال : الذين منهم خثعم وبجيلة ، وأما الذين تشاءموا  فعاملة  ( الذين نحن منهم ، يعني نحن من سبأ ) P(1)P وجذام ولخم وغسان .

        ونحن نسأل ، إذا قلنا ” آدم ” قاصدين به قوماً ينسبون لشخص هو آدم الأب ، فهل نكون قد تجاوزنا العرف أو القاعدة ،  والقرآن المجيد  يجـري هذا المجرى  في كثير من التسميات؟.

        فإذا ساعدتنا القرائن ولم يعترضنا مانع من القرآن  ، أو مما صـحّ عن غيره ، فسنعتبر محنة الشجرة المحرمة في الجنة ، ليست مختصة بأبوينا آدم وزوجه ـ التي لم يسمها القرآن ولا مرة ـ وإنما محنة الشجرة ، هي محنة كل إنسان في أية مرحلة من مراحل التاريخ عاش ، أو سيعيش هذا حتى يوم القيامة . محنة الشجرة كانت محنة كل إنسان حاضراً ناظراً عائشاً الواقع العملي ، بدون مجاز ، وألغاز وتخيلات .

        والشجرة هي شجرة المعصية ، التي أصلها طاعة الشيطان وما تهوى الأنفس ، وفروعها الكبائر وأغصانها الصغائر ، وفيها تورط أبونا آدم الذي سماه بهذا الإسم  ربنا سبحانه ، نسبة لأديم الأرض الذي منه خلقه ، وزوجه . ثم بنوا آدم ، أو بكلمة أخرى آدم  (القوم ) الذين تورطوا كذلك ، ثم ذرية بني آدم ، وهم  شعوب البشرية التي انشعبت من تلك الأصول ، ليمروا بنفس الإمتحان ، حتى  { لا تَزِرَ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } .

        أما لأبوينا  آدم وزوجه ، ومعهما بنوهما أو شعبهما ( آدم ) ، الذي انشعب منهما ، فكان من ربنا سبحانه ، الخطاب التالي ، موجهاً بوجه الخصوص للأبوين ، لمقامهما الرئاسي أو القيادي ، وبوجه العموم ـ تعريضاً ـ لبني آدم  التابعين  آنذاك  الممتحنين بنفس الإمتحان ، الواقعين في نفس الورطة ، في تلك الجنة المفقودة ، قوله تبارك وتعالى :

 

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سكان جبل عامل أو عاملة  ، في جنوب لبنان  .

 

{ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ . فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ . وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ . فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ . قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }P(1)P.

ثم كان الأمر بالإهباط لجميع قوم آدم ، أي الأبوين الرئيسين والفوج الأول ، أو الشعب  الذي انشعب منهما . مبقياً على ذريتهم ( بني آدم ) لتمريرهم في نفس الامتحان الإنساني التاريخي .

وبعد أن أُهبط آدم وزوجه وبنوه ، ( أي آدم القوم ) ، وبقيت في الجنة المعهودة، الذرية، التي هي مجموع البشرية من ولد أبينا آدم عليه السلام إلى قيام الساعة ، كان لهم هذا الخطاب ، الذي هو في سياق الآيات الآنفة ، قوله تعالى :

{ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ }P(2)P.

لعلهم يذكّرون ماذا ؟  لعلهم يذكرون العهد الذي في الآية التي بعد هذه مباشرة قوله تعالى :

{ يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }P(3) P.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة الأعراف ، الآيات 19 ـ 23  . (2)      سورة الأعراف ، الآية 26  .

(3)      سورة الأعراف ،  الآية  27 .

       

هذا عهد الله سبحانه وتعالى لبني آدم وهم في الجنة بعد أبويهم آدم وزوجه وبنيه ( آدم القوم الأوائل ) ، وهو هو العهد عينه الذي يذكرهم به في سورة يس ، قوله تعالى  :

{ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ . وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ . وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ } P(1) P. ( صدق الله العظيم ) .

والعبادة المذكورة هنا هي الطاعة ،  وذلك معناها أينما وقعت بشكـل عام . فكل طاعة فيما يرضي الله ، هي عبادة لله عزّ وجل  وتبارك وتعالى .

وهذا العهد الذي أخذ على ذرية بني آدم في الجنة هو بعد الإشهاد المشهور في قوله عزت عظمته :

{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ . أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ } P(1)P.

شارك