الحمل الإصطناعي بين الحضارة والشريعة

الحمل الإصطناعي بين الحضارة والشريعة

        ما زال الإعلام يطالعنا بين الحين والحين بأخبارعجاب ، عن المحاولات والإنجازات العلمية ، في مجال الحمل غير الشرعي في مواجهة العقم . وكذلك أخبـار تربيـة الأجنّـة    ” زراعياً ” إما في آنية مخبرية ، وإما في رحم غير رحم الزوجة العقيم . أو نقيض ذلك أن يكون  الزرع في الزوجة  الشرعية ولكن الماء أو النطفة من رجل غير زوجها . إلى غير ذلك مما يتفرع من حالات ومستجدات .

        ويلاحظ أن كل ذلك يتم تحت عنوان الديمقراطية  والحرية وحماية القوانين أو سكوتها ، لعدم وجود تشريعات وضعية في هذا المجال . كذلك ، ولتاريخه ،  سكوت مجالس التشريع والحكومات والجمهور، وموقف الجميع موقف المتفرج، وربما المعجب الفخور .

        من هنا ، وإنطلاقاً من هذه المقدمة الوجيزة ، وبناءً على ما وجه إلينا من أسئلة ،  قررنا بإذنه تعالى ، أن نعرض هذه الأمور وأشباهها ، على شرع الله ،  معتمدين ، فيما أنزل الله  وفيما شرّع ، على أهم مصادر التشريع ، وهي القرآن المجيد ، والسنّة المطهرة ، والعقل والإجماع إلخ … مؤكدين على النص القرآني ، ما دام  موجوداً ، حيث لا إجتهاد  معه ، مستفيدين من بقية المصادر المذكورة  إذا وجدنا ذلك ضرورياً ، فقط  في شرح النص ، وذلك منعاً لكل لبس . فوحده القرآن في المدونات { َّلا يَأْتِيهِ الْْبَـَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ … . سورة فصلت الآية 42 } ووحده في المدونات {.. لاَ رَيْبَ فِيهِ.. . سورة السجدة الآية 2 } . ولا سيما في هذا العصر، بعد أن اجتاح التحوير والتزوير جميـع المدونات الدينية المعروفة على ظهر هذا الكوكب . هذا لأنه وحده في المدونات ، قال فيه الله عز وجل :

{ إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُـونَ . سـورة الحجر الآية 9 }

        فبخصوص الموضوع الذي نحن بصدده  ، نجد أن الله  سبحانه قد أورد  في كتابه المجيد  ، أصلين تشريعيين ، يحددان بشكل مباشر، قضية الحمل الفطري أو الشرعي بجميع جوانبها ،  ويضبطان جميع ما قد ينجم عن ذلك من تفريعات ، تحت طائلة التحريم  والآثام الغليظة المهلكة .

التشريع الأول : قوله تبارك وتعالى :

{ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فأْتُواْ حَرْثَكُمْ .. . سورة البقرة الآية 223 } .

التشريع الثاني  ، قوله عز شأنه :

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـاـتُكُـمْ وَبَنَـاتُكُـمْ وَأخَوَاتُكُـمْ وَعَمَّـاتُكُمْ وَخَـالَـاتُكُمْ  وَبَنَاتُ الأخ ِ وَبَنَاتُ الأخْتِ وَاُمَّهَـاتُكُـمُ اْلَّـاتِى~ أرْضَعْنَـكُـمْ  وَأخَـوَاتُكُـمْ  مِـنَ الرَّضَـاـعَةِ وَأمَّهَـاـتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَـاـئِبُكُمُ اْلَّـاـتِى فِي حُجُورِكُمْ  مِنْ نِسَآئِكُمُ اْلَّـاـتِى دَخَلْتُم بهِنَّ فَإنْ لَّمْ  تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَـَلـاـئِلُ أبْنَآئِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أصْلَـَاـبِكُمْ وَأن تَجْمَعُواْ  بَيْنَ الأُخْتَيْن ِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً  رَحِيماً . وَاْلْمُحْصَنَـاـتُ مِنَ النِّسَآءِ إلاَّ مَا مَلَكَتْ أيْمَـاـنُكُمْ  كِتَـاـبَ اللهِ عَلَيْكُمْ ..  . سورة النساء  الآيات  23 ــ 24  } .

فبخصوص التشريع  الأول ، قوله تعالى : { نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتوُاْ حَرْثَكُمْ } :{ نِسَآؤُكُمْ } أزواجكم الشرعيات ، تقضي بذلك اللغة العربية والقرآن الحكيم الذي يفسر بعضه بعضا.

{ حَرْثٌ لَكُمْ }  الحرث في الأصل  ، الأرض التي تحرث لتزرع ، الأرض  التي يلقى فيها البذار  ، ويكنى لغة بالحرث  ، عن كل مكان  ينمَّى  فيه مطلق النماء ، أو يثمّر فيه مطلـق الثمر  ، قوله  تعالى :

{ مَن كَانَ يُريدُ حَرْثً الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ  وَمَن كَانَ يُريدُ حَرْثَ الدُنْيَا  نُؤِْتِهِ  مِنْهَا  وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصيبٍ  . سورة الشورى  الآية 20 } .

        وهنا كنّى سبحانه  بقوله { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ } بأن رحم المرأة هو المكان  المعيّن لزرع نطفة الزوج ، وليس  أي مكان آخر ، لإختصاص الخبـر  : { حَرْثٌ لَكُمْ } بالمبتـدأ : { نِسَاؤُكُمْ } أي المسند بالمسند إليه ، وذلك من فقه اللغة . وقوله سبحانه { فأتوُاْ حَرْثَكُمْ } يعني ما هو لكم ، المختص بكم ، يعني ليس حرث غيركم . إضافة إلى أن كلمـة  { فأتوُاْ } كناية عن المباشرة . وليس أن تلقح البويضات خارج الرحم ثم تعاد إليه . فالتلقيح خارج الرحم لا تفيده إطلاقاً كلمة ، { فأتوُاْ } وهي  قيد شرعي  في النص كبقية  القيود الشرعية  التي ذكرناها فيه .

        فبناءً على ذلك كله ، تعتبر كل مخالفة لهذه القيود أو الحدود الشرعية أمراً محرماً تحريماً قطعياً ،  من قبيل أن تلقح البويضة من رجل أجنبي بالنسبة لأمرأة ما ، أو محرم عليها ، ثم توضع البويضة في رحمها : ففي الأمر أربع جرائم : الأولى، أنها تلقت الماء أوالنطفة من رجل محرّم عليها ، ويعتبرهذا في بـاب الزنى . الثانية ، أنها لقحت خارج الرحم وذلك خلاف أمره تعالى  { فأتوُاْ حَرْثَكُمْ } ، الثالثة أنها تحدٍّ وعصيان لله جلت عظمته ، لقوله تعالى :

{ أوْ يُزَوِجُهُمْ  ذُكْرَاناً وَإنَـاـثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقيماً إنَّهُ عَليمٌ قَدِيرٌ . سورة الشورى الآية 50 } .

         

        الرابعة ، وهي ذات طرفين : المولود غير الشرعي ، والمجتمع الذي سيعيش فيه ، وهي متعلقة بالحالة النفسية التي سيكون المولود مستقبلاً تحت وطأتها ، إضافة  لعلاقته بالمجتمع  ونظرة المجتمع  إليه . وسنتعرض لذلك كفاية إن شاء الله  عندما نتحدث عن تعليل التشريع .

        أما الطبيب فمحكوم كذلك بشريعة الله ، وهو طرف أساس في تحمل المسؤولية ، ولكل واقعة حكم ، ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم .

        وهكذا بالنسبة لبقية الإنجازات العلمية في هذا المجال ، أو المجالات  أو التجارب من قبيل تربية الأجنة في الأنابيب وغير ذلك ،  فجميع ما يتفرع عن هذا  الموضوع ، يرجع فيه إلى الأمر الإلـاـهي الذي ذكرنا وهو  قوله عزّ شأنه :

       { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ  فأتوُاْ حَرْثَكُمْ }

        أما النساء اللواتي تحرم مقاربتهن  حتى بخائنة الأعين ، فقد عيّنهن التشريع الثاني الذي ذكرناه آنفاً ، وهو قوله تعالى :

{ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـاـتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّـاـتُكُمْ وَخَـالـاـتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخِ وَبَنَـاتُ الأْخِت إلخ … } راجع النص . فهو يعدّد ويحدّد بوضوح النسـاء أي  ( الصُهْر ) اللواتي يحرمن على رجال معيّنين ، أي ( النَسَبْ )  حرمة أبدية  ،  تعتبر مقاربتهن للرجال المحرمين عليهن ، أو مقاربة هؤلاء الرجال لهن ، حتى بمجرد  النظر بشهوة ، من أكبر الكبائر  وأعظم الجرائم . أما ما يستطيع الأمناء على التشريع أن يرصدوه ، فيحال  إلى القضاء وقواعده  { وَلَكُمْ فِى القِصَاصِ حَيَواةٌ يـَاـأُوْلِى الألْبـاـبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . سورة البقرة الآية 179 } . وأما ما لا يمكن رصده ، فعقوبته من الله العزيز الحكيم ، هـي في الدنيا والآخرة ، أعظم تعذيباً وأعظم نكالاً ، فهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .

شارك