الدماغ ـ  الزيتونة أو المفاعل النووي المعجز :

الدماغ ـ  الزيتونة أو المفاعل النووي المعجز :

======================================

          هل لوزن دماغ الإنسان أهمية لتمييزه عن بقية المخلوقات المعروفة ؟ 

          قبل أن نجيب على السؤال ، لا بد من التنبيه ، إلى أننا عندما نتكلم عن وزن الدماغ والفوارق فيه بين الإنسان والحيوانات ، فإنما نعني دائماً الوزن النسبي ، أي المتناسب مع  أوزان الأبـدان . ( فالفيل مثلاً يزن دماغه ثلآثة أضعاف وزن دماغ الإنسان ، والحوت الكبير  يزن دماغه خمسة أضعاف دماغ الإنسان . ولكن النسبة ما بين وزن الكائن ووزن دماغه هي أرقى وأكبر شيء عند الإنسان فقط ،  حيث تعادل النسبة تقريباً : ٧٣, ٢٪ (*) بينمـا هـي عنـد الحيـوانات القاضمة : ۲, ۰ ٪ ) (**) .

وهكذا على الصعيد الإنساني ، فقد يكون وزن دماغ إنسان نحيل بالنسبة لجسمه ، هو أرجح  وزناً من دماغ إنسان ضخم أو يعادله ، أو تنعكس القضية ، فالأمر متعلق بأمور  متداخلة بين النشأة الأولى  والنشأة الثانية (***) .

          إلا أن الأهم في الموضوع ، هو أن رجحان الوزن ، وإن كان دليلاً على السعة ، إلا أنه ليس دليلاً على العقل المؤمن الفعَّال ، ولا على سلامة  التفكير واتباع الحق .

          ولتفصيل ذلك ، فإنه  ما من شك أن لفارق الوزن بين دماغ إنسان ودماغ إنسان آخر ، دلالة أكيدة على الفارق بالطاقة والكفاءَة ، والقدرة على الإنتاج والفاعلية ، ولكن يتضح لنا من القرآن المجيد ، أنه مع كل رجحان ، تكون هناك زيادة في التكليف وحمل المسئولية ، قوله عز وجل :

          { لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا … . سورة البقرة الآية ۲۸٦ } .

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*)        ( الطب محراب العلوم ) للدكتور  الجلبي .

(**)    ( الطب محراب العلوم ) للدكتور  الجلبي .    

(***)   أنظر كتابنا ( العقل الإسلامي ) .

          وقوله تعالى :

{ وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ … سورة التوبة الآية ۱۰۵ } .

          وقد ضرب الله مثلاً على سعة وأوزان الأدمغة وأصحابها ، ومقادير ما تنتج ونوعية ما تنتج ، وما ينفع من نتاجها وما يضر ، والمحقُّ منها والمبطل ، والسقيم  منها  والصحيح  ،  بقوله  عز شأنه : { أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ . سورة الرعد الآية ۱۷ } .

وفي الآية التي تليها ينقلنا  تبارك وتعالى  من  روعة المثل البليـغ وجمـال رموزه ، إلى ما يترتب  على هذا المثل من واقع الحال وخطر المسئولية ، بسبب ما تحمله هذه الأدمغة من حريات عامة وحرية خاصة هي حرية الإختيار ، وبخصوص انقيادها للعقل المهتدي بالله ، أو انقيادها لهوى النفس وأهواء الآخرين ، وبكيفية تفاعلها  مع ما تحمل ، وأيضاً بخصوص ما تترك من آثار .. ونتيجة كل ذلك .. بقوله سبحانه  :

          { لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ . سورة الرعد الآية ۱۸ } .

          ثم هذا النص المدهش في كتاب الله الكريم ، وفيه حوار بين التابعين  الضالين ويسميهم الله { المستضعفين } ، وبين الذين ركبوا رؤوسهم عناداً وبهيمية من أصحاب الأدمغة الوازنة ، ويسميهم الله { المستكبرين } يقول عز شأنه :

          { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ . قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ . وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلاَلَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .  سورة سبأ الآيات  ( ۳۱ ـ ۳۳ ) } .

الإنسان ليس أفضل خلق الله :

=======================

          قوله عز وجل :

          { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً . سورة الإسراء الاية ۷۰ } .

          فيستفاد من هذه الآية الكريمة أن الإنسان ليس هو أفضل مخلوق في خلق الله ، ومن الأدلة على ذلك ، قوله عز وجل مخاطباً إبليس لعنه الله عندما امتنع  عن السجود لله سبحانه ، باتجاه آدم ، بعدما أمره الله بهذا الإتجاه :

          {أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ . سـورة ص الآية ۷۵ } إذ  إنَّ  { الْعَالِينَ } خلق  لم يدخل في الملائكة الذين أمرهم الله بالسجود لآدم عليه السلام .

          يبقى أن الخلق الكثيرالذي فضل الله آدم عليه هو المدرج في الآية الكريمة :

{ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ  سورة الجاثية الآية   ۱۳ } .

          وقوله تعالى :

          { أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ … سورة لقمان الآية ۲۰ } .

          مع الإلتفات إلى لفظة ( ما )  في الآيتين ، حيث تستعمل في اللغة عامة لأصناف الحيوان وللأشياء .

يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول :

===========================

          أما ذووا الأدمغة الكبيرة الذين ضلوا وأضلوا  فمن شأنهم على اختلاف درجاتهم  وحقول نشاطهم  ، أن يبرزوا وينشهروا ، ويتصدروا المواقع في المجتمعات والأمم ،  ويكون لهم من ذوي الأدمغة الأدنى وزناً ، أو من ذوي  النفوس الضعيفة ، أتباع وأتباع ، كان فرضاً عليهم وبالحد الأدنى من التفكـير السليم ، أن يتبعوا أولي الألباب من الأنبياء والأولياء  والصديقين . وقد أوجب الله عليهم ذلك ويسَّرهم لهم إلى قيام الساعة .

 أما وقد هانوا وانقادوا إلى ذوي الأدمغة  الكبيرة الشاردة ، والنفوس المجرمة ، بين إلحاد وعلمنة ونرجسية ، أو قوة مال ٍ وجاهلية ، في شتى نشاطات الحياة ، من سياسة وعلم ظني ، وشعر وأدب  وفن ، وأخلاق  ، كل ذلك مما تمارسه أبالسة الأقلام  أو  أبالسة  الإعلام  ، فسيكون لهم  مصير لا تنفع معه ندامة . والله عز وجل يصور مصيرهم بقوله :

          { يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ . وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ . سورة الأحزاب الآيتان ( ٦٦ ـ ٦۷)} .

 

 

الفوارق في الأدمغة :

================

          كما رأينا بخصوص المفاعل الذي هو المخ ، فإن الفارق التقريبي بين وزن دماغ الإنسان ومتوسط دماغ القردة العليا هو :  ١٣٦٠ ـ ٣٦٠  = ١٠٠٠  غراماً لمصلحة الإنسان ، أي بنسبة واحد عند القردة العليا إلى أربعة أمثال عند الإنسان المتوسط .