السقوط الكبير بعد العلو الكبير

السقوط الكبير بعد العلو الكبير :

        وقبل أن نتحدث  عن السقوط الكبير  وهو حتم على بني إسرائيل ، في آخر دولة لهم  هذه التي في فلسطين ، ينبغي أن نلفت إلى أمر هو غاية في الأهمية في هذه الآية ، وهو قوله سبحانه  :

{ .. فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ .. }P(3) P.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة الإسراء  ، الآية  4  .

(2)      سورة الإسراء  ،  الاية  7   .

(3)      سورة الإسراء  ، الآية  7  .

        فهو سبحانه لم يقل ” وعد الثانية  ولم يقل  كذلك وعد الأخرى ” ، ونحن كان يمكن أن لا نلتفت إلى هذا الفارق ، إلاَّ أنه في الواقع له أهمية كبيرة ، تتضح أكثر إذا ربطناها بالآية التي تتعلق بنفس موضوع نهاية الدولة العبرية هذه . وسنعتبرها ، أي الآية رديفاً  لآيات سورة الإسراء ، والآية هي قوله تبارك وتعالى في سورة الحشر :

       {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ، مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ }P(1)P.

       فما يعنينا الآن ، قبل ربط التفاصيل ، قوله تعالى : { لِأَوَّلِ الْحَشْرِ } والحشر هو أول الآخرة  ، ولا بأس هنا أن ننوّه أن المفسرين عامة لم يلتفتوا إلى هذه المعاني في آيات الإسراء ، ولا إلى كونها تترادف مع آية الحشر هذه ، ولا إلى أن آية الحشر هذه هي متعلقة أيضاً بملحمة سقوط الدولة العبرية في آخر الزمان ، ونحن في مواجهة هذا الآخر ، مقتربين من الحشر  المنوّه عنه في الآية  ، مقتربين من الآخرة ، بدلالاتٍ كثيرةٍ ، يواكب بعضها بعضاً ، من أهمها أشراط الساعة  ، التي قلنا إن كثيراً منها متحقق عملياً في زماننا هذا ، والتي سنبحثها إن شاء الله فور نهايتنا من موضوع قضاء الله عزّ شأنه بيننا وبين الذين كفروا من أهل الكتاب  وهم اليهود ، الذين أفسدوا  في الأرض فحاربوا محمّداً صلى الله عليه وآله ومن أسلم معه لله الواحد القهار، وكفروا بما أنزل عليه وهو الحق من ربّه سبحانه ، كتاباً عزيزاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، مصدقاً لما بين يديه ومهيمناً عليه .

        فمن بشائر الفتح ومقوماته لمصلحة المسلمين ، هو ما نجده في مضامين  الآيات  التالية: قوله تبارك وتعالى :

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة الحشر  ، الآية  2   .

{  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُـواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }P(1) P.

ولماذا تكون هذه الآية من البشائر للذين آمنوا والمقصود بها في القرآن الكريم ـ وحيث وقعت ـ المسلمون الحقيقيون ، مع أن مضمونها هو التحالف بين اليهود والنصارى ، والتحذير منهم جميعاً يؤكّد  عداوتهم الشديدة لأهل الإيمان . فكيف تكون من البشائر ؟

في الواقع هذه الآية ، هي من الآيات التي اختلف فيها المفسّرون في الماضي اختلافاً شديداً ، ولم يتوصلوا إلى حقيقة ما ترمي إليه ، وهم معذورون في عدم تدبّرها ، لأنها تذكر خبراً أو حقيقة هي خلاف ما كانوا يرونه في القرون الأربعة عشر الماضية من تاريخ الهجرة الميمونة .فما كان يتم في الحقبة الماضية من التاريخ ، هو ما ذكرنا بعضه في سياق هذا الكتاب، من خلاف مسعور بين اليهود والنصارى ، حيثما اجتمع الفريقان ، وهذا أمر بديهي، حيث أنَّ اليهود ما توقفوا لحظة عن التشنيع على النصارى وحتى على أقدس مقدساتهم المسيح وأمّه عليهما السلام . وكذلك كان هذا الخلاف الذي دام  منذ البعثة الشريفة للمسيح عليه السلام  وحتى ثلاثينات القرن العشرين الميلادي ، كان خلافاً حاقداً في المناظرات  قولاً وكتابة ً ، شرساً دامياً في المواجهات ، كما كان مصداقاً كذلك لمعجزات القرآن الكريم  الذي نصَّ في أكثر من آية عن حتمية وقوعه  في تاريخ الفريقين وصولاً إلى هذا الزمان ،  زمان مصداقية الآية التي تذكر تحالفهم  من جديد ، خلافاً للعداوة المريرة التي كانوا عاشوها كما ذكرنا حوالي أكثر من تسعة عشر قرناً من الزمان ، وإذا بهم يتحوّلون فجأة إلى جبهةٍ واحدةٍ  عالمية في معاداةٍ رعناءَ للإسلام الحقيقي ، وما زال السؤال ، وكيف تكون الآية بشارة  ؟

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة المائدة  ، الآية  51   .

        الحقيقة أن البشارة  فيها مرتبطة بآيات بعدها ، واحدة تمحّص المسلمين ، وتذكر أن الذين يوالون اليهود والنصارى هم من أهل الردّة ، وأنهم سيحشرون معهم على خزي في الدنيا وعذاب الجحيم في الآخرة .

        فالآية التي تفصل بين المسلمين الحقيقيين  وبين الذين في قلوبهم  مرض  الموالين لليهود والنصارى ، هي بعد الآية التي ذكرت مباشرة : قوله تعالى :

{ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ }P(1) P.

فواضح أن البشرى هي في وعده تعالى بالفتح لمصلحة المسلمين ، وحيث أن ظواهر  الأمور ، من حيث تركيبة الدول ، وفارق القوة بين المسلمين وبين من يعاندونهم ، لا لشيء إلاَّ لأنهم يؤمنون بالله العزيز الحميد ، هذا الواقع المتفاوت وغير المتكافىء بيننا وبينهم ، حيث أن الفوارق المادية ـ وليس الروحية ـ  هي لصالحهم في جميع مناحي الحياة ، سياسة وعسكراً ، واقتصاداً وتقنية مدهشة ، حتى لكأن الصورة التي يرسمونها للمقارنة بيننا وبينهم ، قد اعتبرها أكثر مفكري أمتنا وكتّابها ، أنها صحيحة ، وأنها نهائية ، وهي أننا في منزلة الإنسان البدائي في مقابل ” السوبرمان ” أي الإنسان المتفوق الذي في أعلى درجات الحضارة والرقي ، والذي هو أنموذج ينبغي أن يحتذى به ، حسب فريق من المبهورين ، الذين نسوا أن للعباد ربّ يعبد  كما يريد هو ، لا كما يريد عباده .

وعلى كل حال ، هذه المقارنة التي يخيّل أنها واقعية في ظاهرها هي التي حَدَتْ أيضاً بفريق آخر أقل انبهاراً ، من العلماء والمفكرين المسلمين وكتّابهم ، إلى عصر أدمغتهم للبحث عن مخرج للأمة العربية  ،  من هـذا

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة المائدة ، الآية 52   .

المأزق ، وهـم للأسف ـ رغم إخلاصهم ـ كلما كتبوا ، زادوا  الأمور تعقيـداً ، ووقـعوا وأوقعوا الناس أكثر فأكثر  في حيرة ، وهم في كتاباتهم  ، التي يبحثون فيها بحثاً موضوعياً كما يزعمون ، إنما يحاولون المستحيل ، لأننا كلما تقدمنا شبراً تقدم الغرب باعاً ، ويزيد الفارق بحكم النسبيـة ما دمنـا وإياهـم في الزمان الواحد .

        فعلى هذا ، آن لمفكري المسلمين وكتّابهم ، أن يحوّلوا وجوههم إلى الذي يدبّر الأمر من السماء إلى الأرض  ، والذي هو إلـه في الأرض وإلـه في السماء ، والذي هو معكم أينما كنتم ، يدبّر الأمر  يفصّل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون . وأن يتدبروا كتابه الكريم، وأن يدعوا الناس إلى الله عاملين جادين متوكلين عليه لا متواكلين ، وأن يصدقوا بوعد الله ووعيـده الَّذَيْنِ بين دفتي القرآن الكريم ، فالذين يظنّون بالحضارة هذه الزنديقـة ظَنَّ الخير ويظنون بالله ظنّ السوء .

       { عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا }P(1) P.

       وكل آت قريب  .

        ثم عوداً إلى الآية الكريمة الواعدة بالفتح وإلى البشرى التي تتضح فيها ثم تتجلى أكثر فأكثر ، بآية بعدها ، قوله تعالى ، مُنَوِّهاً بعاقبة المرتدين عن دينهم الذين يوالون أو يوآدُّوْنَ أو يطمئنون للتحالف اليهودي ـ النصراني ، كما ينوّه سبحانه بأنصاره الآتين وبصفاتهم قوله تعالى :

       { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }P(2) P.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة الفتح  ، الآية  6   .           

(2)      سورة المائدة  ،  الآية  54   .

        فإذا ربطنا هذه الآية الكريمة بقوله تعالى في سورة الإسْرَاء :

       {  بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ  }

       ثم قوله تعالى في نفس السياق مخبراً بني إسرائيل عن هؤلاء العباد ، بقوله عزّ من قائل :

       { فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُاْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا }

       أدركنا أن هؤلاء المسلمين المؤمنين  ليسوا من النمط العادي ، الذي يعرّض للأذى وربما لسفك الدماء مسلمين مؤمنين آخرين ، فصفات أنصار الله المرصود على أيديهم الفتح كما رأينا في آية المائدة (54) ، أنهم ” أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين ” ، وكيف يكون المؤمن ذليلاً على المؤمن وهو يكيد له ويتربص به الدوائر حتى إذا تمكن منه سفك دمه ، أو قصف منـزله ، أو أغمض عينيه وأطلق قذائفه وصواريخه على قرى وأحياء مليئة  بالمسلمين وبالمؤمنين العزّل  ، فيقع القتل في النساء والأطفال والشيوخ والشباب ، ولا يطرف للقتلة باسم الإسلام جفن ، ويدّعون أنهم هم أهل الفتح ، وأنهم هم أنصار الله … كل ذلك بدعوى أنهم يريدون فتح الطريق لقتال الأعداء الحقيقيين، والأعداء الحقيقيون فوق الفريقين المتناحرين. يوجهونهم ويشكرونهم على إبادة بعضهم ويباركون النّار التي فيها يحترقون .

        بلى سيخرج من الفريقين هذين وأمثالهما في العالم الإسلامي  رجال ـ كما سنرى ـ يجتمعون على حب الله وطاعته والجهاد في سبيله ، ويكونون مصاديق لما ذكر عنهم سبحانه من صفات الصديقين المجاهدين الذين لا يخافون في الله لومة لائم .

        ومتى يبلغ مداه ، هذا الإجتماع على حب الله ، وطاعته والجهاد في سبيله ؟ بفضل من الله تعالى وبنعمة منه ، سيكون ذلك عبر الحرب العالمية القادمة ، التي ستطيح بجبابرة الأرض . ويبقى الباب مفتوحاً للجوء إلى الله ، انضواءً تحت راية لا إلـه إلاَّ الله ، من  جميع  الملـل ، وسيتم هذا الأمر برحمـة

 

منه سبحانه لمن يعلم في قلوبهم خيراً  ، ولمن قال فيهم :

       { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }P(1).

       وسيكون قسمٌ كبيرٌ من النصارى  أوفرَ حظاً عند الله عزّ وجلّ لاتباعهم للمسيح في بعثته الثانية . وهذا الفريق منهم سيجنبهم الحرب وأهوالها ، كما سيجنب جميع الصالحين  من عباده ، وهو على كل شيء قدير .

        لقد قلنا متى يبلغ أمر اجتماع المؤمنين مداه ، وقد أجبنا ، انه بإذنه تعالى سيكون عبر الحرب العالمية ،  بعد أن يجنبنا الله تعالى فظائعها وقيامتها وخاصة في لبنان وبلاد الشام عامة وكذلك إيران ومكة المكرمة ، وكذلك كل بلد إسلامي يكثر فيه الولاء لله وحده دون شريك.

        يبقى أن نقول كيف يكون هذا الإجتماع ، وكيف يتعاضد المسلمون والجواب كذلك، في وعد جاهز بنعمةٍ من الله في آخر آية من سورة  الفتح ، قوله تبارك وتعالى :

       { ..كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا }P(2) P.

        ثم شباب المسلمين وشيوخهم ، وبكلمة هم الأمة الإسلامية التي سيسلمها الله عزّ وجلّ ، وقد رصدها للفتح المببين ، بعد أن محّص وعاقب وابتلى ودمّر على أقوام منها ، وما زال ملائكته بأمر منه سبحانه يهلكون قرى ومدناً وجماعات وأفراداً ويصطفون بإذنه آخرين :

       { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِـكَةُ أَلَّا

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

(1)      سورة البقرة ، الآية 62   .                      (2)      سورة الفتح ، الآية 29   .

 

تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ }P(1) P.

       ومن نماذج العقوبات والإبتلاء والتدمير والتشريد والقتل الجماعي وإهلاك أفراد وليس هلاكهم  ، ما حصل لشعب فلسطين في الداخل  والخارج ، وما زال ، ثم في لبنان ، ثم في الكويت ، ثم في العراق ، والله أعلم أين ستكون محطات الغضب التالية قبل الحرب العالمية وفي حُمَيَّاها أو وقوداً لها .

        ومع ذلك كله ، سينجي الله عزّ شأنه ، الأمة الإسلامية  التي قال فيها :

       { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ .. }P(2) P.

       سينجيها ، ويجمع شملها على الخير ، وعلى النصر المبين ، بعد أن يصطلي بنيران يأجوج وماْجوج أكثر أهل الأرض .

        وقد آن  لنا أن نحسم القول ـ ودائماً بفضل الله وعنايته ورحمته ـ في معنى يأجوج وماْجوج والإختلاف الشديد حولهما وحول معناهما وماهيتهما سواء عند اليهود أو النصارى أو المسلمين والجميع يعتبرونهما أقواماً من البشر أو ما يشبه البشر، وواقع الحال أنهما كناية عن بشر لأنهما لا يتحركان إلاَّ بمحرك ، وما هما إلاَّ القذائف والصواريخ من كل حجم وهي ما كنَّىْ عنها سبحانه بيأجوج لأنها تؤجّ نيرانها أجّاً ، أما ماْجُوْج ( وبدون همز ) فقد كنَّىْ به سبحانه عن المدافع بجميع عياراتها لأنها تمجّ من أفواهها ما هو معلوم من مواد الفتك والدمار . هذا بلغة القرآن الكريم ، اللغة العربية :

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة فصلت  ، الآيات ( 30 ـ 31 )   .

(2)      سورة آل عمران ،  الآية  110 )    .

 

{ بسم ِ الله ِ الرَّحْمَن ِ الرَّحِيمِ . حم . وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ . إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }P(1) P.

ولو أن العرب أسموا القنابل والمدافع منذ البداية يأجوجاً ومَاْجُوجَاً وهو الأصح تعبيراً وكناية وتوافقاً مع كتاب الله ، لما كان هناك مشكلة منذ معرفة هذين النوعين في الزمان المتأخر .

على أن هذه العبارة وردت مرتين في القرآن الكريم : واحدة تتعلق بعصرنا ، وهي التي في سورة الأنبياء والثانية مضت عليها قيامة أرضية سابقة وهي التي في سورة الكهف  ، أما الأولى فقوله تعالى :

{ حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ }P(2) P.

       وواضح أن الأمر هو كذلك من أشراط الساعة ، أو القيامة الكبرى التي ستكون على مستوى السموات والأرض .

        أما لماذا لا يكون الأمر مرتبطاً كذلك بالحربين الأولى والثانية العالميتين ، وكذلك الحروب الإقليمية التي حصلت بعدهما ، وكذلك الحروب المحلية ، وفي جميع هذه الحروب استعملت الألغام والقنابل والمدافع . فنقول وهو كذلك ، فكل هذه المدة الزمنية ، هي من مقدمات الساعة ، أي القيامة الكبرى ، أي الوعد الحق المنوّه عنه في الآية الكريمة ، على أن تكامل هذا الشرط من أشراط الساعة  أو تكامل هذه العلامة ، أمر مرهون بقوله تعالى :

        { حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ … } .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

(1)      سورة الزخرف ، الآيات ( 1 ـ 3 )   .

(2)      سورة الأنبياء ،  الآيات ( 96 ـ 97 )  .

        وقوله سبحانه :

        { وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ } .

       وقوله عزّ شأنه :

        { وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ } .

       فالقولاَنِ الأوّلانِ ، دلالةٌ على كثرتِهما وكأنما على تدفّق الجيوش معهما ، والعبارة الثالثة كناية عن الإقتراب أكثر فأكثر من وعد الله عزّ وجلّ بقيام الساعة . ثم دلالة الآية الكريمة  بشكل عام على مدى أهوال واتساع هذه الحرب وشمولها لجميع كفار أهل الأرض بدلالة قوله تعالى :

{ … فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ }P(2) P.

وليس من شروط علامات ِ الساعة أن تكون جميعاً في يوم أو سنة  أو حتى عقد من الزمان ، فسنرى عند وصولنا إلى هذا المبحث إن شاء الله ، كيف أن بعض العلامات قد تمتد وتتفاعل خلال ربما أكثر من عقدين من السنين . وعلى سبيل المثال :

{ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ . ( سورة التكوير ، الآية 6 ) } .

وتسجير البحار حاصل بمعنييه وهما الإحتراق والإمتلاء ، وهو أمر مستمر منذ أكثر من ثلاثة عقود ، أي منذ بدء التجارب النووية في عمق المحيطات وما يتبع ذلك من احتراق بالغ الشِدَّة يسبب مزيداً من ذوبان الجليد في قطبي الأرض شمالها وجنوبها ، مـمّا ينتج عنه زيادة تسجير البحار بالمياه ، أي امتلائها ، أضف إلى ذلك حرائق النفط وبقع النفط التي أقلّها حصل في حرب الخليج ، وأكثرها واقع بإذن الله في الحرب الكبرى الآتية ، عندما تصل هذه العلامة من علامات الساعة إلى أَوْجِهَا أو تكاد ، مواكبة ومتساندة مع علامة ثانية قوله تعالى عن الأرض  :

{ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ . ( سورة الإنشقاق ، الآية 4 ) } .

 

 

 

 

وإذ نكتفي الآن بهذا المثل ، نعود إلى حكاية يأجوج وماْجوج ، التي في سورة الكهف ، والتي هي قوله تعالى :

{ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا }P(1) P.

إلى آيات أخر قبلها وبعدها تلقي الضوء على مجمل القصة ، إلى أن يقول سبحانه على لسان ذي القرنين بعد بناء السد :

{ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا}P(2) P.

وواضح أن هذا السد اليوم لا أثر له ، ربطاً بالصفات التي ذكرت في القرآن المجيد فيما بين الآيتين ، وهي كونه سد هائل يستحيل على القوم اختراقه أو ارتقاؤه ، وتدل الآية على أنه دمّر تماماً :

{ جَعَلَهُ دَكَّاءَ } .

ثم من بليغ الدلالة على هذه الحقيقة ، أنهم دمروا ، وأنهم في برزخ عرضوا على جهنم بانتظار القيامة الكبرى ، يوم يردّون إلى ربِّهم فيعذّبهم عذاباً نكراً ـ كما ورد في آية في بداية السياق ، قوله تعالى :

{ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ، وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا }P(3) P.

ولن نتوقف عند قول من قالوا ، إن استعمال صيغة الماضي في الآيات ، تدل على تحقّق هذا الأمر في القيامة الكبرى النهائية ، صحيح أن بعض الاستعمال لصيغ الماضي يدل على التحقّق في المستقبل ، إلاَّ  أنه  ليس جميع صيغ الماضي ، وإلاَّ  لكان جميع الحديث والقصص القرآنـي

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــ 

(1)      سورة الكهف ، الآية  94  .

(2)      سورة الكهف ، الآية 98   .

(3)      سورة الكهف ، الآيات  ( 99 ـ 100 )  .

يشير فقط إلى المستقبل ، وهذا مردود بالبديهة  .

        على أن القصة ، باختصار شديد ، هي أنها كانت حضارة حديدية ـ نحاسية كما يستنتج من الآيات الكريمة ، ليست بعيدة عن حضارتنا هذه التدميرية ، فأقام الله عزّ وجلّ القيامة على رؤوس أهلها الَّذين أفسدوا في فترة من الزمـان امتـدت بعد ذي القرنيـن المذكور في القرآن الكريم إلى ما شاء الله .

        ولا بأس  أبداً عندنا ، فيما كتبه بعض المحققين من علماء الآثار ، عن حضارة راقية ، سبقت حضارتنا هذه ، ثم كان تدميرها تدميراً كاملاً ، بحيث لم يبق على وجه اليابسة  من آثارهـا إلاَّ اللمم ، ومنه فيما يلي القشرة الأرضية الحالية ، كميـات من غبـار النجوم إلى غير ذلك من آثار وكأنها ـ كما يقولون ـ آثار قصف سماوي للأرض ، على أن بقايا هذه الحضارة ، أحصوهـا  ـ وما زالوا ـ في أعماق البحار .

        وبخصوص القول  :

        { .. إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ..}P(1) P.

       وأن ( مفسدون ) للعقلاء ، فكيف وصف بها ما لا يعقل ، فالجواب أنها من باب قوله تعالى :

       { .. وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ.. }P(2) P.

       يقصد بها فرساناً وراجلين . وكذلك قوله تعالى للسموات والأرض :

       { .. اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }P(3) P.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة الكهف  ،  الآية 94    .

(2)      سورة الإسراء  ،  الآية 64   .

(3)      سورة فصلت  ،  الآية  11   .

 

شارك