الشفاعة في الدارين : الدنيا والآخرة :

        قال تبارك وتعالى :

       {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا }.[ 85 : النساء].

        والله في كلا الأمرين ، هو الرقيـب والمجازي ، خيراً بخير ، أو سوءاً بسـوء . ولا تكون شفاعة إلاَّ إما بإرادته وأمره سبحانه ، وإما بإذنه ، فلا استقلال  لأحد من دون  الله ، ولا خروج من سلطانه تبارك وتعالى .

        وفي هذه الآية الكريمة ، دلالة بينة في قوله عزَّ شأنـه : { وَمَـن  يشْفَـعْ  شَفَاعَةً سَيِّئَةً }  على أن الشفاعة المقصودة هنا ، هي في دار الدنيا كما في الدار الآخرة ، والمقصود فيها الكفار والمشركون والمنافقون . إذ ليس من المعقول ولا المتصور أن يشفع من المؤمنين أحد بأحد شفاعة سيئة وجميع الناس في معرض الهول والفزع الأكبر. وإن شاء الله سنعطي على الشفاعة السيئة أمثلة من الدارين .

        هذا بالنسبة لعموم  الناس ، أما خاصتهم من أولياء الله تعالى ، فهم أنبل وأشرف من أن يسيئوا لأحد في الدار الآخرة ، بعد إذ كانوا في دار الدنيا حريصين على عدم الإساءَة حتى لأعدائهم ما داموا منهم في منجاة وعنهم فـي معـزل .

        وما دام الأمر كذلك  في القسم الثاني من هذه الآية ، فالقسم الأول { مَنْ شَفِعَ شَفَاعَةً حَسَنَةً … } إذن يعني كذلك ، الشفاعة في الدنيا وفي الآخرة ، لأن آيات أُخر تنص على الشفاعة في كلا الدارين وتنوِّه بها تنويهاً ، وتدعم هذه الآية بما لا يبقي أثراً لمرتاب .

        وقوله تعالى في آخر الآية  { وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا } ـ والمقيت الحافظ للشيء القادر عليه ـ يشعر بأنه من الأحسن أن يشفع الإنسان لآخر شفاعة حسنة ، فيكون له منها نصيب ، إذا كانت لمؤمن .  وأن لا يشفع شفاعة سيئة فيكون له منها نصيب . ويُطَمْئن المشفوع له بالشفاعة السيئة ، بأن الله عزَّ وجل يردها على صاحبها ، لأنه سبحانه على كل شيء  مقيت ، أي له حافظ ، وعلى المشفوع  له وعلى الشافع وعلى كل شيء  قدير . هذا إذا كان المشفوع له بريئاً ، وأما إذا كان مجرما ً، فلا تزيده  الشفاعة السيئة عذاباً ولا سخطاً من الله ، لأن الله به أعلم ، وبجزائه أحقُّ وأولى .

        وفي جميع حالات الشفاعة في الدنيا والآخرة ، نجد أن الله وحده  سبحانه ، إما أن يكون هو الآمر عن علم ومشيئة وتقدير وقضاءٍ حتم بالشفاعة والشفيع والمشفوع له ، كما شفَّع بهاجر عليها السلام ، قبيلة بني جرهم ، بعد أن شفَّع بها وبإبنها ينبوع زمزم ، وتلك شفاعة خير وجزاء خير ، وهو سبحانه لا يصدر منه إلاَّ  الخير . وإما أن يسمح ويأذن لإنسان سيء  بأن يقع في سوءٍ هو اختاره ، فلا يكون الله سبحانه  هو الذي أوقعه ، وذلك ينطبق على  أفراد الناس وعلى مجاميعهم . ومثال على ذلك إذنه سبحانه لإبليس وقبيله بأن يكونوا شفعاء لمن هم مثلهم من الناس سوءاً وربما أسوأ منهم ، أي من الشياطين . وذلك في قوله عزَّت عظمته : { وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا } .[ 64: الإسراء ]  فمشاركتهم في الأموال والأولاد هي مشافعة ، وكذلك وعدهم من قبل الشيطان هو شفاعة سيئة كما هو واضح وبيِّن . هذا مثل  عن شفاعة السوء في الحياة الدنيا ، ومثله قوله تبارك وتعالى : { وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } . [ 36 : الزخرف ]  أي نشفعه بشيطان ـ فهو له شفع وشفيع سوء .

أما الأمثلة عن الشفاعة السيئة في الدار الآخرة ، فكثيرة نجتزىء منها قوله تبارك وتعالى : { أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ . مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ . الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ . قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ . قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ} .[24ـ28:ق] . وقال عزّ وجل : { هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ . جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ . هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ . وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ . هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ . قَالُوا بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ . قَالُوا رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ . وَقَالُوا مَا لَنَا لاَ نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ . أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ } . [ 55 ـ 63 : ص ] .

        وهذه الآيات هي التي تعجب منها رسول الله محمّد (ص) أيّما عجب ،  واستعظم ما حملته من حقائق  ، تقشعر لها في الحقيقة أبدان الذين آمنوا ، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ، وماذا أعظم وأحسن وأوجب من ذكر الله له الحمد وعزَّ وجل ، وتبارك وتعالى عما يشركون . أمَّا تعجب رسول الله (ص) منها واستعظامه لما فيها ، فهو ما أمره الله  بتبليغه بقوله سبحانه : {  قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ . أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ . مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ . إِن يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ  } . [ 67 ـ 70  : ص ] .

        ولكي لا يظنَّنَّ أحد ، بأن آية { مَنْ يَشْفَع شَفَاعَةً حَسَنَةً … }  أنها من الخاص أو المقيَّد ، نشير إلى أنها تأتي ضمن مجموعة تعاليم في سورة النساء ليس لها ارتباط قَيْدِيّ بما قبلها ولا بما بعدها ، فهي تعتبر من الآيات العامة المجملة والمطلقة .

        أما حالة  الكفار بصدد الشفاعة الحسنة في الآخرة ، فاخترنا للدلالة عليها الآيات التالية : قولـه تبارك وتعالى : { … فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا …} .

[ 53 : الأعراف ] . وقوله سبحانه : { فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ } . [ 100 : الشعراء ] وقوله عزَّ شأنه : { … مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ … فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ } . [ 48 : المدثر ]  وقوله جلَّت عظمته : { وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ  … مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ } . [ 18 : غافر ] وقـوله جلَّ جـلاله : {… قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا … }. [ 53 : الأعراف ] .

        يبقى المؤمنون وعلاقتهم بالشفاعة في الآخرة . قال عزَّ وجل :{ لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا } . [ 87 : مريم ] . نستفيد من هذه الآية حقيقتين متلازمتين : الأولى أن في الآخرة ـ وذلك يستنتج من موقع الآية  في سورة مريم ـ أناس يملكون الشفاعة ، وهم المستثنون من الآية الكريمة بـ {إلاَّ} قوله سبحانه : { إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا } . وهؤلاء الذين  اتخذوا عند الرحمن عهداً أو ميثاقاً  ، وكلاهما بمعنى واحد  ، هم المعنيون في آية ميثاق النبيين : قوله تبارك وتعالى : { وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَـذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ}. [ 81 : آل عمران ] . وليس في القرآن عهد أو ميثاق خاص أُعطي لغير هؤلاء ، بنص قرآني ، إلاَّ آية الولاية التي تحدثنا عنها مطوَّلاً في فصل سابق ، وهي قوله تبارك وتعالى : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ } . [ 55 : المائدة ] . أما من أراد ويريد أن يتوسع في موضوع الشفاعة ناسباً إياها لغير الأنبياء ولغير مصاديق آية الولاية هذه ، فذلك يعتمد على الأحاديث والروايات . وقد تجنبنا نحن ذلك ، ووعدنا بتجنبه جهدنا في جميع كتاباتنا تقريباً ، إلاَّ ما اقتضته الضرورة أحياناً . وذلك عملاً بقول الله عزَّ وجل : { … فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ . وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ . يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَـذَابٍ أَليمٍ } . [  6 ـ 8  : الجاثية ] .

        إذن ، إنَّ الذين اتخذوا عند الرحمن عهداً هم النبيون وصالح المؤمنين ، وهذا العهد الخاص بهم ، في جملته ملك الشفاعة التي مليكها الله سبحانه ، المالك لما ملَّكهم  ، والقـادر على ما أقدرهـم عليـه : { قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا …} .

        أما الحقيقة الثانية التي نستفيدها من الآية الكريمة { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا } . [ 87 : مريم ] ، فهي أنه ما دام الأمر كذلك  ، يعني أن الشفاعة في الآخرة هي حقيقة قرآنية في كلام الله الذي لا يأتيه الباطل  من بين يديه ولا من خلفه ، وأنه سبحانه ملَّك الأنبياء والأولياء ما قضاه لهم  منها . فيكون  كل مشفَّع من الله ، مشفَّعاً بمجموعٍ  من الناس يقل أو يكثر حسب المشفّع المعني ومجتمعه ، وحسب مستوى اختصاصه إذا كان من الأنبياء ، فهو إما أن يكون ذا اختصاص واحد  ، أي نبياً فقط وإما أن يكون ذا اختصاصين : نبياً ورسولاً ، ولهؤلاء وهؤلاء ، كذلك درجات لا يعنينا هنا تفصيلها .

        هذا بالنسبة للمشَّفعين أو الشفعاء الذين عهد الله سبحانه إليهم بمهمة الشفاعة في الآخرة . يبـقى من هـم الذين أذن الله تبـارك وتعـالى بالشفاعـة  لهم ؟

        والجواب أنهم ، هم عامة المؤمنين ، في كل عصر وزمان .

        وحسب النصوص القرآنية ، يعتبر هذا الأمر محسوماً لا جدال فيه . إذ أن الكفار والمشركيـن والمنافقيـن ، الذين ماتوا على هذه الصفات ، لا تنالهـم ـ كما رأينا في الآيات ـ شفاعة الشافعين .

        فإذَنْ ، حكماً ستكون الشفاعـة  لمن يحتاجهـا من المؤمنيـن ، وشرط الإنسان  لكي يكـون مؤمناً مقبولة لـه الشفاعـة ، أن يكون موحـداً ، غير مشرك ، إذ : { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء .. } .

[ 48 : النساء ] . فإذا كان متخذاً  آلهـة غير الله  ، يدعوهم ويستجير بهم ويلجأ إليهم ،  قـولاً وفـكراً وعمـلاً ، فلن يقبـل  في عداد المؤمنين . لقوله سبحانه :مخاطباً محمداً رسوله(ص): { قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا } .[ 22: الجن ] .  والملتحد هو الملجأ  ، والآية طبعاً ملزمة لجميع المكلفين من خلقه سبحانه وتعالى عما يشركون .

       

أما لماذا الشفاعـة  للمؤمن ما دام  مؤمناً ، والإيمان هو المطلوب أساساً للفوز بالجنة والنجـاة من النـار ؟ وقد قال عزَّ وجل : {.. فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ.. } . [ 185 : آل عمران ]  ؟ هذا صحيح ، إلاَّ أن بعض المؤمنين ، يكون لهم من الذنوب ما يجعلهم ليس في الجحيم ، وإنما على حافتها فترفعهم شفاعة المشفَّع  بهم إلى الدرجة الأولى التي قد تكون أقرب شبهاً بالحياة الدنيا . ويبقى فوقهم من الدرجات ، ما يذهل الفكر ، ويتعب الأرقام الحسابية ، إذا حاول الفكر البشري تقديرها بالأرقام . ثم إذا كان بعض المؤمنين ، تفضل عليهم سبحانه بالدرجة الأولى ـ حسب  مآتيهم ـ  في الدنيا ، فيشفِّع بهم من يشفِّع  ، ليرفعهم إلى الثانية . وإذا كانوا في الدرجة السبعين  ، يشفِّع بهم مثلاً من يرفعهم بكرم الله إلى عليين  { وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ } . [ 19 : المطففين ] . فالشفاعة من وجه من الوجوه ، هي ترميم لنقص ، أو مغفرة  لذنب ، أو عفوٍ عن جريرة ، كانت تقتضي حساباً عسيراً ، فسهلت الشفاعة هذا الحساب . ومن وجه آخر ، نضرب مثلاً مضامين قوله تبارك وتعالى : { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ } . [ 21 : الطُّور ] . إذا كان الله سبحانه  قضى لبعض أوليائه الصالحين ، بدرجات عالية  في نعيمه ورحمته ، وكان لهم أزواج وذريات مؤمنة ، وكذلك آباء وأمهات مؤمنين ومؤمنات ، وكان هؤلاء بعضاً أو جميعاً لا يستأهلون تلك الدرجات الرفيعة ، فإكراماً لصلاح الصالحين من أوليائه ، فيشفِّعهم بمن يرضى من ذويهم ، ويلحقهم بهم في جنتهم  التي كانوا في منازل أدنى منها . ومن  هذه الآية نستنتج أن الله سبحانه يشفِّع كذلك غير الأنبياء  ممن يشاء بمن يشاء من عباده المؤمنين من البشر ، وكذلك من الملائكة ، وهذا المفهوم من الشفاعة قائم  ووارد في الدنيا والآخرة . قال جلَّ جلاله : { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ . رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } . [  7 ـ 8  : غافر ] .

        وتبقى الحقيقة الكبرى التي تهيمن على كل هذه الجزئيات والحيثيات في مفهوم الشفاعة ، وهي قوله  سبحانه وتعالى :

       {  قُـل لِّلَّهِ الشَّفَاعَـةُ جَمِيعـًا لَّـهُ مُـلْكُ السَّمَـاوَاتِ وَالْأَرْضِ …} . [ 44 : الزمر ] .

       بعد أن عرفنا معنى الشفاعة ، لغةً ، وبعد أن رأينا نماذج عن الشفاعة في الآخرة من خلال الآيات القرآنية ، التي تستعرض المفهوم والحقائق والأمثال . بقي أن نقدِّم نماذج عن الشفاعة  في دارنا الدنيا هذه ، معتمدين دائماً على النصوص القرآنية المقدسة ، لنعود ونربط جميع أنواع  الشفاعة ، في الدنيا والآخرة ، بعزَّة الله سبحانه ، خضوعاً للحقيقة المضيئة في قوله عزَّت عظمته : { قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً } . ففي الإشارات القرآنية الصريحة والكنايات ، وشتى  أساليب البيان القرآني الفذّ  ، ولغته العميقة المعجزة  ، نجد مئات الأمثال عن شفاعة الله بعباده ، وعن أنه سبحانه هو الشافع أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً ، وعن تشفيعه كذلك ، عباداً له بعباد له آخرين ، حتى وتشفيع معان ومواقف وأشياء ومخلوقات من غير البشر بمن يشاء من عباده الصالحين ، نقتصر  منها على بعض  النماذج والأمثلة . قال عزَّ وجل ، على لسان مؤمن سورة يس : { وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ . إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَـلاَلٍ مُّبِينٍ } . [  22 ـ 24  : يس ] . قوله : {أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً } طبعاً آلهـة مزعومين ، إذ لا إلـه إلاَّ الله ، وهو ما يحتج به الرجل على قومه ، ويعرِّض بهم ، بأنهم  يعبدون من دون الله أصناماً حجرية وبشرية . والحقيقة  أن الناس قد عبدوا وما زالوا ، في التاريخ الماضي والراهن ، من البشر ، أكثر مما عبدوا من الحجر . والعبادة هي الطاعة  للمعبود ، وذكره أكثر مما يذكر الله . وما أكثر الناس الذين يؤلهون بشراً ، أمواتاً وأحياءً ، ويسألونهم الشفاعة عند الله ، وهو ممنوع عليهم تحت طائلة غضبه عليهم ومقته لهم سبحانه .

       

إذ المفروض  أن يسألوا الله وحده أن يشفِّع بهم من يشفِّع ، هذا إذا كانوا يعلمون مع صدق التوحيد ، أنه لا بدَّ لهم من شفاعة . وإلاَّ فبإستطاعة الإنسان المؤمن الموقن  بالله عزَّ وجل وبوحدانيته وكتابه ووعده ووعيده ، أن يسعى لأن يكون أحد إثنين ، في جميع الأحوال هما أحسن من سائل الشفاعة يطلبها من عباد الله : أولهما أن يكون هو مشفَّعاً ، يعني يشفِّعه الله سبحانه بآخرين من إخوانه في الله ممن هم أدنى منه إيماناً وأقل جهاداً في سبيل الله ـ ولا يكون ذلك إلاَّ إذا وهب نفسه وقلبه وبدنه ومتعلقاته  ودنياه كلها في سبيـل رب العالميـن ـ وأما الثاني ، فهو أن يستغني بشفاعة الله وحده ، عن الشفيع من المخلوقين ، وكذلك ، لكي يصل إلى هذا المقام ، ينبغي أن يكون من الموحديـن الصدِّيقين ، والمجاهديـن  الأبرار .

        ولا ننسينَّ إضافة لهذا كله ، أن لله سبحانه في خلقه شؤون ، منذ الأزل وقبل إهباطهم على هذا الكوكب . ولعلَّ من الأمثلة الصالحة للحصول على المطالب الثلاثة  التي نحن بصددها : الشفاعة في الدنيا ، وأن لله سبحانه شؤون في خلقه قبل ولادتهم في دنيانا هذه ، والثالث ، ما يرتبه الله جلَّت عظمته ، على يقين الإنسان وولائه لربه وعدم معصيته له في أشد الفتن قهراً على نفس الإنسان وبشريته ، وأعصابه ورغباته . قلت لعلَّ من الأمثلة  الصالحة لذلك كله ، قصة هؤلاء البشر : يوسف وأبيه وإخوته ، وآثار هيمنة  الله المهيمن  وحده لا شريك له ، سبحانه وتعالى عما يشركون . هذه القصة  الغنية بالعبر ، والتي سماها الله سبحانه أحسن القصص ، نوجزها إيجازاً شديداً ، متوخين فيها ، فقط المطالب الثلاثة التي ذكرناها آنفاً .

        قال تبارك وتعالى:{أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.[64:النمل ] .

        ومن جملة هذا الرزق الذي في الآية ، الشفاعة .

        قال تبارك وتعالى :

        { لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ } . [ 7 : يوسف ] .

        أول شفيع ليوسف ، كان هو الله سبحانه ، ثم سبَّب له الأسباب ، ومنها  الشفاعة في الحياة الدنيا . فشفَّع به ملائكته كَتَبَةً وحَفَظَةً ورعاةً ودعاةً ، ورسلاً إليه يعلِّمونه ويوجهونه . وهذا ليس عجباً ، فهو ميسر لأي مؤمن عادي ، حسب منـزلته السابقة عند الله ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون . ثم شفَّع به أباه ، حيث غمره بعطفه وحبه، ووجد نفسه عن غير عمدٍ يفضله ويقرِّبه ، مما أشعر فعلاً إخوته العاقِّين بذلك . فنووا ما نووا ، وفعلوا ما فعلوا . ثم شفَّع به الرؤيا التي رآها :{ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ . قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } . [  4 ـ 5  : يوسف ] . ثم شفَّع به السيارة : {وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَـذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ . وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ } . [  19 ـ 20  : يوسف ] . ثم شفَّع به امرأة العزيز الذي اشتراه ، وقد تبين  فيما بعد أنها سافلة ، فابتلاه بها وبنسوة المجتمع المخملي الذي ديدنه الفساد والشهوات . وأظهره الله نموذجاً رائعاً من الذين يوالون الله وحده ، ويطيعون الله وحده ، ويخافون الله وحده . وشفَّع به أحد صاحبي السجن ، الذي ظن أنه ناج منهما ، إذ قال له يوسف : { ..اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ..} يقصد عزيز مصر ومليكها . وهنا سقط يوسف من شاهقه الذي كان فيه مقرباً عند ربِّه ، سقط تحت وطأة السجن وظروف السجن ، إلى أن يطلب شفاعة من غير الله . وظنَّها هي المطلوبة ما دامت في أعلى مستوياتها عند رئيس البلاد . فقيض الله له شيطـاناً أنساه ذكر ربه العظيم ، فلبث في السجن بضع سنين ، زيادة على ما كان الله سبحانه كتب له من أجل تربيته  وتعليمه . ثم اجتباه ربه إذ تاب ، فتاب الله عليه ، وأخرجه من السجن وشفَّع به مليك مصر ، فجعله وزير خزانته ، ثم المسؤول عن تدبير اقتصاد البلاد برمتها ، ثم رفعه الله سبحانه فجعله هو عزيز مصر وسيدها بدون منازع . حيث جلب أهله وإخوته بعد أن محَّصهم الله بعقوبات وإبتلاءات شديدة ، منها العوز والحاجة والكدح في تحصيل الرزق ، والأسفار الشاقة في البوادي والقفار، يرسلهم في أكثرها وأبرزها إلى أخيهم الذي حسدوه وشرعوا بقتله ، لولا أن ينجيه ربُّه الله تبارك وتعالى { فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } . وذلك  ليذل الله أنوفهم ، وليذقهم جزاء المعصية الكبيرة التي أقدموا عليها ، وليكونوا درساً لغيرهم في حياة البشرية ، إذ قالوا وكلّهم شرعاً راشدون ، ما حكاه الله سبحـانه عنهم : { إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْـنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَـلاَلٍ مُّبِينٍ . اقْتُلُواْ يُوسُفَ … } . [ 8 ـ 9  : يوسف ] . وأخيراً كان الله هو وحده شفيعه سبحانه ، حيث جلب له أهله من البدو ، وغسل قلبه من الضغينة على إخوته ، وجعله يستمتع بصحبتهم ومحبتهم بفضل الله تعالى وكرمه .

وهكذا فقد تبين أن الله عزَّ شأنه ، وجلَّت عظمته ، هو الشفيع أولاً  وهو الشفيع آخراً  قوله عزَّ وجل : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } . [ 3 : الحديد ] . كما تبين أن معنى الشفاعة  هو أعمُّ من أن يكون إسقاطاً لعقوبة ، أو صفحاً عن ذنب ، وأن يكون الشفعاء فقط من الناس ومن أولياء الله الصالحين . كما في الحياة الدنيا ، كذلك في الآخرة . فالشفيع هو الله وحده ، فإن شفع  أحداً من خلقه ببعض الناس ، فيكون سبحانه قد جعل الشافع سبباً لإنقاذ من يريد أن ينقذه هو تبارك وتعالى ، سواءً كان بعض المؤمنين الموحدين أو جميعهم . علماً ، كما أسلفنا ، أنه ليس للكافرين ولا للمشركين شفاعة ، ما لم تكن التوبة والإنابة قبل الموت . بل لهم وعيد الله وعذابه ، كما فصَّله في منـزلاته ، سبحانه وتعالى عما يشركون .

قال تبارك وتعالى :

{ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ . وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ … }.[  22 ـ 23  : سبأ ] .

ويتضح معنى قوله عزَّ وجل : { قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا..} أكثر فأكثر ، لمن يتعامل مع القرآن الكريم ، كما أمر الله سبحانه ، تلاوة ، وتخشعاً ،وتدبراً لآياته ، ووقوفاً عند حروفه ، وسياحة بينها ، وسفراً في لججها ، فسيجد نفسه على شطآن السلامة ، وأمامه الجمال العبقري بلا نهاية ، ثم جمال الجمال ، ثم سرُّ الجمال ، ثم سرُّ السر ، ثم السرُّ المستسر ، فيخرُّ أمام عظمة الله ، وبتوفيق منه سبحانه ، ساجداً بعقله وقلبه وجميع جوارحه وكلية وجوده ، أمام وحدانية الله ، وحاكمية الله ، وشفاعة الله وحده لا شريك له ، وستبقى الحقيقة التي قالها محمّد (ص) وهي : ” إنَّ أصدق كلمة قالتها العرب ، هي كلمة لبيد :

                    ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل ُ ”

ستبقى ماثلة أمام عقل كل ذي عقل ، ولب كل ذي لب ، على هامش كل آية ، وكل كلمة ، وكل حرف من كتاب الله المجيد : وتشعُّ هذه الآية من آيات الله وتضيء ، فتمحو كل ظلام وتعلو كل كلام ، وهي قوله سبحانه وتبارك وتعالى وعزَّت قدرته وجلَّت عظمته :

{ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } . { 30 : لقمان } .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شارك