القرآن تبيان لكل شيء

القرآن تبيان لكل شيء

 

        ووجهان لحديث : ( قيّدوا العلم بالكتاب ) .

        ما أرمي إليه ، هنا ، ابتداءً ، هو  التنبيه إلى المصدر الأعظم  ، المدوّن ، في شتى مجالات العقـل والحياة ، عنيت القرآن الكريم ، لقول الله تعالى فيه ، عزّ من قائل :

       { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ، وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}P(2) P.

       تبياناً لكل شيء في تشريع الكون وتشريع الحياة  : من الفرد إلى الأسرة إلى المجتمع إلى الدولة إلى الكون طرداً وعكساً وهذا الكلام ، لكل عاقل رصين ، أو متعقل ، وليس للذين طبع الله على قلوبهم  فهم لا يعلمون .

        ولذلك سيتأزم  ، عند قراءة هذه السطور  غير العارف بالقرآن  وبعظمة رب القرآن فينفر ويستكبر. وإذا كان خلوقاً ليّن الطباع ، فسيطالبنا  بما قلنـاه

 

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــ 

(1)      سورة الحج ،   الآيات 54 ـ 55  .

(2)      سورة النحل ،   الآية 89     .

نحن عن القرآن ، من أنه ليس كتاب علم تفصيلي ، وإنّـّما هو كتاب دين فيه  ضوابط لمسارات  العلم من جهة ، ومن جهةٍ ثانية ٍ ، حقائق علمية تستدعي الكشف عنها حسب تطوّر البشرية ،فضلاً عن أسرار مستحيلة على البشر ،يفاجأ بها الإنسان حين كشفها ، منها على سبيل المثال ، استخـراج أسرار الذرة ، والتحوّل العلمي الألكتروني  الخطير الذي ترتّب على ذلك . ونحن عند قولنا ، فينبغي أن يدقّق المعترض ، ليتيقن أنه لولا العلامـات الضابطة ، والثوابـت العلمية في القرآن والمتعلّقـة بما ذكرنا من المـواد والموضوعـات  العلمية ، لكان انهار الإسلام كبرنـامج حضاري منقـذ للبشرية ، وكرسالة وكدين ، ولكان ترنـّح وسقط في فوضى ومفارقـات  الحضـارة الغاشمـة ، لا سيّما في مجالات الفكر  والتنظير والفلسفات المتضاربة ، فضلاً عن البحـوث الظنّية  والنظريـات  والاحتمالات التي لا يمضي على بعضها ردح من الزمان ، أو حتى  لا يحول على بعضها الحول ، حتى تسقط وتصبح باطـلاً ، بعد أن  كانت مظنونة حقّـاً اعتنقه ملايين البشر ، وما زال الأمر كذلك ، وما زال القرآن وسيبقى منارة الضبط والتوجيه والتصحيح ، وتقويم المعوج ، وتقديم  المنطلقات ، التي توفّر الجهد وتختصر الطرق ، وتقود إلى الطريق المستقيم . يعنـي إلى صراط الله عزّ اسمه .

        ولشدّة يقيننا بهذا الأمر ، ولو تميع دونه الغافلون ، الذين اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ، وخاضوا خوض الهِيْمِ ، فيما دون القرآن من المدونات المأجورة والمهجورة ، والموضوعة  والمستعارة ، والتي فيها التشدّق أكثـر مـمّا فيها وَرَعُ العلماء ويقين العلماء ورصانة العلماء ، نعم تركوا القرآن والعلـم والعقل ، وتنكّروا للعلوم العصريـة على خطورة  ولزوم ما يجب لزومه من معظمها ، هجروا كل ذلك ، إلى نبش قبور الفكر والتعبّد بهـا ، فوقعوا في  حيـرة  وأوقعوا الناس وما  زالوا .

 

        وتأكيداً على ما ذكرت من عظمة القرآن وشمولية القرآن ، يقينيّ بأنه ليس عبثاً قـول الله تبارك وتعالى عن القرآن ، أنه تبيـان لكل شيء ، الآية  آنفاً ، وكذلك قوله عزّ شأنه :

 

 

 

{ قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا }P(1) P.

فمن يدعي أن هذا القول ، إنما قاله سبحانه وتعالى ، فقط للتدليل على بناء القرآن وأسرار  بنائه  وتركيبه وإعجازه ، من ادّعى ذلك فهو قصير النظر ، كليل الفؤاد واهي الجناح ، وما قدّروا الله حق قدره .

        والحقيقة أن هذه الآية إنّما تعني ذلك ضمن وجوه من المعارف  لا تكاد تحصى ، ولكن يتبين المقصود من مداها وأبعادها ، عند ربطها ، بقوله سبحانه :

       { .. وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ .. }P(2) P.

       فتنجلي عندها البصائر والأبصار .

        وقد قدمنا في بحوث سابقة  ، أمثلة ، عن دلالات القرآن وإرشاداته ،  منها نظرية النشوء  والإرتقاء ، وكيف  أنقذنا  الله بالقرآن من السقوط في بهيميتها وإن الحقيقة هي عكسها فقلبها وجعلها وقوداً على أصحابها .