القيامة على الأبواب .. لمحات عن العالم في ظل آيات

القيامة على الأبواب والناس يرجون النصر من عند غير الله . والله معهم أينما كانوا وهو على كل شيء شهيد .

 

لمحات عن العالم في ظل الآيات الثلاث :

ـــــــــــــــــــــــــــــ

          الآيات التي قلنا إن البشر في تاريخهم إلى قيام الساعة يتحركون ضمن حروفها ، وهذه مقدماتها للتذكير :

1 ـ      ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض … والقذائف والألغام ،  طبعاً  ليسـت بركات من السماء والأرض .

2 ـ      وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة … فكفرت … فألبسها الله لباس الجوع والخوف … والقرى والمدن سيَّان .

3 ـ      إن الذين قالوا ربنا الله ثم  استقامـوا تتنـزل عليهـم        الملائكة ألاَّ تخافوا ، ولا تحزنوا نحن  أولياؤكـم فـي الحياة الدنيا … يعني إن الذين يقولون ربنا الله ، دون أن يستقيموا ، لا تتنزل عليهم الملائكة ، أي رحمة الله وعونه وبركاته ، لا في الدنيا ولا في الآخرة .

          أما الكلام عن القيامة ، وأنها على الأبواب ، فقد عقدنا فصلاً عنها وعن أشراطها المتحركة ، التي يواكب بعضها بعضاً ، والماثلة للعيان ، في كتابنا ” العقل الإسلامي ” (1) فراجع .

          وهذه لمحات سريعة جداً عن العالم ، منذ الإسلام ، بين السلب والإيجاب :

ـ         العهد الميمون لنبوة محمّد (ص) رسول الإسلام ، لإنقاذ البشرية من جاهلياتها وظلامهاالدامس ، إلى سعادة القلوب المؤمنـة الموحدة ، والعقول المستنيرة بنور الله ، النور الذي بنيت به حضارة الإسلام ، حضارة دين رب العالمين .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)        صدرت منه الطبعة الثانية عن دار الأضواء . بعد أن نفذت الطبعة الأولى . 

ـ         عصر ما سمي بعصر الخلفاء الراشدين .

ـ         العصر الأموي ، وبحسبك من سلبياته التاريخية  ،  أنـه انحـرف  انحـرافاً عـن الإسـلام مروعـاً ، إذ  كان ” ميكيافيللي ” (1) . ذلك العصر ومؤسسه معاوية بن أبي سفيان ، إبن هند آكلة الأكباد (2) . ثم إبنه يزيد الذي زلزل التاريخ الإسلامي ، بقتله حفيد رسول الله (ص) وسيد شباب أهل الجنة  الحسين بن علي (ع) مع ثلة من أهله وأصحابه ، في وقعة كربلاء .

          ومن أبرز ما كان في العصر الأموي ، عداء الأمويين وحقدهم على بني عمومتهم الهاشميين . وهم عشيرة رسول الله محمّد (ص) والتنكيل بهم .

          إلا أن بقعة بيضاء في عصر بني أمية ، عبَّرت عن حقيقة الإسلام الحضاري ، نسبياً ، أصدق تعبير .

          فقد عرف الشرق والغرب ، في دراستهما للتاريخ الإسلامـي ، أن عهـد عمـر بن عبـد العزيز ، أحد الخلفاء الأمويين،  قد أعطى انطباعاً عن الحاكم ، وعن اختياره لجهازه البشري ، بنظام الشورى ، وعن عامة الناس  في أيامه ، بأن الإسلام ، وليس غيره ، كنظام إلـهي ، يستطيع أن ينعم بظله أهل الأرض  ، وهم مكفيون آمنون سعداء .

          ونحن هنا نورد رواية أحد المستشرقين ، عن هذا العهد ، كمراقب موضوعي يهمه معرفة الحقيقة عن الإسلام ، يقول :

          ورث عمر بن عبد العزيز الخلافة ، وليس في بيـت المال ، درهم ، فقد كنسه من كانوا قبله . ومعلوم أنه أصبح على رأس دولة مترامية الأطراف ، لها جيشها وموظفوها ، ومؤسساتها ، فأسقط في يده ، وبادر يستعين بالولاة في الأمصار، وقد كتب إليهم أن مدُّونا ما استطعتم بالمال . وهنا وقعت مفارقة عجيبة ، أن الولاة أيضاً وقعوا في حيرة ، فإن مصادر المال الذي كانت توفره الجزية من الكتابيين ، وخصوصاً النصارى ،

قد انقطعت ، إذ حبَّاً بسمعة الخليفة العتيد عمر بن عبد العزيز أخذ النصارى يدخلون في دين الله الحنيف ، دين التوحيد ، زرافات ، ووحدانا .” فما العمل يا أمير المؤمنين ” ؟! …

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)          ” ميكيافيللي ” هو أحد رؤساء الوزارة في إيطاليا ، ألَّف كتاب الأمير ، ليكون دليلاً للحاكم ، وكان أبرز ما فيه من مساوىء نظرية ” إن الغاية تبرر الوسيلة ” وقد اعتمدها فيما بعد جميع قادة الغرب .

(2)          حاولت أن تأكل قطعة من كبد حمزة بن عبد  المطلب  بعد إستشهاده فما استطاعت ازدرادها .

          وأخذ ذلك الرجل ، الذي أصبح أميراً للمؤمنين ، يفكر في ليل طال عليه ، ثم اتخذ

 قراره . ونادى على بعض الكتبة .

فكتبوا رسائل إلى الولاة في أقطار العالم الإسلامي آنذاك ، يعظهم فيها بتقوى الله ، وبحسن التوكل عليه  سبحانه  ،  وبعدم الخوف من الحاجة لأن الله وليهم … إلا أن أبرز ما في الرسالة ، هذه العبارة :

          ” تقولون أن أهل الكتاب (1) ، يدخلون في دين الله زرافات ووحدانا وبذلك انقطع مصدر كبير من مصادر المال . فاعلموا أنه ، أن يدخل ذمي واحد في دين الإسلام خير مما طلعت عليه الشمس ، وإنما بعث محمّد (ص) هادياً ولم يبعث جابيا ، وإنَّا حسبنا الله الحي القيوم هو المغني وهو الكافي وهو خير الناصرين “.

          ثم بعد ذلك حصل العجب ، فما إن مرت أسابيع حتى تقاطرت الأموال ، فملأت بيت المال . فوطَّد بها حكمه وأرضى الناس .

          ثم كانت المفاجأة الثانية : الخليفة يعلـن على الأمصار : ألا من كان بحاجة إلى مال ، فليأتنا ، وله نفقات سفره ، أو فليكتب إلينا نرسل إليه .

          ثم كانت المفاجأة الثالثة : أن قلة قليلة جداً ، هي التي طلبت ، وكان المتوقع أن يفد الناس بكثرة فالمال مطغ ٍ جذاب . السبب أن الله قد جعل الناس  لتقواهم ، وبركة خليفتهم وولاتهم ، في كفاية ومع الكفاية ، ما هو أهم ، التعفف ، وغنـى النفـوس بالله ، الذي هو معهم أين ما كانوا ، والذي هو أقرب إليهم من حبل الوريد ، وهو خير الرازقين . فهذا هو الإسلام ، وهذا هو الإيمان الحقيقي بالله رب العالمين .

          وهكذا ، كانت البلاد ، عهده ، مصاديق للآيات الثلاث ، التي نحن بصددها ، وذلك في مضامينها الواعدة . ونذكِّر بأن أول هذه الآيات ،  قوله تعالى :

          { ولو أن أهل القرى آمنو واتقوا لفتحنا عليهم بركات ٍمن السماء والأرض …}.  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)          نسب خطأ إلى عمر بن عبد العزيز أن برغم إعفائه أهل الكتاب من الجزية إلا أنه وضع عليهم قيوداً تميزهم عـن المسلميـن . والحقيقة أن هذه القيود إنما وضعها قبلاً الخليفة الثاني عمر بـن الخطاب ، فالتبس الأمر على بعض المؤرخين . ولقد دوِّنت بنود هذا الميثاق منسوبة إلى الخليفة الثاني بصيغ مختلفة . انظر ابن عساكـر ج1 ص 178  ومـا بعـدها . و ” المستطرف ” ج1  ص 100 وما بعدها .

          أما المصاديق الأموية ، للمضامين المتوعِّدة ، في هذه الآيات الكريمات ، فهي أن سلسلة الخلفاء ، قبل عمر  بن عبد العزيز وبعده ، اختاروا خلاف ما اختار ، هو اختار الله ، وتقوى الله ، وحسن التوكل عليه ، والزهد والورع . وهم اختاروا الأبالسة ، والطعن في نحر الدين ، وأولياء الله الصالحين ، واختاروا الكَلَب على الدنيا وتقليد ملوك الدنيا وعبيد الدنيا ، والكذب الذي لطَّـفوا من إسمه وأسموه دهاء ، واختاروا سفك دماء المؤمنين ، وتقديم الفجار، وتأخيرالأخيار. والله تعالى بالمرصاد ، يجمِّع عليهم السقطات ، والجرائم والهفوات…

          ثم كان يومهم الذي لا بد منه ، بموجب قوانين الله جلَّت عظمته :  ولكنه يوم أمطر دماءً غزيرات ، أفجعهم في أقطار الأرض وأفجع أبناءَهم .

          فقد أرسل عليهم ثورة عارمـة ، من الذين امتلأوا منهم وجعاً ، وامتلأوا عليهم حقداً . ثار عليهم  بنو أعمامهم ، بنو العباس ، فأغرقوهم في برك من دماء .

          وأذكر حادثة واحدة ، عن مدى الفتك الذي أوقعـه الله بهم . فقد تدخل بعض المعتدلين ممن يستمع إليهم الخليفة الجديد ، أبو العباس ، السفَّاح ، وهذا لقبه الرسمي . مدخلاً في روعه ، أن لم يبق من بني أمية ، إلاَّ بضع مئات ، متخفين عن الأنظار، هاربين في الأمصار ، وقد وطِّد حكمك ، ولا أحد يجرؤ بعد على المسِّ بملكك . وهؤلاء بنوعمومتك ، فعليك بالرَّحِم فهو من الرحمة .

          فرضي أبو العباس . ودعاهم بعد أن أعلن لهم الأمان ، فخرجوا من مخابئهم ، وأكثرهم كانوا سادة وقادة في بني أمية وفي حكومتهم . وبعد أن استقر بهم المجلس ، وهو في صدر الإيوان . دخل عليهم رجل ، كان منكوباً بهم وبجورهم ،  فنفر من هذا المشهد ، وعزَّ عليه ، أن يعود هؤلاء المجرمون ، إلى جوار السلطان وهم الأحق بالعقاب . فجاش صدره  ، وحمي أنفه غضباً وارتجل بيتين من الشعر أنشدهما للسفَّاح :

          لا يغرَّنْكَ ما تـرى من أنـاس ٍ     إنَّ بينَ الضُلوع ِ دَاءً دَوياً

فارفع السوطَ واشهرالسيف حتى     لا ترى فوق ظهرها أمويا

          وما كان أسرع استجابة أبي العباس ، فدعا زبانيته ، فأبادوهم في مقتلة واحدة . وهكذا انتهت دولة بني أمية التي دامت حوالي المائة سنة .

          قيل في التاريخ الذي درسناه ، إنه لم ينج من الأمويين ،  وهم كانوا ألوفاً مؤلفة ، إلاَّ رجل واحد ، هو عبد الرحمن الداخل ، ولقِّب بالداخل ، لأنه هرب متنكراً ودخل بلاد الأندلس . حيث أسس فيها مملكة كذلك أموية ، وهي كذلك لم تدم طويلاً .

          وهكذا كانت الدولة الأموية بشقيها  في التاريخ ، مصداقاً للآيات الثلاث ، ونكتفي بذكر الآية الأولى : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأََرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } .

          فحظُّ فجار الأمويين من الآية قسمها الأخير ، إذ أنهم كذبوا فأخذهم الله بما كانوا يكسبون .

          وقبل أن نودعهم ، نذكر بعض سجاياهم متمثلة بالوليد بن عبد الملك :

          سكر ذات يوم ، وتناول القرآن واستفتح ، كفعل أهل الورع ، فإذا في رأس الصفحة ، قوله تعـالى : { وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } . فبدلاً من أن يفزع ويستغفر ، ويُقلع عن خمره تائباً توبة نصوحاً . استشاط غضباً ، وممن ؟! … ونصب القرآن على شجرة في حديقة قصره ، وأخذ يرميه بالسهام ، ويقول  وقد جاشت شاعرية الشيطان فيه :

          تهددنـي  بجبـار  عنيـد            فها أنا ذاك جبـار عنيد ُ

          إذا ما جئت ربك يوم حشر ٍ       فقل يا رب مزَّقني الوليد

          ولنطمئن إلى الجواب على هذا السؤال ؛ لماذا أذن الله تعالى بتلطيخ القرى في أبهة العصر الأموي بالدم ؟! نقول لأن الناس على دين ملوكهم . فقد أخذ المجتمع يفسد بفساد الخلفاء ، فيباع الناس ويشترون بالمال حتى النساء وحتى بعض الصحابة ، فقد اشترى معاوية جعدة بنت الأشعث الكندي بمال ٍ واعداً إياها كذباً ، بأنه إن سممت زوجها الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) زوَّجها من يزيد ، واشترى بمال ٍ الصحابي سمرة بن جندب فحدَّث كاذباً لمصلحة معاوية عن رسول الله (ص) ، واشترى من سمَّم مالك الأشتر النخعي وهو في طريقه ليكون والياً على مصر ، وقال معاوية قولته المشهورة ” إن لله جنوداً من عسل “.

ولا تنتهي جرائم معاوية مؤسس الدولة الأموية . أما الأحرار والعلماء الأصيلين فقد قمعوا قمعاً شديداً .

          وأورث معاوية يزيداً ابنه الخلافة  ، وهو الأشقى في التاريخ الإسلامي ، حيث أنه أول ما دعَّم ملكه بأفظع جريمة كذلك في التاريخ الإسلامي ، وهي مقتل الحسين بن علي (ع) وأصحابه ، في وقعة كربلاء ، وكان يزيد أول من عاقر الخمر وشهد مجالس الطرب وربى الكلاب والقردة في الإسلام .

          ولنطمئن كذلك أكثر ، إلى فاعلية الآيات الثلاث ، نضيف كذلك خبراً عن الوليد إياه ، حيث سهر مع جارية له حتى الفجر  وغدا مخموراً مما شرب ، وأذَّن المؤذن للصلاة ، وكان هو يؤم المصلين ، فقالت له قم وصل ٍ بالناس . فقال لها ، لا ، وخلع عمامته وألبسها إياها وقال قومي أنت صلِّ بهم .

وهذه لمحات عن العصر العباسي وأمبراطوريته ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

          وسننظر إلى هذه الدولة ، مقوِّمين فيها ما يسمى بالحضارة الإسلامية ، بقطع النظر عن المناقشات المذهبية ، وعن أحقية من كان يجب أن يخلف رسول الله محمّداً (ص) في التاريخ ، وهو بحث طويل يبدأ بفتنة السقيفة ولا ينتهي إلى قيام الساعة . ونحن هنا إنما نحاول أن نقدِّم الإسلام باختصار وبدون تعقيد ، بإيجابياته كحضارة ورسالة هي في الأصل لإنقاذ العالم والبشرية جمعاء ، وبسلبيات الذين حالوا دون تألقه وانتشاره ، أو أخفقوا بإدارته ، فيما مضى من مراحل تاريخه . ونحاول أن نتمشى في كل ذلك ـ وهذا هو المهم ـ بين الآيات الثلاث التي ما زلنا بصددها . ويقيناً إننا ، والناس ، بأمس الحاجة لهذا الأسلوب الجديد من العرفان العملي .

          نعم خلال أكثر من سبعمائة سنة تقريباً ، قامت حضارة في العصر العباسي ، إسلامية ، انفتحت على بقية الحضارات المعروفة ، وتلاقحـت معها ، وأنتجت مدنية خلاَّبة ، ما زال يشهد لها الغرب قبل الشرق .

          وقد بزَّت هذه الحضارة ، جميع الحضارات المعروفة المعاصرة لها ، وتفوقت عليها ، وكان أبرزها الفارسية والرومانية وقبلها الحضارة الإغريقية .

          وإنما كان سبب تفوقها وتألقها ، علمياً واقتصادياً واجتماعياً وقوة عسكرية ، استكملت بها الفتوحات ، حتى بلغت أرمينيا وأذربيجان وطشقند ، بعد آسيا الصغرى ، وغيرها مما كان يعرف بجمهوريات الإتحاد السوفياتي في عصرنا هذا ، واصلة إلى الصين شرقاً . مؤسسةً في الغرب حضارة هي أفخم ما عرفه التاريخ الإنساني ، وأجمل ما عرفته الحضارات ، هي الحضارة الأندلسية .

          نعم ، كان سبب تفوق الحضارة الإسلامية في عصر بني العباس ، أنها كانت ذات مفهومين ، أو نهجين متعارضين ، عمَّر أحدهما وثبت ، بمعارضة النهج الآخر وبالخشية من إثاراته : النهج الأول هو النهج السلطوي الدنيوي ، الآخذ بأسباب الملك والقوة ، وبسط النفوذ ، حتى على أقوى أمبراطورية(1) كانت  ما زالت  قائمـة واسعـة النفوذ ، فخلخل أركانـها باسم الإسلام . آخذاً من الإسلام شكليـاته يتزين بها ، وينفلت في نفس الوقـت على الخمر والرفاه وكثير من المنكرات .

          أما النهج الآخر ، فهو النهج الروحاني ، المعارض انتصاراً لله ولدين الله ، الرافع لواء الرسالة وتعاليمها العالمية المنجية ، ويتمثل هذا النهج ، بآل بيت النبيّ(ص) ، والمؤمنين الأبرار ، المتميزين في التاريخ بثوريتهم ، وبطاعتهم للعلماء المستنيرين .

          ويبـدو أن اختيار الله جلت قدرته ، وهو الذي { يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ .. سورة السجدة الآية 5 } يبدو أن اختياره  لأئمة الدين ـ عبر التاريخ ـ ليكونوا فقط ثواراً ، وفقط معارضين ، ليصححوا دائماً المسارات الفاسدة ، والتحولات  الخطيرة عن الإسلام ، والحقيقة ، نقولها لوجه الله ، أن الإسلام قد صانه الله تعالـى من الزوال ، بهؤلاء وبجميع أولياء الله العرفانيين العمليين ، الذين اجتباهم في التاريخ .

          لذلك ، تجلَّت الحضارة الإسلامية ، واصلة إلى الأوج ، بمقياس تلك الأيام ، تجلت بأبهة الملك وفتوحاته وانتصاراته وحركته العمرانية والإقتصادية من جانب ، ومن الجانب الآخر الديني ، بالمدارس الجامعية ، لأولياء الله الصالحين والعلماء الأعلام .

          فهذا العالم الأميركي سارثون(2)  فـي عرضـه لتاريـخ العلوم وذكره لمآثر العرب والمسلمين في ميدان العلوم الإجتماعية  وغيرها في ذلك العصر يقـول (3) : ” إن الجانـب الأكبر من مهام الفكر الإنساني حمل أعباءه المسلمون . فالفارابي أعظم الفلاسفة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)              هي الأمبراطورية الرومانية التي كانت تحكم من عاصمتها بيزنطة أكثر بلاد المشرق  .

(2) +(3)     أنظر تاريخ العرب . د. فيليب حتي . و د. ادوارد جرجي . و د. جبرائيل جبور .

كان مسلماً وأبو كامل (1)  وابراهيم ابن سنان (2)  أعظم علماء الرياضيات كانا مسلمين والمسعودي أعظم رجال الجغرافيا والموسوعات كان مسلماً وكذلك قل في الطبري أعظم المؤرخين ً.

          ومعلوم أن الأئمة الأبرار ، وكذلك أتباعهم ، قد عزفوا عن الملك وعن السلطان ، وحتى عن التقرب إلى السلطان ، إلاَّ إذا اضطر أحدهم ـ أي الأئمة وشيعتهم ـ لذلك مكرهاً  بضغط من السلطان ذاته . وقد تفرغوا للعلم والتعليم بجميع  مستوياته ،  فلقد عرفت تلك الحضارة من خلالهم ما لم يكن يعرفه العالم من قبل . مثل العرفان الإلـهي إنطلاقاً من القرآن الكريم . ثم الفلك والرياضيات بأنواعها الأصلية ، والكيمياء والفيزياء ، وغير ذلك من المباحث العميقة التي لم تعرف تقريباً إلاّ في العصر الحديث ، مثل حقيقة المكان والزمان وتركيب الهواء ، ومعرفة بعض الغازات ، مثل الأوكسجين ، علماً أن أول من اكتشف الأوكسجين  وتحدث عنه كبداية ، هو لافوازييه بعد أكثر من ألف سنة .

        

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)          شجاع ابن أسلم المصري الذي نقح  في أوائل القرن العاشر كتاب الجبر ” للخوارزمي ” .

(2)          حفيد ثابت بن قرة أما طريقته لتربيع الشكل المخروطي فكانـت أيسر الطرق قبل اختراع حساب التمام والتفاضل .

شارك