الناس مروا بتجربة المعصية قبل هذه الدنيا :

        المقصود بالدنيا ، هذه الأرض التي نحن عليها اليوم ، وهي بمعنى السُفلى ،  إذ فوقها سبع سماوات وست أرضين ،  وبتعبير آخر ، هي ( الأرض الدنيا ) ، وهي وجميع متعلقاتها من الكواكب السيارة  حول شمسنا مع أقمار هذه الكواكب  ( للمشتري وحده خمسة عشر قمراً)  وملايين الشموس  في مجـرة درب التبانة ، ومليارات الشموس فـي باقي المجـرات،  يعني أن جميـع هـذه الكواكب والأقمـار والمجـرات الهائلـة بشموسها العظيمـة ، هـي تحـت السماء الدنيا ، وكذلك معهـن ما توصـل إليـه العلم مـن معارف وأسرار وكشوف وأجرام ، وما لم يتوصل إليه بعد ، لا يمكن إلا أن يكون تحـت سمائنـا الدنيا هذه.  ولا يمكن إلاّ أن يكون من  توابع أرضنـا هذه ، أو زينـة  لسمائها ورجوماً لشياطينها وبالنجم هم يهتدون .

        فحرصاً على فكر التوحيد ، وفيه الحرص عـلى فهـم عـدالة الله سبحانه ، وفوق عدالته رحمته ، كان بديهياً علاج مشكلة واسعة الانتشار ، وتشكل خللاً في صلب العقيدة ، حيث بدلاً من أن نعتقد برحمـة الله الواسعة ترانا نعتقد بظلمه وتحكمه ، سبحانه وتعالى عما يصفون .

        وهذه المشكلة التي يرددها أكثر الناس ، تارة ببراءة ، وتارة بجهالة ، تتلخص بهذا التساؤل :

        إذا كان أبوانا آدم وحواء ، أكلا من شجرة الخطيئة  ، فما ذنبنا نحن حتى نتحمل وزرهما ،  ونتيجة خطيئتهما ، حيث أُهْبِطَا من تلك الجنة  التي فيها رغد العيش ، ولا يجوع الإنسان فيها ولا يعرى ، ولا يظمأ ولا يضحى . فما ذنبنا نحن وما خطيئتنا ، حتى نعيش  في كَدْح وكَبَدٍ ، وحتى تبدو لنا سوءاتنا ، ونجوع ونعرى ، ونظمأ ونضحى  ، ونحيا في هذه الأرض  بعضنا لبعض عدو ، ومن اتبع منا هدى الله تبارك وتعالى ، فلا يضل ولا يشقى ، ومن أعرض عنه ، فإن له معيشة ضنكاً ، ويحشره يوم القيامة أعمى … في وقت كان من حقنا أن نمرّ بنفس التجربة ، وفي نفس الجنة التي أهبط منها أبوانا .

        ومن ذا الذي يدعي بدون بينة ، أننا كنا سنخون عهد الله سبحانه ونعصي أمره ، وننخدع بكلام عدوّ واضح العداء ، هو إبليس المجرم . فضلاً عن أن ربنا الله عزّ وجل ، حذر أبوينا منه تحذيراً شديداً .

        على أي حال ، كان من حقنا أن نمرّ بنفس التجربة ، ونحن ندعي ، بل ونجزم ، أننا كنا تلافينا السقوط ، الذي سقط فيه أبوانا . ثم إنّ الله عزّ وجل يقول :

       { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى }( سورة الإسراء ، الآية  15  . سورة الزمر ، الآية  7).

  

ويقول سبحانه :

{ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ }(سورة المدثر ،  الآية  38).

فكيف يحملنـا عز شأنـه وزر غيرنا ؟  وكذلك يرتهننا بما كسب ذلك الغير ؟ ..

هذا بإيجاز ، ما يُتَدَاوَل به عامةً بين الناس ، وهو كما نرى ، تحد للعقل الإسلامي الموّحد .

ولا بد من ملاحظة في السياق ، تلفت إلى أن كثيراً  من الحبر أهريق في سبيل الدفاع عن خطيئة أبينا آدم المزعومة ، وملخصه أن أمر الله سبحانه لأبينا آدم كان تنـزيهياً  ولم يكن مَوْلَوِيّاً ( كأمر السيد لمولاه)( مما لا يغير شيئاً في أصل المشكلة ) .. إلى كلام آخـر ، موجزه أيضاً أن الله عزّ وجل ، جرّب آدم وزوجه في تلك الجنة ، فوجد بعد التجربة ـ عبرهما ـ أن الإنسان لا يستطيع أن يتربى إلاّ في حجر الطاعة والتعاليم  ، وأكثر ما تناسبه هذه الأرض الدنيا .

وبما أن الحقيقة أحق من ذلك كله ، فقد قررنا يإذن الله تبارك وتعالى ، أن نعقد بحثاً ، نجلو فيه ،  ما يقيض لنا الله سبحانه من الحقائق .. وبه أستعين ، راجياً وجهه الكريم  ولا شيء إلاّ وجهه الكريم  .

أما ما قد يحمل عليّ بحثي  هذا وبقية أبحاثي  . من ردود فعل ، قد يكون أقلها الإطلالة العصبية من سجن التقليد ، والروايات الموضوعة ، والأحاديث الدخيلة ، والإسرائيليات .. أو حتى الرمي بهرطقات الفلاسفة ، أو شطحات الصوفية ، فإني بفضل ربي من ذلك كله بريء . والله حسبي ، هو نعم المولى ونعم النصير .

فإلى توضيح ذلك ، والله المستعان .