بعض ما قيل من الشعر في حنين :

 

        وهذه بعض النماذج الرائعة من الشعر الذي قيل في حنين :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  

(1)     أي أعطيك ما يمتعك أي ما يكون فيه متعتك وانتفاعك .

 

قال بجير  بن زهير بن أبي سلمى في يوم حنين :

        لـولا الإلـه لكنتـم  ولَّيتـم        حين استخـفَّ الرعـب كلَّ جبان

        بالجـزع يوم حبـا لنا أقراننـا      وسـوابحٌ  يكبـون  للأذقـان (1)

        من بين سـاعٍ ثوبـه في كفِّـه      ومقطَّـر بسنـابك  ولبــان  (2)

        والله  أكرمـنا وأظهـر ديننـا      وأعــزَّنا  بعبــادة الرحمــن 

        والله أهلكـهم وفرق جمعهـم    وأذَّلهـم   بعبـادة   الشيطــان

قال ابن إسحاق  : وقال عباس بن مرداس :

        يا خاتـم النبـاء  إنك  مرسلٌ    بالحـق كل هـدى السبيل هداكا

        إن الإلـه  بنى عليـك محبـة      في  خلقـه  ومحمّـداً  سمـاكـا

        ثم الذين وفـوا  بمـا عاهدتهم    جنـد بعثـت عليهـم الضحاكا

        رجـل به  ذرب السلاح كأنه   لما  تكنَّفـه  العـدو  يراكـا (3) 

        يغشى ذوي النسب القريب وإنما      يبغي رضـا الرحمـن  ثم رضاكا

        أنبيـك أني  قد رأيت مكـرَّه    تحـت  العجاجة  يدمغ الإشراكا

        طـوراً يعانـق باليدين  وتارة      يفري الجمـاجم صارماً بتَّاكا (4)

        يغشى به  هام الكماة ولو ترى منه  الذي عاينت كان  شفاكـا

        وبنـو سليـم معنقون  أمامه              ضربـاً وطعناً في العدو دراكا (5)

        يمشـون تحت لوائـه وكأنهم               أسد العريـن أردن ثم  عراكا (6)

        ما يرتجـون من القريب قرابة    إلاَّ لطاعـة ربـهـم وهواكـا

        هذي مشاهدنا التي كانت لنا          معـروفـة  ووليـنا  مولاكـا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

(1)     الجزع : ما  انعطف من الوادي . حبا : اعترض . سوابح : أي خيل سوابح وهي المسرعة . يكبون : يسقطون .

(2)     مقطر : ملقى على قطره ، أي جنبه . ولبان الفرس : صدره .

(3)     ذرب السلاح  : حدة السلاح .

(4)     بتاك : قاطع .

(5)     معنقون : مسرعون . دراك : متتابع .

(6)     العراك : المدافعة .

وقال عباس بن مرداس أيضاً :

        إمـا تَرَيْ يا أمَّ فـروة خيلـنا      منهـا معطلـةٌ  تقـاد وظُلَّـعُ (1)

        أو هي  مقارعـة الأعادي دمها فيهـا نوافـذ من جـراح تنبـع

        لا وفد كالوفد الأُلى عقدوا  لنا أزم الحـروب  فسربها لا يفزع (2)

        فهنـاك  إذ نصـر النبي  بألفنا   عقـد النبـي لنا لـواءً  يلمـع

        فـزنا برايتـه وأورث عقـده       مجـد الحيـاة وسؤدداً لا ينـزع

        وغـداة نحـن مع النبي جناحه   ببطـاح مكـة والقنـا يتهزع (3)

        كانـت إجابتنـا لداعي ربنـا     بالحـق منـا حاسـر  ومقنَّـع

        في كل سابغـة  تخيـر سردها     داود إذ نسـج الحديـد وتُبَّعُ (4)

        ولنا على بئـري حنين موكب   دمغ النفـاق وهضبته ما تقلـع

        نصر النـبي بنا وكنا معشـراً      في كـل نائبـة نضـر وننفـع      

        زدنـا غدائتذٍ  هـوازن بالقنا     والخيل يغمرها عجـاج يسطـع

        إذ خاف حدهم النبي وأسندوا         جمعاً تكاد الشمـس منه تخشـع

        تدعى بنوجشم وتدعى وسطه أفنـاء نصـر والأسنة شُرَّعُ (5)

        حتى إذا قال الرسـول محمّد            أبني سليم قد وفيتـم فارفعـوا

        رحنا ولولا نحن أجحف بأسهم بالمؤمنين وأحـرزوا ما جمعوا (6)

وقال عباس بن مرداس أيضاً في يوم حنين :

        عفا مجدلٌ من أهلـه فمتالعُ             فمطلا أريكٍ قد خلا فالمصانع(7)

        ديار لنا جُملُ إذ جُلُّ عيشنا            رخيٌّ وصرف الدار للحي جامع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

(1)     الظلع : العرج .                              (2)     الأزم : الشدة .

(3)     يتهزع : يضطرب .

(4)     السابغة : الدرع الكاملة . السرد : النسج . تبع : لقب ملوك اليمن القدماء .

(5)     الأفناء : الجماعة ليست من أصل واحد ، الأخلاط .

(6)     أجحف : نقص .

(7)     مجدل : مكان . متالع : جبل . المطلاء : الأرض السهلة . أريك : موضـع . المصانع  : ما يجتمع فيها ماء المطر كالأحواض .

        حبيبة قد ألوت بها غربة النـوى لبينٍ فها ماضٍ من العيش راجـع

        فإن  تبتغي الكفار غير  ملومـة فإنـي  وزيـر للنبـي  وتابـع

        دعاني إليهم خير وفـدٍ علمتهم خزيمـة والـمُرَّار منهم  وواسع

        فجئنا بألف من سليم  عليهـم لبوس لهـم من نسج  داود رائع

        نبايعـه بالأخـشبيـن وأنمـا يـد الله بين الأخشبيـن نبايع (1) 

        فجسنـا مع المهديِّ مكة عنوةً بأسيافنا والنقع كـاب وساطع(2) 

        ويوم حنين حين سارت هوازن          إلينا وضاقـت بالنفوس الأضالع

        صبرنا مع  الضحاك لا يستفزُّنا قـراع الأعادي  منهم  والوقائع

        أمام رسول  الله  يخفق فوقنـا           لواء كخدروف السحابة لامع (3)

        عشية ضحاك بن سفيان معتصٍ       بسيف رسول الله والموت كانع(4)

        نذودُ أخانا عن أخينا ولو نرى         مصالاً لكنـا الأقربين نتابـع (5)

        ولكنَّ دين  الله ديـن محمّـدٍ             رضينا به ، فيه الهـدى والشرائع

        أقـام به بعد الضلالة أمرنـا              وليس لأمـرٍ حمَّـه  الله  دافـع

        في البيت الثامن من هذه القصيدة  قوله : فجسنا مع المهديّ مكة عنوة … يعني بكلمة المهدي محمّداً (ص) الذي اجتباه الله وهداه وجعله خاتم النبيين وأعزَّ المرسلين . وهل كان محمّد (ص) ضالاً حتى يقـال عنه ذلك ؟ طبيعي أن كل إنسان ، بل كل مخلوق لا يهتدي إلاَّ أن يهديه الله ، فإذا هداه سبحانه ، أصبح مهدياً ، وكلٌّ حسب موقعه ودرجته في الهداية وفي المهديين . قال تبارك وتعالى مخاطباً رسوله محمّداً (ص) :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

(1)     الأخشبان : جبلان بمكة .

(2)     جسنا : وطأنا . المهدي : نبي الهدى محمّد (ص) . كاب : مرتفع . ساطع : متفرق .

(3)     خدروف السحابة : طرفها .       (4)     معتص : ضارب . كانع : مقترب .

(5)     يريد أنه من بني سليم ، وسليم من قيس ، كما أن هوازن من قيس ، كلاهما ابن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس . فمعنى البيت : نقاتل إخوتنا ونذودهم عن إخوتنا من سليم . ولو نرى في حكم الدين مصالاً ( مفعلاً من الصولة ) لكنا مع الأقربين هوازن :  ولكن دين الله دين محمّد          رضينا به فيه الهدى والشرائع

        { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى . وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى } . [6ـ7: الضحى].

        وهذا كلام واضح صريح ، لا يقبل التفافاً ولا تأويلاً . محمّد (ص) بشر، في أحسن الحالات خلقه الله من الماء ، قوله تعالى : {… وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ … } . [ 30 : الأنبياء ] . وقوله سبحانه : { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا } . [ 54 : الفرقان ] .

        وقد أعلم سبحانه محمّداً (ص) وأعلم الناس كافة عن الطبيعة والماهية البشرية لمحمّد (ص) بقوله تبارك وتعالى : { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } . [ 110 : الكهف ] . وما دام محمّد (ص) بشراً { مِّثْلُكُمْ } أي مثل بقية البشر ، فإن الله سبحانه قد خلقه إذن ، كذلك من تراب ـ كما نص في كثير من الآيات القرآنية ـ إضافة إلى الماء ، وهذان العنصران : الماء والتراب ، يلتقيان في النتيجة  في معنى واحد ، هو الطين .

        قال سبحانه مخاطباً محمّداً (ص) والبشرية جمعاء : { وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}.[11 : فاطر ] . وقال عزَّ شأنه : { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ . فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } . [ 71ـ72 : ص ] . وقال عزَّت عظمته مخاطباً رسوله (ص) : {… قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً } . [ 93 : الإسراء ] .

        هذه الحقيقة التي  لا يجادل فيها إلاَّ جاهل أو معاند أو عاصٍ مصر على المعصية ، أو راد على الله ورسوله (ص) . والراد على الله ورسوله مأواه جهنم وبئس المصير .  وأقل هذه الدرجات  هو الجهل مع حسن النية ، إذ عسى أن يكون الجهل مع القصور ـ إذا لم يداخله الشرك ـ مغفوراً .

        نقول هذا بإذن الله تبارك وتعالى ، وننبه لأمر خطير ،وخطورته كونه في كُتَيِّبٍ كثير التداول ، لا سيما بين أيدي الطلبة الدينيين ، حيث أنه مقـرر ضمن

منهاج الدراسة ، في السنوات  التأسيسية الأولى ، أي أن الطالب يبني على أساسه  عقيدته ، ثم يتخرج ، بعدُ ، بين محدِّثٍ أو واعظٍ أو كاتبٍ ، أو كل ذلك ، ليعلِّمه للناس ، ومن ثم ليؤسس عقائدهم عليه . هذا الكُتَيِّب إسمه كما هو على الغلاف : ” التربية الدينية ـ دراسة منهجية لأصول العقيدة الإسلامية ” لمؤلفه عبد الهادي الفضلي .  فقد جـاء في الصفحة (60) وتحت عنوان ( شروط الإمامة ) ما يلي : [ ومن الآيات القرآنية التي تفرض  أن يكون الإمام  عالماً بالشريعة  علماً كاملاً ، قوله تعالى : { … أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ؟!} . [ 35 : يونس ] . يخاطب الله الناس بأسلوب الإستفهام ، فيقول لهم  : أيهما  أحق أن يقتدى  بسيرته ، ويرجع إليه  في معرفة الشريعة الإمام الذي يهدي إلى الحق ( وهو العالم بالشريعة علماً كاملاً ) … أم الإمام الذي لا يهدي إلى الحق ، وإنما  يحتاج إلى أن يهديه غيره إلى الحق ( وهو الذي لا يعرف الشريعة معرفة تامة ) ؟ ! ] . انتهى كلام المؤلف الفضلي .

        وهذا تحويرٌ واضح لمقصد الآية وقلب لمضمونها ، نعتقد فيه الجهل مع حسن النية ، إذ أن مؤلف الكتاب ، هو على ما نعلم ، من الفضلاء المشهود لهم عند الخاص والعام ، وإنما هي كصبابة ماء ، يظنُّ ماءً عادياً ، وإذا هو من النوع الذي فيه الهيدروجين الثقيل .

        هذه الآية : {… أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن  يُهْدَى…}  هي جواب لسؤالين قبلها . وحتى  تفهم الإجابة ، ينبغي  أن يفهم  السؤال . كما أنه من قلب المفاهيم أن تذكر الإجابة دون أن يعلم السؤال .

 

        والسؤالان قبلها ، هما في قوله تبارك وتعالى :

 

       { قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ . قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ  } . [ 34 ـ 35 : يونس ] .

         ولعلَّ هاتين الآيتين ، مع ثمان آيات في سورة النمل ، من بداية الآية 59 إلى نهاية الآية 66 ، هي أوضح الآيـات الكاشفة عن أصل الأصول الذي هو التوحيد .

        فأولاً وآخراً ، وظاهراً وباطناً ، إنما يجب أن يكون الإتِّباع لله عزَّ وجل ، أي لتعاليمه ، سـواء كانت في كتبـه أو عبر أنبيائه وأوليائه والأئمة المهديين أجمعين .

        فما من مخلوق يستطيع أن يهدي أحداً دون أن يهديه الله ، وما من مخلوق يعلم شيئاً أو يمكنه أن يعلِّم أحداً دون أن يعلِّمه الله .

        فإذا كان امرؤ هادياً أو صحَّ أن يسمىَّ هادياً ، فإنما يكون بفحوى أن الله  من قبل هداه ، فجعله هادياً بما هداه هو سبحانه .

        أما قولنا عن أي مخلوق ، حتى عن جبرائيل عليه السلام ، أنه يهدي دون أن يهدى . فهذا خروج من الدين وتجديف على رب العالمين .

        وخلاصة هذا الموضوع نجدها محكمةً إحكاماً يقطع القول على كل من  كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . ذلك لأنه إحكام إلـهي جعله الله حجة دامغة على الأولين والآخرين ، هو قوله تبارك وتعالى في آخر آيتين من سورة الشورى :

       {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ  } . [  52 ـ 53  : الشورى ] .

        فقول الله عزَّ وجل مخاطباً رسوله محمّداً (ص) : {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ …} واضح الدلالة على أنه محمّداً (ص) ، قبل إنزال الوحي عليه لم يكن بإمكانه أن يهدي أحداً من خلق الله . وإنما أصبح عنده هذا الإمكان ، بعد أن أوحى إليه ربه روحاً من أمره سبحانه جعله نوراً يهدي به من يشاء من عباده ، محمّداً (ص) وغير محمّد ، ممن اجتباهم الله أو يجتبيهم في عمر البشرية . وأي نبي أو إمام أو مهديٍّ  مميز عند الله ، إما أن يكون أدنى منزلة من محمّد (ص) وإما في أحسن الإعتبارات مساوياً لمحمّد (ص) ، وفي كلا الحالين ، ينسحب عليه ما ينسحب على محمّد (ص) ، من أنه قبل أن يعلِّمـه الله أو يوحي إليه ، كان جاهلاً، لا هادياً ولا مهدياً ، حتى إذا أصبح ذا استعداد  وأهلية علَّمه الله وتفضل عليه بالهداية أو أوحى إليه . أصبح عالماً نسبياً تابعاً لله ولعلم الله ، وهادياً نسبياً تابعاً لله ولهداية الله ، بالقدر الذي يشاؤه له الله سبحانه ويضعه فيه . أما الإطلاق في العلم  والهداية وفي كل خير ، فهو لله الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد .

        ذلك ما بيَّنه الله سبحانه في آخـر الآية الأولى بعد قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ … مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ … } قوله عزَّ وجل  بعد هذه المقدمة التي هي أساس العلم الحق وأساس المعرفـة الحقـة عند الخلائق : {… وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ } وفحوى القول : وأنت يا  رسول الله  يا محمّد ، ويا رسل الله إبراهيم وموسى وعيسى ، ومن جاء قبلكم وبعدكم من أولياء الله الصالحين  عليكم السلام  أجمعين ، أنتم من جملة ما في السماوات  وما في الأرض  ملك لله  تبارك وتعالى وفي قبضته  سبحانه . جميعكم بشر مما خلق ، هو اجتباكم وهداكم إلى صراط مستقيم .

        اللهم : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ، إهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّاَلِّينَ}.[5 _7 : الفاتحة ( الحمد ) ] .

 

        هذه الآيات في سورة الحمد ، التي لا تقوم صلاة النبي ولا الولي ولا أي إمام  ولا أي مسلم بدونها . كان يصلي بها محمّد (ص) ويؤم بها المسلمين . وفي  جميع صلواته  ، كما هو واضح ، كان يسأل الله الهداية لنفسه ولجميع خلق الله ، كما علَّمه وهداه الله سبحانه وتعالى عما يشركون .

        فقوله عزَّت عظمته : { …أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى…} معناه أن الله عزَّ وجل وحده ، هو أحق أن يتبع لأنه هو يهدي وهو الهادي أصلاً وأصالة لجميع المهديين من خلقه ، وليس من شركائكم  أيها الناس من يستطيع أن يهدي أحداً دون أن يهديه الله جلَّ جلاله. و{… الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ}. [ 43 : الأعراف ] . وهذا  القول الذي هو تعليم من الله ، يتقرب به إلى الله ، الأنبياء والأئمة والمرسلون ، والمؤمنون أجمعون .

        أما غير الله ، أي جميع من خلق الله من ملائكة وجن وأصناف بشر ، مما نعلم ومما لا نعلم ، فيستحيل على أحد منهم أن يكون هادياً أو مهدياً ، حتى يهديه الله الذي لا إلـه إلاَّ هو الحي القيوم السميع البصير .

        وأما أن يتصدى بعضهم للآيات البينات ، يجتزئون منها أو يحرفونها ، أو يوظفونها في غير مقاصدها ، منفعلين بروايات ، تحتاج دائماً إلى التحقيق والإسناد الصحيح ، وبعد كل ذلك ، العرض على كتاب الله ـ كما أوجب ذلك النبي والصادقون الصدِّيقون صلىَّ الله عليهم وسلَّم ـ حيث يتساقط أكثرها ، فهذا من عدم التوقير والإجلال والتعظيم لله رب العالمين ولكتابه ولآياته . ولا سيما إذا كانت تغني عن الرواية ، أو تحسمها رداً أو قبولاً ، سلباً أو إيجاباً . حيث أن الروايات  والأحاديث هي في خدمة الآيات  ، وليس العكس أبداً ، ومعلوم أن جميع الآيات ، خلاصتها النهائية هي الدعوة إلى الله وإلى اتباع تعاليم الله لإحراز رضاه ورضوانه في الدنيا والآخرة .

        أما من كان  مصداقاً لقول الله عزَّ وجل : {كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا }.  [ 16 : المدثر ] . بعد أن أعطاه الله ومهَّد له ليؤمن ويرعوي ويفهم ، فسيرهقه صعوداً ، أي مشقة وعنتاً في الدنيا ويصليه النار في الآخرة ، كما سنرى بعد قليل عند ذكرنا لآيات رائعات من سورة المدثر ، يستشعر المتأمل فيها ، الخوف والرهبة والخشوع والإسراع  باللجوء إلى رب العالمين .

     فليتق الله المؤمنون المعاندون قبل فوات الأوان ، قوله عزَّ وجل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } . [ 7 : التحريم ] .

أما عن المعاندين الذين أنعم الله عليهم ليهتدوا ويؤمنوا بآياته ، ويكبروا الله على ما هداهم ويشكروا له عامة نعمه ، فأدبروا واستكبروا ، فيقول سبحانه وتعالى في آيات تهزُّ أعماق الصخر وكلَّ من كان فيه ذرة من عقل أو هداية ، وتعيده إلى تقوى الله وتوحيد الله وتدبر آيات الله ، تعبُّداً وحباً ودون إصرار على شرك أو ضلالة ، أو بدعة أو جهالة :

        {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا. وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا. وَبَنِينَ شُهُودًا. وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا. ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ.كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا . سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا . إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ . فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ نَظَرَ . ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ . ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ . فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ . سَأُصْلِيهِ سَقَرَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ. لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ. لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ. عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ …} . [ 11 ـ 30  : المدثر ] .

وقال عباس بن مرداس  أيضاً في يوم حنين ، من قصيدة :

        غداة  وطأنا المشـركين ولم نجـد     لأمر رسول الله عدلاً ولا صرفا

        ببيض نطيـر الهـام  عن مستقرها            ونقطف أعناق  الكماة بها قطفا

        رضا الله ننوي لا رضا الناس نبتغي       ولله  ما يبدو جميعـاً وما  يخفى

وقال أيضاً ( من قصيدة )  في حنين :

        يا  بعد منزل من ترجـو مودتـه  ومن أتـى بعده الصمـان فالحفر(1)

        دع ما تقدم من عهد الشباب فقد     ولَّى الشباب وزار الشيب والزَّعر(2)

        قوم هم نصروا الرحمـن  واتَّبعوا       دين الرسـول وأمر الناس مشتجر

وقال أيضاً في حنين ( من قصيدة ) :

        وعلى حنين  قد وفى من جمعنـا          ألف أُمِدَّ  به  الرسـول عرندس(3)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

(1)     الصمان والحفر : موضعان . (2)   الزعر : قلة الشعر أو تفرق الشعر فوق الرأس .

(3)     عرندس : شديدة .

          كانـوا أمام المؤمنيـن دريئـةً       والشمـس يومئذ عليهم أشمـس

          نمضي ويحرسنا الإلـه    بحفظـه  والله ليس بضائـعٍ مـن يحـرس

        ولقد  حبسنا بالمناقب محبسـاً          رضي الإلـه به فنعم المـحبـس

قال ابن إسحاق : وقال عباس بن مرداس أيضاً ( من قصيدة ) :

        من مبلغ الأقـوام أن محمّـداً     رسول الإلـه راشد حيث يـمَّما

        دعا ربـه واستنصر الله وحده   فأصبح قـد وفَّـى إليه وأنعمـا

        سرينـا وواعدنا قديراً  محمّداً            يؤم  بنا أمـراً مـن الله محكمـا

وقال خديج بن العوجاء النصري  (وهو مشرك يتوجع على قومه وقد باؤوا بالخسران والندامة ، وبمفهوم أهل الشرك يصف قوة أنصار الله الذين قادهم محمّد (ص) :

ولما  دنونا من  حنـين ومائـه      رأينا سـواداً  منكر اللون أخصفا(1)

بملمومةٍ شهباء  لو قذفوا  بهـا     شماريخ من عزوى إذن عاد صفصفا(2)

ولو أنّ قومي طاوعتني سراتهم      إذن  ما لقيـنا العارض المتكشِّفـا(3)

        إذن ما لقينا  جند آل محمّـد      ثمانيـن ألفـاً واستمدوا  بخندفـا(4)

*  *  *    

        إنتهيت من تأليفه بحمد الله وبعونه تبارك وتعالى في 25 شوال 1414 هـ الموافق 6 نيسان 1994 م . في قرية عربصاليم اللبنانية العاملية . والحمد لله رب العالمين .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     سواداً : أشخاصاً . الأخصف : الملون .

(2)     الملمومة : الكتيبة المجتمعة . شهباء : كثيرة السلاح . الشماريخ : أعالي الجبال . صفصفا : مستوياً بالأرض .   (3)      العارض : السحاب . المتكشف : الواضح . يشبه به جنود المسلمين .       (4)      خندف : إسم قبيلة .