بين العرفان التقليدي والعرفان العلمي

يُدبِّر الأمر من السماء إلى الأرض

 سورة السجدة الآية 5

 

بين العرفان التقليدي والعرفان العلمي :

          المعرفة بالله جل شأنه لها قواعد تعبدية  يتناقلها أهل العرفان والصوفية ، حتى إنهم جعلوا لها مناهج مكتوبة أو شفوية يعلِّمها الواصلون للسالكين والسالكون أو المهاجرون إلى الله تعالى للمريدين ، وهؤلاء للمبتدئين الذين يراودون هذا العلم العالي  والمقدس .

          إلا أن هذه القواعد والمناهج ، ولو كانت تؤدي غالباً إلى نتائج مقبولة ، فيها الروحانية ، وبعض النورانية المريحة والمسعدة نسبياً ، إلا أنها أصبحت شبه مغلقة دون المجتمع العالمي ، والثورة العلمية التي باتت تسمي الأرض كلها قرية ، ذلك بسبب تواصل القارات التي كانت لآلاف السنين تفصل بينها وبين سكانها مجاهل المحيطات والصحاري والجبال التي كان اجتيازها من المعجزات .

          أما وقد بلغت ثورة التواصل ، عبر الأجهزة الكثيرة والمتنوعة والمدهشة ، من فتوحات الكمبيوتر ، إلى الهواتف النقالة ، إلى الأنترنيت … إلى الفضاء والأقمار التي ضيقت مساحة الأرض وكشفت مجاهلها ، فضلاً عن ألوف الوظائف المنوطة بها ، ما هو معلن منها وما هو في عداد الأسرار .

          إلى فتوحات علم الفلك المذهلة ، مواكباً أسرار الذرة والرياضيات والفيزياء وميكانيك الكم .

          والتغيرات المفاجئة وغير المألوفة في الكون ، من فتحات الأوزون والغيوم الحرارية ، والإزدياد المتسارع في حرارة الأرض ، مما يسبب الاضطرابات المناخية العنيفة ، فتصحُّر يزحف في مناطق كانت بالأمس القريب واحات خضراء وغابات وبساتين ، وفيضانات في مناطق قلما كانت تعرف الفيضانات .

          إلى شح ٍ وتناقص مطَّرد للمياه العذبة ، التي يقولون معها إن العطش كذلك يزحف إلى أهل الأرض عامة ، مما سيسبب حروباً وتزاحماً على مصادر المياه ينغص حياة المتزاحمين وحياة الناس أجمعين ، إلاَّ من رحم ربك ربُّ العالمين .

          لذلك كله ، مما ذكرنا ومما لم نذكر ، احتساباً للوقت الذي أصبح كذلك معه الربانيون والقرآنيون أكثر مسؤولية . لذلك ينبغي على المتصدين للعرفان الإلـهي ، منطلقين من القـرآن الكريم مهاجرين إلى الله جلَّت عظمته ، معرضين عن مجريات الكون ، وحالة المخاض التي يمرُّ بها العالم في قرنه العشرين وما بعده ، ينبغي عليهم أكثر من أي وقت مضى في تاريخ البشرية ، أن يواجهـوا بقرآنهم هذا الكريم وهذا العظيم ، مجريات الكون ، ويتصدوا لمعرفة أسرارها وأسبابها الإلـهية ، والتي يحكي عنها بأبلغ الكلام وأقوى الحجج وأسطع البراهين ، قرآننا هذا الذي { لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ . سورة فصلت الآية 42 } .

وباختصار شديد ، فإن معظم ما يحدث من السماء إلى الأرض في هذه الأيام ، هو من أشراط الساعة ، التي نبَّه الله إليها الخلائق في كتابه هذا المجيد ، والذي لا كتاب له غيره تحت هذه السماء الدنيا ، فيه كلامه ، وفيه أخباره ، وفيه معرفته ، وفيه كشف  أسرار هذا الكون .

          وكما أنه لن يتم فهم القرآن في معزل عن مجريات الكون ، كذلك لن يتم فهم الكون في معزل عن ينابيع النور ، والكشف ، ومعرفة أسرار الوجود ابتداءً وانتهاءً وما بين الإبتداء والإنتهاء ، وبعد ذلك كله  التخليد إما في السعادة الأبدية وإما في العذاب الأبدي .

          ذلك بأن النص القرآني ، هو النص الإلـهي الوحيد الصافي الخالص من أي إدخال عليه أو أي تحريف كما حصل للكتابين  المنزلين التوراة والإنجيل . حيث  أن الأوَّل كتبـه عزرا كبير الأحبار ، ( واسمه في القرآن عزير ) كتبه أثناء السبي في العراق ، بعد أن كان  نبوكد نصَّر قد أحرق جميع نسخ التوراة وهدم الهيكل في بيت المقدس وسبى جميع اليهود الذين كانوا بفلسطين ، إلى بابل في العراق ، حيث ظلوا هناك مائة سنة ، بعدها عطف عليهم بتأثير من أمه اليهودية قورش الملك الفارسي ، فبقي بعضهم في العراق ورجع البعض الآخر إلى فلسطين ، ليبكوا على أنقاض الهيكل الذي كانوا وما زالوا يعبدونه من دون الله .

          وحيث أن الثاني ، أي الإنجيل ، قد أصبح خمسة أناجيل يعارض بعضها بعضاً ، حيث يصعب فيها فصل الإلـهي عن غير الإلـهي .

          لذلك ذكر الله تبارك وتعالى أن القرآن المجيد ، معترف ببعض ما فيهما مهيمن عليهما ، وقد اعتبرهما في النص القرآني كتاباً واحداً . قال سبحانه مخاطباً رسوله محمّداً (ص) :

          { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ . سورة المائدة الآية 48 } .

          وما يهمنا من جملة مضامين الآية ، هو المعرفة اليقينية بأن القرآن الكريم متفوق على الكتابين المذكورين تقدُّمية ً وتفرداً في حقائق التوحيد وأسرار التوحيد ، نذكر الآن تَميُّزَهُ في أكبر مجالين يشمـلان عامة النشاطات البشرية : التشريع والعلم (*) كشفاً  ومواكبة .