بين حضارة طالبان وحضارة امريكا وحلفائها

بين حضارة طالبان وحضارة امريكا وحلفائها :

 

          طالبان سفَّهت الأخلاق الإسلامية ، وجهَّلت العلم ، وخنقت الحرية باسم الإسلام . وشوهت وجه الإسلام الرسالي المحمدي العالمي البريء والجميل .

          أما أسوأ صورة في أفغانستان ، فهي هذه : أميركا تحلق بآخر وأدهى ما توصل إليه العلم الجهنمي من قاذفات قنابل ، تزن كل واحدة بضعة أطنان ، تزرعها فوق شعب أفغانستان، كما يبذر الفلاح القمح في حقله ، وشتان بين زرع القمح ، وزرع النار التي تذيب حتى الحديد ، في سقوف بيوت الأفغان ، علماً أن أكثر سقوفهم ما زالت من تراب .

          وتحت هذه البيوت ، وبينها ، يدفن بين الموت والحياة ، أطفال وأطفال ، ونساء وشيوخ ، لا ذنب لهم إلا أنهم مسلمين  . فلا هم من طالبان ، ولا هم من القوات المشتركة أو قوات التحالف الأفغاني ، الذي يزحف تحت غطاء من الجحيم الأمريكي ، ليقتل أفغانيين مسلمين مثله ، وحقد الفريقين الأفغانيين على بعضهما ينهش قلوبهم ، وتكتمل الصورة ، بحقد أعظم ، وسم أنقع ، وغضب ناري شيطاني تصبه أميركا على الأطفال ، وتصرح وتقول : لئلا يكبر هؤلاء ويصبحوا إرهابيين .

          أما السورة التي ذكرناها وهي ( سورة البروج ) ، وأما مضمونها الذي من مصاديقه الفريق الحيادي البريء في أفغانستان وفيه آلاف الأطفال الذين يعانون هم وأهلهم من الجوع والبرد والتشرد والهول والفزع ، وكل ذلك كمقدمـات للموت السريع أو البطيء :

فقول الله تبارك وتعالى :

          { قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ . النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ . إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ . وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ . وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ . الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . سورة البروج الآيات(4 ـ 9) } .

          والاخدود ، حفرة كبيرة جمع فيها حطب كثير وأشعلت فيها نار هائلة . وملخص القصة التي وردت عن فحـوى الآيات ، أن قوماً من اليهود ، نقموا على قوم من النصارى . فقط لأن هؤلاء النصارى آمنوا بالسيد المسيح عليه السلام وبما جاء به من الدعوة إلى توحيد الله تبـارك وتعـالى . فاعتقلوهم جميعاً بما فيهم النساء والأطفال الأبرياء  ، وعرضوهم على النار المذكورة ، وخيَّروهم  بين أن يرجعوا عن الدين الجديد الذي دانوا به ، وبين إلقائهم  في تلك النار ، وهذا  من البلاءات الكبيرة في تاريخ الإيمان بالله وبوحدانيته ، وقد تكرَّر مثله في التاريخ السابق ، وما زال يتكرر مثله في التاريخ الحديث والمعاصر ، وهذا نمط مثله واضح فاضح في أفغانستان .

          والجدير بالذكر في نتيجة هذه القصة التاريخية ، أن أولئك النصارى ، تحدُّوا اليهود بإيمانهم بالله وبرسوله ، وارتضوا بالنار الدنيوية هذه ، التي لا يدوم عذابها إلا لحظات ، هذا إذا كان فيها عذاب ، وإلا فالمرجو ، أن يكون الله جلَّت عظمته ، قد جعلها عليهم كنار إبراهيم ، برداً وسلاماً .

          المهم أن هؤلاء المؤمنين ثبتوا على إيمانهم فألقوهم تباعاً في النار مع أطفالهم .

          وفي القصة هذه أمر يطيب لنا ذكره ، وليس هو على الله بعزيز ، وهو أن امرأة تحمل رضيعها وهو ابن بضعة شهور ، فأخذتها عليه شفقة ، تكون عادة حتى عند قساة القلوب ، فكيف هي عند أم ٍ على فلذة كبدها . فترددت ، وأرادت أن تتراجع عن إيمانها ، فقط حرصاً على وليدها ، واليهود أمامها يتجبرون ويتوعدونها بحرقه معها . فما كان إلا أن نطق الطفل الرضيع : تقدمي يا أمي ، فإن الله سيجعل هذه النار علينا برداً  وسلامـا ـ أو كما قال ـ فتقدمت ، موقنة برحمة الله ولم تدع لليهود فرصة فتنتها عن دينها .

          فقتل أصحاب الأخدود في أفغانستان الذين أشعلوا جحيم النار فيها بين الأرض والسماء ، فقتل أصحاب الأخدود ، النار ذات الوقود ، إذ الأمريكان ” عليها قعود ” مشرفين على الحرب هذه  المتوحشة الضارية ، قعود بالدم البارد في عواصمهم وعواصم العالم يديرون حرباً ، تكاد لا تصدق ، بين أقوى وأغنى دول العالم مجتمعة ، وبين هذه الدويلة البائسة الفقيرة ، أفغانستان :

          { وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ }

 

          وما نقمت دول العالم المتحالفة على الشر ، والتي تلهب أحقادها وتتلاعب بعقولها دولة الصهاينة وامتداداتها السرطانية في العالم وخاصة في أميركا . وما نقمت دول الشر هذه إلا أن يؤمـن الحياديـون الأبريـاء في أفغانستان وفي غير أفغانستان { بالله العزيز الحميد . الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } . الله شهيد على ما يفعلون  يسجِّل عليهم كل حركة وكل نفس ، وكل نية تتبيَّت في السر ، أو تفضح من خبثهم في العلانية :

          { قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ . سورة النحل الآية 26  .