تأويل الرُّؤى في سورة يوسف (ع)

تأويل الرُّؤى في سورة يوسف (ع)

ـــــــــــــــــــــــــ

        في هذه السورة الكريمة ، نجد معنى كلمة  ( تأويل ) التي وردت في هذه السورة ثماني مرات في ثماني آيات يكاد يكون محصوراً في تفسير  الرؤى الأربع التي ورد ذكرها في السورة المباركة .

        ومعلوم أن الرؤيا الأولى فيها وهي رؤيا يوسف عليه السلام :

       { يـاــأبَتِ إنِّي رَأيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً والشَّمْسَ والقَمَرَ رأيتُهُمْ لِي سـاــاجِدِينَ } (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

  • سورة يوسف الآية 4 .

       

وقع تأويلها هكذا   :

       { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْش ِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وقَالَ يا أَبَتِ هـاـذا تأْوِيلُ  رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَـلَهَا رَبّي حَقّاً } (1)  . 

       ثم قوله تعالى : {   وَدَخَلَ   مَعَهُ  السـِّجْنَ   فَتَيان ِ  قَالَ أَحَدُهُمَا إنِّي أراني أَعْصِرُ خَمْراً وقال الآخر إنِّي أَراني أَحْمِلُ فَوقَ رأْسي خُبْزاً تَأكُلُ الطَّيرُ مِنْهُ نبِّئْنَا  بِتأوِيلِهِ إنَّــا نَرَاكَ مِنَ المُحْسنِين. قَالَ لا يَأتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إلاَّ نَبَّأتُكُمَا بِتَأويلِهِ قَبْلَ أنْ يَأتِيكُمَا ذالكما مِمَّا عَلَّمَني رَبِّي . إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْم لا يُؤْمِنُونَ باللهِ وَهُمْ بالآخِرَةِ هُمْ كـاـفِرُونَ . واتَّبَعْتُ  مِلَّةَ آبائي إبْرَاهِيمَ وإسْحَـاــقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أنْ نُشْرِك باللهِ مِنْ شَيْء ٍ …}(2)  .

        فقوله  : ” لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما “: معناه أنه لا يأتيكما في الرؤيا ، أو في خبر حول طعام ،  قُدِّرَ لكما أن ترزقاه إلا نبأتكما  بمعاني رموزه إذا كان في رؤيا ، أو أسبابه ومتعلقاته إذا كان في خبر ، وذلك قبل أن يتحقق الوجود المادي الحقيقي لهذا الطعام أو لما يَعْنيه .

        وكلمة ( تُرْزَقَانِه) تشير إلى عمق الحَدَث ِ ، كلِّ حدث ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة يوسف الآية   : 100  .

  • سورة يوسف الآيات : 36 ـ 38 .

لأن الرزق أو أي أمر من الأمور ، حـدث مخطط لـه في علم

الله سبحانه مروراً  بالمشيئة ثم التقدير وإلى هنا  يبقى الحدث ضمن الصورة الرمزية ( الرؤيا)  أو ضمن الخبر ( الكلمات ) فإذا وقع  القضاء فيه أو عليه ، أصبح حقيقة وواقعاً ، وعند ذلك يتم تأويلُه .

        ولهذا أردف مؤكداً على هذه المعاني  بقوله : { إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله … واتبعت ملة آبائي … مَا كانَ لَنَا أنْ نُشْرِكَ باللهِ مِنْ شَيْء ٍ ) والعبارة الأخيرة ، هي الهدف الذي رمى إليه ، وهي أن الله سبحانه ” هو الأول والآخر  والظاهر والباطن  وهو بكل شيء عليم  (1) “.

        وغير هذا الذي وفقنا الله إليه ، يبقى كل كلام حول تفسير هذه الآية دون طائل .

        ثم أوَّلَ يوسف رؤيا كل واحد من صاحبيه  :

       { يـاـصَاحَبَيْ السِّجْن ِ أمَّا أحَدُكُمَا فَيَسْقي رَبَّهُ خَمْراً ، وأمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رأسِهِ  قُضِيَ  الأمْرُ  الذي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } (2)  .

        ونقارن  بين رؤيا يوسف عليه السلام وتأويلها :

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)       سورة الحديد الاية    :  3  .

(2)       سورة يوسف الآية   : 41  .

       الرؤيا : { .. إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقمَرَ رَأيْتُهُمْ لِي  سَـاـجدِينَ } .

       وتأويلها : { فَلمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوىَ إليهِ أَبَوَيْهِ .. وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلى العَرش ِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يـاـأبَتِ هَذَا تَأوِيلُ رُؤْيَـاـىَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها ربِّي حَقّاً .. }

        ونقارن بين رؤيا أحد صاحبيه وتأويلها :

        الرؤيا : { إنِّي  أرَانـِىَ أعْصِرُ خَمْرًا } وتأويلها ، أنه { يَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا }  وبين رؤيا الآخر  وتأويلها :

       { إنِّي أرَانـِيَ أحْمِلُ فوْقَ رَأسِي خُبْزاً تَأكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ } . وتأويلها  أنه { يُصْلبُ فتَأكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأسِهِ }.

        والملاحظة السريعة هنا تكاد تقول ، أنه لا يوجد أي رابط  بين رموز هذه  الرؤى الثلاث وبين تحققاتها .

        إلا أن المتعامل مع اللغة العربية بشكل خاص ، واللغة الكونية بشكل عام  يجد الروابط  التامة المقصودة ، إذا تعلم اللغة الكونية من جانب واللغة العربية بمجازاتها وحقائقها من جانب آخر. 

        وهنا  نختصر موضوعنا كله في أمرين :

الأول : هو التشابه بين رموز الرُّؤَى وبين تَحَقُّقَاتِها .

الثاني : هو ردّ الصور الرمزية إلى أصولها ، أو ردّ المثاني إلى

الأوائل ، وذلك معنى التأويل في اللغة وبالتالي معنـاه             أو بعض معـانيه ـ كمـا سنرى ـ في القرآن الكريم .

        وهذه الآيات المتعلقات بالرؤى المذكورة ، هي من الآيات المتشابهات من وجه ، ومن المثاني من وجه آخر ، والتشابه  فيها هو تشابه الرمز مع الواقع ، والمجاز مع الحقيقة ، أما أوائلها  أو أصولها ، فهي حقائقها  التي أوِّلت إلى وقائع محسوسة  في عالم الحضور  والزمان والمكان ، بعد أن كانت مشاريع مرموزة أو أخباراً في عالم الغيب والمشيئة (1) .

        فمعاني ( أوّل ) و ( تأوّل ) و ( التأويل ) في قوامس اللغة كما يلي  وباختصار  :  أَوَلَ  : الأوْل  : الرجوع . وأوَّلَ إليه الشيء:  رجَّعه ـ وأَوَّلَ الكـلام وتأوَّلَهُ : دبَّرهُ وقدَّره وفسَّره . ـ والتأويل  : عبارة  الرؤيا .

شارك