تعليل التشريع وشرف الأبّوة والأمومة

تعليل التشريع وشرف الأبّوة والأمومة :

        في تعليل التشريعين  المتعلقين بموضوعنا ، اخترنا ثلاث مؤشرات قرآنية يلقين الضوء على عظمة ما يمكننا إدراكه من المقاصـد الإلـاـهية وعناية الله رب العالمين  بعباده ورحمته لهم ، أفراداً  ومجتمعات .

        وقبل أن نعرض للآيات ، نلفت إلى أن موقف التشريع من العلم ، هو أن يسدّد لا أن يقيّد .

والآن مع الآيات البينات في ثلاثة أقسام :

أولاً   : { وَوَصَّيْنَا الإنْسـَاـنَ بوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أمُّهُ وَهْناً عَلَىَا وَهْنٍ وَفِصَـاـلُهُ فِى عَامَيْنِ أن أشْكُرْ لِى وَلِوَالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ . سورة لقمان الآية 14 } .

ثانياً  :  { فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ  قَوْلِهَا  وَقَالَ رَبِّ أوْزِعْنِى~ أنْ أشْكُرَ  نِعْمَتَكَ  الَّتِى~ أنْعَمْتَ  عَليّ وَعَلَىا  وَالِدَيَّ وَأنْ أعْمَلَ  صَـاـلِحاً تَرْضَـاـهُ وَأدْخِلْني برَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّـاـلِحينَ . سورة النمل الآية 19  } .

ثالثاً  : { وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ  البَحْرَيْنِ هَـَاذَا عَذْبٌ  فُرَاتٌ  وَهَـَاذَا مِلْحٌ  أُجَاجٌ  وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً  وَحِجْراً مَحْجُوراً . وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً . سورة الفرقان الآيات 53 ــ54 } .

هذه الآيات تعلن بوضوح ، أن الإنسان مفطور ، مطبوع على أنه من تحصيل  الحاصل  أن يكون له أبوين  : أب رجل وأم امرأة ، وأنه ابن حلال لهما . وأنه  من البديهي  أن يستمتع  بذكرى أن أمه حملته جنينا بضعة أشهر  ، وحضنته كذلك أشهرا ،  كما يستمتع بأن يحنو عليها وتزداد محبته لها تبعاً لذلك ، محبة هي أصفى  ما عرف الوجود من أنواع الحب بعد حب الله تبارك وتعالى . وكذلك يسعد بوجود أو يتذكر أن له أب ساهم في تربيته وتحمل مسؤولياته ، إنجاباً وطفلاً وصبياً ، وربما شاباً وكهلاً . ومحصلة هذه  الآية الكريمة بالنتيجة أن الأبوين  عانيا معاناةً كريمةً سخيةً ، في تربية ولدهما  حتى أصبح رجلاً سوياً أو امرأةً سويةً ، وأن الله تبارك وتعالى من فوقهم جميعاً  هو الأكرم وهو الأرحم ، إذ أوجد الجميع  إيجاداً  نافعاً مسعداً لهم ولمجتمعهم  ولمستقبلهم  حيث إليه المصير .  هذا ما داموا في حلاله وليس في حرامه ، وفي طاعته وليس في معاصيه .

        أما إذا اختلف الأمر ، ووجد إنسان ، ووجد أنه ابن أنبوب زجاجي أو إناء  مخبري ، أو ابن أمرأة  هي في الحقيقة جدته ، وأن التي حضنته ليست أمه التي حملت به ، أو أن زوج أمه الأصلي الذي كان مفروضاً أن يكون أباه  ، كان عقيماً ، فهو ليس أبوه ، وإنما هو ولد من لقاح من ماء رجل آخر احتضنته أمه في رحمها ، فكان هو الثمرة … إلخ … فأين  سيضع عواطفه ومشاعره البنوية والمسجلة في الكروموزوم الذي لقح البويضة التي أنتجته . وأين  سيذهب بحنانه ؟ ثم هو مطبوع كذلك على أن يشكر ثلاثة  الله عز وجل ، ثم أمه وأباه ، لأنه لا بد له حسب ناموس الله وشرائعه من أبوين شرعيين ، يرتاح عبرهما الإنسان لكونه ابن حلال .

        أما الله سبحانه وتعالى فقد شرّع وأمر ونهى ، ونصح للإنسان وأعطاه أغلى وأجمل ما يطلبه في حياته : الحرية ، حرية الإختيار ، قوله تبارك وتعالى  :

          { َلآ إكْرَاهَ فِي الدِّين قـَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ  الغَيِّ فَمَنْ

يَكْفُرْ بالطَّـاـغُوتِ وَيُؤْمِن باللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىا لآ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَميعٌ عَليمٌ . سورة البقرة الآية 256 } .

        ولكن أكثر الناس خالفوا الشرائع الإلـاـهية ، وعصوا الأوامر ، وما انتهوا عن حرام أو مأثم ، وما قبلوا النصيحة ، وأساؤوا استعمال النعمة الكبرى  : الحرية ، فوجهوها بهوى الأنفس ، واتخذوا آلهة لهم : هوى النفس والشيطان ، والتجارب: فـي القانون والقضاء والحكم والسياسة والعلم وشتى ميادين الحياة ، ما يجوز من هذه التجارب وما لا يجوز . وليس الأمر سيان  :

          { وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي~ أسْتَجبْ لكُمْ إنَّ الَّذينَ يَسْتَكْبرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُوُنَ جَهَنَّمَ دَاخِريِنَ . سورة غافر الآية 60 } .

وقال تعالى :

{ … إنَّ اللهَ لَذُو فَضْل ٍ عَلَى النَّاس ِ  وَلـاـكِنَّ أكْثَرَ النَّاس ِ لاَ يَشْكُرُونَ . سورة غافر الآية 61 } .

        وذلك المولود غير الشرعي ، إلى من سيوجه شكره ؟ للأنبوب الزجاجي الذي ربي فيه ، أم للطبيب الذي كان سبباً من أسباب جريمة إيجاده ، ممزق المشاعر ، متناقض العواطف . ثم  انه لا محالة سيستعرض مع بواكير نضجه وتفكيره ، كونه ليس ابن حلال وإنما هو ابن حرام ، ثمرة زنى ، من أبوين غير صالحين … وهات منه حقداً على نفسه وعلى أبويه وعلى المجتمع . والمجرمون الكبار  في التاريخ ، هكذا يتحولون إلى خزانات من الحقد الحبيس ، والنقمة المكبوتة ، والغضب المدمر، ( هذا مع البعد عن الله وفي غير المجتمع الصالح ) فتتفصّم أنفسهم ، وتتضارب عواطفهم ، ويجنحون  إلى الجريمة ، حتى وإلى التلذذ بالجريمة  ،  كلما وجدوا إلى ذلك متنفساً أو سبيلاً  .

        فلهذا كله ، ولغيره من الخطايا ، ننذر بالأخطار المدمرة  المتمثلة بغضب الله  وإنتقامه . فماذا يريد العلم  والطب والقانون الوضعي في النتيجة ، من هذه الأنواع اللاشرعية من الحمل ، وتربية الأجنّة في الأنابيب ، وكذلك الزناة والشذاذ والفاحشون ؟ وماذا  يريد قبل هؤلاء جميعاً ، مشرِّعوا  القوانين الوضعية ، حماة هذه  الجرائم ، وحماة أسبابها ، والممهدون لها ؟ هؤلاء مسؤولياتهم  أمام الله وملائكته والناس أجمعين ، أكبر وأعظم ، ولذلك عقوباتهم يوم {… لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ ـ أحَدٌ . وَلاَ  يُوثِقُ وَثَاقَهُ ـ أحَدٌ .  سورة الفجر الآية 26 } . أدهى وأمر . ماذا يريد هؤلاء جميعاً ؟ ليثقوا ـ ومن يعش ير  ـ أنه ليس أمامهم إلاّ الكوارث الرهيبة ، التي نشبت تبعاً لما اقترفوه ويقترفونه ، تجتاح تلك المجتمعات الساكتة عن مثل هذه الحريات المجرمة ، وغيرها من الفظائع اللاأخلاقية ، التي هي مخالفة دائماً لشرائع الله  وتعاليمه . تلك الفظائع التي أثمرت خبائث ، أقلها السيدا والإيدز الذي يفتك بالملايين ، عبر الفواحش  المحمية بالقوانين الفاجرة .

        من هنـا إني أسمع قضقضة ودويّ انهيار الحضارة المريع . وبعيد ذلك كله :

{ إنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ لاّ رَيْبَ فِيهَا وَلَـاـكِنَّ أكْثَرَ النَّاس ِ لاَ يُؤْمِنُونَ . سورة غافر الآية 59 } .

        فبخصوص القسم الأول ، الآية الكريمة : { وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بوَالدَيْهِ … } كلمة { الإنسَانَ } تعني المؤمن وغير المؤمن ، فيظهر أن الوصية فطرية ، أي أن الإنسان  يولد ـ وهو منذ ولادته ، بل منذ جنينيته ، بل قبل ذلك ـ مطبوعاً على إرتباط حميمي ، ذي عمق خاص ، وقداسة  خاصة بوالديه ، وبالأم أكثر من الأب ، بالضرورة ،  لحمله وفصاله ( عَن الرضَاع ) في عامين تقريباً ، هذا من وجه ، ومن وجه آخر عمليّ ،  مقصود للفطرة ، أن الطفل ، في العامين ، لا يكاد ينفصل عن أمه في ليلها ونهارها إلا لماماً ، هذا الشعور الحميمي المشبع بمحبة عميقة مميزة ، لا خلاف عليه ، فهو محصل بديهياً ومعروف عند جميع الناس ، كما هو معروف كذلك في البهائم ، مما يؤكد أن الوصية  في الأساس ، هي كما قلنا ، فطرية ، يقابلها السلوك الغريزي عند البهائم .

        إلا أن  تربية الطفل عند الإنسان ، كما هو معلوم ، أشق وأعظم مسؤولية ، فهو لا يستطيع الإعتماد على نفسه بعد العامين في أمور كثيرة ، ليس فقط في مرحلة الصبا التي بعد الطفولة ، وإنما في مرحلة بداية الشباب ، حيث تصبح التربية أعمق وأكثر حساسية ومسؤولية .

          من هنا كان تعليم الله تعالى ، إضافة لقوله : { أنْ اشكُرْ لِي~ ولِوَالِدَيْكَ إليّ المَصير }  قوله  سبحانه :

{ وَقَضَىا  رَبُّكَ الاَّ تَعْبُدُوَاْ إلاَّ إيَّاهُ وَباْلْوالِدَيْن ِ إحْسَـاـناً  إمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أحَدُهُمَا أوْ كِلاَهُما فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَريمَاً. واْخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَحْمَةِ وَقُل رَّبِّ اْرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغيراً . سورة الإسراء الآيات 23 ـ 24 } .

        هذا كله ، في مضمون الآيات ،  توجيهاً إلى إسعاد الوالدين ، وحفظاً  لحقوقهما ، وفي ذلك سعادة المجتمع الإنساني الصالح  ، بنعمة الأمومة والأبوة ،  وتماسك الأسرة ، فحيث  تكون الأسر مفككة  ، يكون المجتمع كله مفككاً ، مما ينتج عنه  حالات الفلتان ، والفوضى في جميع الإتجاهات . وليس  أدل على ذلك ، من نتائج الإحصاء ، الذي تقوم به المؤسسات ذات العلاقة ، في مجالات الجريمة ، حيث تتفاقم  الأرقام سنة بعد سنة ، من جرائم القتل  حتى بين المراهقين ( في نيويورك مثلاً لسنة 1991 ) إلى حوادث الإنتحار ، إلى جرائم الإعتداء على النساء في ليالي المدن الكبرى ، بعد خطفهن على الطرقات ، إلى فظائع الشذوذ الجنسي ،  الذي أعطى الله سبحانه ، نماذجاً عن مدى سخطه على فاعلي هذه المنكرات ، بأن دمّر سادوم وعامورة مدائن لوط النبي عليه السلام . وسنعقد لهذا وحده إنشاء الله ، فصلاً  يحاكم الحالات الرهيبة الحاضرة ، الدامغة وجه الحضارة المزعومة ، الحضارة التي تشمر عن  ساعديها لقيادة العالم .

        وعوداً إلى صلب الموضوع ، فإن ما يدعم المعاني  التي ذكرنا  بصدد الآية الكريمة وما بعدها  ، عن أمر الله تعالى  بإسعاد الوالدين  ، وحاجة الإنسان الماسة ، إلى  شعور المحبة  والحميمية  تعلقاً بهما ، هو قوله تعالى :

{ فتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قوْلِهَا وَقَاَلَ رَبِّ أوْزعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي~ أنْعَمْتَ عَليَّ وَعَلىا وَالِدَيَّ وَأَنْ أعْمَلََ صَـاـلِحاً ترْضَـاهُ… . سورة النمل الآية 19 } .

        هذه الآية الكريمة حكاها الله تبارك وتعالى عن سليمان عليه السلام عندما سمع صوت النملة  وفهم قولها ، حيث قالت :

{ … يَـاـأيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلوُاْ مَسَـاكِنَكُمْ َلا يَحْطِمَنَّكُمْ  سُليْمَـان وَجُنُوُدُهُ  وَهُمْ َلا يَشْعُرُونَ } { فتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قوْلِهَا وَقالَ … الآية }   فطبيعي أن تكون أول بارقة في ردة فعل الإنسان الموقن بالله عز وجل ، أن يذكر ربّه ويشكره ويحمده ،  لقاء أي علم  أو نصر أو عطاء ، أو أية نعمة  ينعم بها الله عليه ، وهكذا فعل سليمان ، وإنما لماذا لم يكتف بالقول : { رَبَّ أوْزعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَليَّ } بل تابع وقال : { وَعَلىَ وَالِدَيَّ }  عِلماً أن كلمة { نِعْمَتَكَ }  تعم كل النعم ، قوله  تعالى : { .. وَ إن  تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا .. . سورة إبراهيم الآية 34 } . والجواب  ، هو إرادة التخصيص وتذوقه ، بعد التعميم ،  وذلك لأن الإنسان  المؤمن الموقن بربه وبأسمائه الحسنى ، يؤتى الحكمة وسرعة الخاطر ، وبعد النظر ، ورهافة الحس ، إلى آخر ما هنالك من المعاني الشفيفة العميقة في آن . قال تعالى :

       { وَمَا يَسْتَوي الأعْمَىا  والبَصيرُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصـَاـلِحـاتِ وَلاَ المُسِيىءُ قَليلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ . سورة غافر  الآية 58 } .

        وفي النجاحات الكبرى  ، يود الإنسان أن يزف بشرى نجاحه إلى الأحب إليه ، وهنا الأحب إليه  ربه عز شأنه . فماذا يقول وربه الله هو المنعم ، فإذن لا أحسن من أن يقول : { رَبِّ أوْزعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ } فقال ، ثم إلى الأحب وهنا أتى التخاطر السريع ، فالأحب بعد الله ، نجده فيما أوصى الله ، نجده في الآية  السابقة : { … أنْ اشكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ } فكذلك فعل سليمـان  فقال  :  { … الَّتِي أنْعَمْتَ عَليَّ وَعَلىَ وَالِدَيَّ  }

والخواطر السريعة مع هذا القول ، هي تذكار  سليمان  أن الله ربه العظيم  رب العالمين ، قد آتاه  أن  يكون  سويّاً  نبيّاً ، ابن حلال ، من أبوين سويين صالحين .

        في هذا الموقف ، مع تجليات  نعمة الله وكرامته  ، لا بد أن سليمان  كان من السعادة  بين جناحين خفيضين لربه الرؤوف الرحيم والعزيز الوهاب .

          هذا مقصد أساس من مقاصد الآية الكريمة : إسعاد الأبناء الصالحين بالأباء الصالحين ـ أما ما يعلم خلاف هذه القاعدة فموكول إلى علم الله وحكمته ، وعدله ورحمته ـ ويستحيل أن يتم هذا الإسعاد  بغير الطريق الشرعي ، الذي رسمه سبحانه وتعالى  ، وأنذر مخالفيه ، إذا صدوا عن تعاليمه ، وبالتالي عن رحمته ،  بخزي في الحياة الدنيا ، وفي الآخرة بعذاب عظيم .

          ومع استشعار الإنسان  بالسعادة بعطاءات ربه ، يتمنى المزيد من التقـرب إلـى الله  عـز شأنـه ، فلـذلك زاد سليمـان فـي دعائـه :

{ وَأنْ أعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ }  ولماذا  كلمة  { تَرْضَاهُ } ؟ لأن  أيما عمل يعمله فرد أو جماعة لا يكون صادراً عن الإيمان بالله  عز وجل ، يكون عند الله عملاً حابطاً ، أي ساقطاً لاغياً ، ليس له مردود لأصحابه من لدن الله ، ولو كان مدائن من الياقوت والزمرد ، أو فتوحات تُقال من أجل تقدم وإسعاد البشرية ، فكل ذلك يبقى مكانـه يسبح بحمد رب العالمين ونعمته ، لأنه أصلاً وفصلاً من علم الله سبحانه ومن ملكه وملكوته . ثم إن الله غنيّ عن العالمين .

        فإذن لكي يكون العمل الصالح ذا قيمة ونفع لصاحبه في الدارين ، يجب أن يكون في سبيل الله جلّت عظمته ، مقبولاً عنده ، مشفوعاً برضاه .

        ولعل سليمان بعد هذا ، اختلجت  نفسه بفكرة مرعبة ، هي خشيته من أن يقصر عن أولياء الله الصالحين ، أو ألا يكون فيهم ، فأردف قائلاً : { وَأدْخِلْنِي برَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّـالِحِينَ } . ويلاحظ من تركيب العبارة ، وخصوصاً كلمة { برَحْمَتِكَ } ، أن فيها  حرارة غير عادية ، حرارة فيها  دفء الدمعة الراجية ، التي ليست من العين ، وإنما من القلب ، من عميق الكيان ، لهفة ، وتضرعا ، وتأكيداً على الدعاء  ، وإلحاحاً مؤدبـاً على رجاء الإجابة ، ثقة بالله ، وبرحمة الله ، وبإجابة الله ، وما أكرمه سبحانه  وما أرحمه وهو العزيز الوهاب ، وهو الموحي ، وهو المعلم لهذا الدعاء  وما يرافقه  من مشاعر النبل والصفاء والخشوع ، وكذلك لبقية الأدعية على ألسن الأنبياء والمرسلين والأولياء ، وجميع عباده المتقين الأبرار ، ولا سيما  التي في كتابه الكريم  ، فهو سبحانه يتقبلها دون وسيط .

        هنا قد يقول الإنسان العادي ، أولئك  معاشر الأنبياء ، فيهم تلك الصفات  ولهم تلك الميزات ، وأين نحن منهم ،  يقول هذا وقد يتراخى في تعامله مع هذا الموضوع  ، ولا سيما الدعاء  جملة وتفصيلا . والحقيقة أن الدعاء  هو قاسم مشترك  بين الناس على إختلاف درجاتهم ، من النبي إلى الأعرابي  ، كل حسب جهده وجهاده ووسع طاقته ، لا فرق بين الأقوام ولا الأجناس ، ولا الألوان  ولا اللغات ، قوله تعالى :

{ يَـاـأيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَـاـكُمْ مِن ذَكَر ٍ وَأُنْثَىا وجَعَـلْنَـاـكُمْ شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إنَّّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقَـاـكُمْ إنَّ اللهَ عليمٌ خَبيرٌ. سورة الحجرات الآية 13}.

ودليلنا على ذلك أن هذا الدعاء الذي دعا به  سليمان ربّه عز وجل  هو نفس الدعاء تقريباً ، الذي يدعو به  أيما إنسان  بلغ أشدّه واهتدى  فيزيده الله هدى . كلا الدعاءين من فضله ورحمته وتعليمه ، وإليك الدعاء الثاني ، وهو ضمن آيتين تندرجان ضمن إطار البحث الكلي الذي نحن بصدده ، قوله تعالى :

وَوَصَّيْنَا الإنْسَـاـنَ بوَالِدَيْهِ إحْسَـاـناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وفِصَـاـلُهُ ثَلَـاـثُونَ شَهْراً حَتَّىا إذَا بَلَغَ أشُدَّهُ وَبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أوْزعْني~ أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي~ أنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىا والِدَيَّ وَأنْ أعْمَلَ صَـاـلِحاً تَرْضَـاـهُ وأصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَتِيَ إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإني مِنَ المُسْلِمينَ . أوْلَـَائِكَ الّذينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهمْ فِي أصْحَـابِ  الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِدْقِ الّذي كَانُواْ يُوعَدُونَ . سورة الأحقاف الآيات 15 ـ 16 } .

وهو الذي مرج البحرين :

          أما قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْن ِ هَـَاذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـَاذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً . سورة الفرقان الآية 53 } . فالبحران المذكوران في الآية هما في الأصل ماء واحد حوَّله الله تعالى  ماءين : عذباً آية في العذوبة وماءً مالحاً شديد الملوحة وجعل بينهما حاجزاً وحرَّم عليهما أن يطغى  أحدهما على الآخر ، وجعل فيهما ، ما داما ممتثلين للنظام  ، حقاً وخيراً وجمالاً .

        وفي النظر العقلي ، يؤيد السلوك العملي ، أنه إذا قصد إليهما بخلط  أو عبث  أو إفساد ، كان النتاج فوضى  لا تحمد عقباها : فيها  الباطل وفيها الشر وفيها القبح .

        وكما هو معلوم فإن  لكثير من آيات القرآن  الكريم ظهور وبطون ، وحقيقة ومجاز ، فمن ظهور هذه الآية  ، حقيقة معانيها ، فلا كناية  ولا مجاز ، فهذان مقصودان في تأويلها .

        ومن هنا فحقيقة الظاهر معروفة على الأرض  لدى كثير من الناس ، إذ المشهور  مثلا عن نهر الاردن ، بعد أن يؤازره من لبنان نهر الوزاني والحاصباني ، يمر عذباً  فراتاً في بحيرة  الحولة ، ثم بحيرة  طبريا وهي مالحة ، ومع ذلك يخترقها ثم يخرج منها عَجَباً عَذْباً فُرَاتاً ثم يدخل في البحر الميت وهو أشد ملوحة ، فيخترقه طولياً من أدناه إلى أقصاه ، ثم يخرج منه عذباً فراتاً كما أراده سبحانه تبارك وتعالى  رب العالمين .

        ومثل هذه الحقيقة التي هي من مصاديق هذه الآية الكريمة ، ما هو معروف على الساحل اللبناني  بين مدينتي

 صور والصرفند : ينابيع في قلب البحر ، تشكِّـل بركاً واسعةً عذبةً طيبة ً، يقصدها الصيادون والمتنزهون في عرض البحر، فيها يغتسلون ، ومنها يشربون هنيئاً ويملأون القرب ، وبديهي أن بين هذه البرك ، أو البحيرات الصغيرة العذبة  ، وبين البحر  المالح المحيط  بها من كل جانب ، حواجز جامعة مانعة ، جامعة للماء العذب ، مانعة من إختلاطه في المالح ، أو إختلاط المالح فيه ، تماما كما قال وكما شرّع سبحانه وتعالـى :     { وَهُوَ الّذي مَرَجَ البَحْرَيْن ِ هَـَاذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـَاذَا مِلْحٌ أجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وحِجْراً مَحْجُوراً . سورة الفرقان الآية 53 } . صدق الله العظيم .

        أما تأويل الآية فهو ـ كما قيل ـ فيه مجاز وكناية ، وملخصه أن المجتمع البشري ، حيث أصبح فريقين : مؤمنين  وكفاراً  مرجهما الله عز شأنه كما أنهار تخترق بحيرات وبحاراً  مالحة ، أو برك عذبة في محيطات ملحٍ أجاجٍ . وفي روعة التشبيه إلفات إلى قلة الماء العذب ، بالنسبة لكثرة المر المالح ، أي قلة المؤمنين  بالنسبة  للكفار ، وجعل بينهما  برزخا وحجرا محجورا ، فلا المؤمنون بإمكانهم الذاتي  أن يهدوا الكفار ، ولا الكفار بإمكانهم  الذاتي أن يضلوا المؤمنين . لأن الأمر مرجعه كله إلى الله  تبارك وتعالى وحده . وكثيرة هي الآيات  التي ترشد إلى هذه الحقيقة . ومع ذلك يتعايش هذان المجتمعان  في مجتمع بشري واحد ، في رعاية الله ورقابته ، وفي طاعته ومعصيته ، في رضاه وسخطه ، في حبه وبغضه ، في تربيته وابتلاءاته ، حيث يستحيـل الخروج من أرضه أو من تحت سمائه ، كما يستحيل تجاوز  إرادته ومشيئته ، كما يستحيل الإنفلات  من هيمنته وسلطانه ، وإلى أين : !  فسبحانه  تعبُّداً ، وسبحانه إتقاءً ، وسبحانه تقرباً ، وسبحانه حبّاً .

        أما إذا رضي المؤمنون بالتخلي عن الشريعة ، ودخلوا في مجتمع ما سميّ بالعلمنة ، وأخذوا بالقوانين الوضعية ، فهذا يعني الخروج من دين الله ، يعني الإخلال بالناموس الإلـاـهي، فيحصل الخليط  : ذوبان العذب بالمالح .

        وإذا كان  الله تعالى يحفظ المجتمعات البشرية ، كرامة للمؤمنين  الملتزمين بشرعه وتعاليمه ، الحريصين على طاعته ، فحين تطمس الحدود ، ويخبط المجتمع  خبط عشواء ، وتطغي الملوحة  على العذوبة ، عندئذ لا يبقى للمجتمعات عند الله ولا كرامة ، إذ يصبح  ولاء أكثر الناس فيها لغير الله ، للعلم التجريبي والقوانين الوضعية مثلاً ، عندئذ يأخذ الله كل مجتمع بذنوبه ، صغر المجتمع أم كبر ، كما يأخذ كل فرد بما قدمت يداه . تلك سنة الله في الأولين والآخرين ، فإلى أين يذهبون ، متجاوزين حدود  رب العالمين :

{ اسْتِكْبَاراً فِي الأرْض ِ وَمَكْرَ السَِّيىّءِ وَلاَ يَحِيقُ المَكْرُ السَّيىّءُ إلاَّ بأهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ سُنَّتَ الأوَّلِينَ فَلَنْ تَجدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْويلاً . سورة فاطر  الآية 43 } .

وأسمعه سبحانه في ذلك يقول :

{ فَكُلاًّ أخَذْنَا بذَنْبهِ  فَمِنْهُم مَّنْ أرْسَلْنَا عَلَيهِ حَاصِباً وَمِنُْهُم مَّنْ أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بهِ الأرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـاـكِن كَانُوَاْ أنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . مَثَلُ الَّذِينَ اْتَّخَذُواْ  مِن دُونِ اللهِ أوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اْتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ . سورة العنكبوت الآيات 40 ـ 41 } .

      والمخيف اليوم  ، على مستوى الأرض  كلها ،  فـي نهاية هذا  القرن  العشرين  الميلادي ، أن جميع المجتمعات بين قطبي الأرض ـ إلاّ اللمم ـ آخذة في هذا الإتجاه : الولاء لغير الله ، الولاء للديمقراطية الممسوخة الشوهاء ، ديمقراطية الأقوياء الظالمين ، ديمقراطية  طواغيت الذهب والقوى النووية ، والتعاون على الإثم والعدوان ، الولاء للعلم  التجريبي والقوانين الوضعية ، حتى أصبح التفلت من شرائع الله سمة العصر ، في الحكومات والشعوب . تجد ذلك  في الإعلام الدولي الوقح ، الذي اشترته الصهيونية والإمبريالية ، بمعظم أجهزته الموجودة تحت السماء الدنيا ، فطغى  وحرّف وزوّر ، وغش وكذب ، ووجه السياسات ، وحتى أكثر الجماهير الببغائية ، إلى حيث يريد ، كما توجه السائمة .

        وهذا مما يؤكد لنا قرب  إنهيار الحضارة  الفاجرة هذه ، ليحل محلها أمة تطيع الله وتخافه وتحبه ، وتجاهد في سبيله ولا تخاف لومة لائم .

هذا في قوله عز وجل وتبارك وتعالى :

{ يَـاـأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ  فَسَوْفَ يَأتِي اللهُ بقَوْم ٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلَىَ المُؤْمِنينَ أعِزَّةٍ عَلَىَ الْكَـافِرينَ يُجَـاـهِدُونَ فِي سَبيل ِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِم ِ… سورة المائدة الآية 54 } .

وفي قوله عز شأنه  :

{ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّـاـلِحـاـتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْض ِ كَمَا اسَْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىا لَهُمْ وَلَيُبَدِلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْناً يَعْبُدُونَني لاَ يُشْركُونَ بي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَالِكَ فَأوْلَـاـئِكَ هُمُ الْفَـاـسِقُونَ. سورة النور الآية 55 } .

        وهؤلاء  الموعودون بحب الله وبنصره العزيز ، وباستخلاف الأرض ، هم قطعاً وبدون أدنى شك ، المؤمنون الموحدون من غير شرك ولا ظلم ولا فساد في الأرض . هذه الأوصاف  على من تنطبق اليوم في شعوب الأرض ؟ هل تنطبق على اليهود ؟ أم تنطبق على النصارى ؟ أم تنطبق على العلمانيين ؟ ( العلمنة  هي فصل الدين عن الدولة ) . أم تنطبق على الوثنيين ؟ أم تنطبق على الملحدين ؟ أم تنطبق على المسلمين ؟ ولو نسبياً في كل  سؤال ؟!

        فمن هم هؤلاء القوم الذين وعدهم الله سبحانه بالإستخلاف  وبحبه ؟!

       { قُلِ انتَظِرُوَاْ إنَّا مُنتَظِرُونَ . سورة الأنعام الآية 158 } .

أما قوله تعالى :

{ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَآءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً . سورة الفرقان الآية 54 } .

        فهذه الآية لها صلة مباشرة من حيث ربط المعاني بالآية السابقة ، قوله تعالى :  { وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْن … } فكلتاهما تشيران إلى أمر الله وتشريعه وقدرته : الآية الأولـى : { هُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ …}  تشريع في الكون ، في الطبيعة ، من جملة التشريعات  التي يقوم عليها الوجود ، مثل  تشريع تركيب الهواء ، والجاذبية ، ودفع الماء إلى أعلى ( قانون أرخميدس ) وهو قانون الله ، إلى آخر ما هنالك من قوانين لا تكاد تحصيها موسوعة ، وأية موسوعة تحصي هذا الكون الوسيع ؟! .

          كذلك قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا }  هو تشريع في الناس ، أمر من أوامر الله عز وجل . وكما أن الماءين العذب والمالح إذا خلطا عمداً نشأ عن الخليط ماء منكر وفوضى في سلوك  الماءين ، رغم أنهما في الأصل  ماء واحد . كذلك الماءان اللذان جعلهما الله عز وجل نسبا وصهرا ، أي رجلا وامرأة ، إذا خالفا التشريع الإلـهي ، أنتجا منكراً ، وحلت الفوضى مكان النظام والوئام ، رغم أنهما كذلك في الأصل ماء واحد .

        وكلمة ( نَسَبْ ) في الآية ، تعني الرجل ، حصـراً ، لأنه ينسب إليه ، وهكذا أراده الله عز وجل . وكلمة ( صُهْر )  بضم الصاد وفتحها ، هي في الأصل  اللغوي مـن الثلاثـي   ( صَهَرَ ) بمعنى أذاب أو ذوّب ، وهي هنا في الآية الكريمة عنت نفس المعنى ، ثم صار  المتعارف في معنى الصهر ، أنه المرأة وأهل المرأة ، تفريعاً للأصل المذكور . فكلمة ( صُهْر) فـي الآية ، هي عمليـة  إنصهار ماء الرجل  بماء المرأة ، أي

النطفة بالبويضة(1) . وبما أن جينات الوراثة والكروموزومات هي التي تحمل صفات المولود من حيث جنسه ذكراً أو أنثى ، وصفاته الجسمية والعصبية عامة ، وكذلك النفسية الفطرية ، حتى عمره المكتوب ، ورزقه المقسوم له ،  يعني شخصية الإنسان بكليتها ، حتى بكثير من قضاياها الغيبية . وبما أن هذه الجينات والكروموزومات هي من صلب الرجل  ، وما مهمة المرأة إلاّ حضانة الناتج  من الصَهر أو اللقاح إلى حين الولادة ، فلذلك ينسب المولود إلى الرجـل وحـده ، ولذلك كان الرجـل ( نَسَبًا ) والمرأة ( صُهْراً )  وهما الكلمتان  الواردتان في قوله تعالى :

 { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَبًا  وَصِهْرًا  وَكَانَ رَبُّكَ قدِيرًا } .

        أما تذييل الآية بقوله تعالى : { وَكَانَ رَبُّكَ قدِيرًا } فتستدعي سجود القلب وجميع الجوارح  للعزيز الغفار ، والمنتقم الجبار رب العالمين . فهو سبحانه كما جعل بين الماءين العذب والمالح حاجزاً من قدرته ،  حاجزاً  عجبا   ،  إذا  حوفظ  عليه  كان الوجود الجميل والطبيعة الجميلة ، والسعادة والسلامة ، وإذا  عصي فيه ، وأخرج عن فطرته ونظامه ، كانت البشاعة في الذوق والنظر والفكرة . وهكذا يحصل تماماً ، كما في الكون والطبيعة ، كذلك في الناس  ، إذا أخلَّ البعض عاصياً وشوّه هذا الرباط المقدس ، الزواج  الشرعي ، وتجاوز إرادة الله والحدود  التي رسمها  بعلمـه وحكمتـه وقدرتـه ، تلك  الحدود الجميلة

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)       في عملية التلقيح الطبيعي تندمج  نواتا  البويضة  والحيوان  المنوي وتمتزج  موادهما الجينية وتتكاثر لتشكل المولود المقبل .

الشريفة التي ليست من حديد ، وإنما من شرف وتقوى  وهداية إلى السعادة ـ كما في جميع شرائع الله ـ تلك الحدود التي تحترم حرية الإنسان  وتحترم عقله وتحترم كرامته ، إذا أخلّ بها الإنسان كانت الدواهي ، كما نرى ، وكما يرى اليوم  أولوا الألباب .. والآتي أعظم  .

        أما ما قد يحتج به البعض ، مبرراً الحمل غير الشرعي (المخبري وتفريعاته ) بأنه ربما يكون عمل خير وإسعاد للمحرومين من نعمة الولد ، للعقيمين من الرجال والنساء . فهذا أيضاً قد أجاب الله سبحانه عليه ، وفنّد فيه القول ، قوله تعالى :

{ للهِ مُلْكُ السَّمَـاـوَاتِ وَالأرْض ِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إنَـاـثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ ، أوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وإنَـاـثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ. سورة الشورى الآيات 49 ـ 50 } .

        عليم بمصالح عباده ، بظروفهم ، ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم ، قدير على أن  يصلح العقيم ويعطيه  بعد إبتلائه ، ولو تطاول عليه العمر ، وقدير على أن لا يعطيه ، بل يعوّض عليه في الدارين ، ولا سيما  { يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ ، إلاّ مَنْ أتَى اللهَ بقَلْبٍ سَلِيم ٍ. سورة الشعراء الآيات 88 ـ 89 } . ثم هو قدير على أن يثيب ويسعد بأولاد وبغير أولاد ، اسمع قوله عز وجل :

{ فَلاَ تُعْجبْكَ أمْوَالُهُمْ وَلاَ أوْلَـاـدُهُمْ إنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُم بهَا فِي الْحَيَواةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـاـفِرونَ . سورة التوبة الآية 55 } .

        فمن يعاند القدرة ،  قدرة الله ؟ وهل يعاند الله سبحانه إلاّ جاحد كافر لئيم ؟ ومن كان كذلك ، أليس  من الحق والعدل أن يقاصص ويعاقب ، كل  بقدر نيته  وقدر عمله ، وقدر كفره : أفراد ومجتمعات .

        فبناءً على هذا الذي بين أيدينا من أخبار زرع  الأجنة ، وتربيتها ، خلافاً للفطرة التي فطر  الله الناس عليها ، مؤكدة بالتشريعات الإلـاـهية ، واعتماداً على الخبرين  المتعلقين بـ  “أرليت شويتزر وبات أنطوني “(1) وأخبار تربية الأجنة في الأنابيب ، يصبح  من البديهي في أربعة أخماس العالم  تقريباً ، أي الدول التي تدين بالعلمنة ،  أن يصبح أمر مثل هذا الحمل شائعاً ، فتحمل المرأة ـ عندهم ـ بماء إبنها وبويضات  زوجته العقيم ، أو الأخت بماء أخيها ، تحضن له ولزوجته العقيم ، أو البنت بماء أبيها لمصلحة عشيقته ، مثلا ،  التي يورثها وتورثه في قوانينهم العلمانية … إلى آخر ما  هنالك من تفريعات  في هذا المجال .

        كثيراً ما تَرْبَدُّ  وجوه  من  أهل  الضلالة ، جهلاً وعناداً  وكفراً ، ونسمع مثل هذا القول :

        وما المانع  ؟! وما هذا الشرع الذي هو مجرد شكليات لا تسمن ولا تغني من علم . بل شكليات تلجم العلم ، تخنقه . فكفانا إختناقاً بالدين . بعد أن سبقنا  أرباب العلم  مسافات لن نستطيع قطعها ولو بشق النفس ، ونحن نقول : الدين .. الدين .. والشريعة الشريعة ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      هما سيدتان : الأولى أميركية لقحت بماء زوج إبنتها فحملت توأمين . والثانية من أفريقيا الجنوبية   وقد أنجبت بنفس الطريقة ثلاثة توائم   : جريدة اللواء البيروتية 12 تشرين الأول 1991 .

        ـ       وإلى أين سبقونا  ؟

        ـ       إلى السماء سبقونا ..

        ـ       لا بل إلى الهاوية ، إلى الكارثة ، إلى  دمار هذه الحضارة بين عاملين : غضب الله بتفجير  الطبيعة فوق رؤوسهم وتحت أقدامهم وعلى جنوبهم  ،  ولفـِّهم   بالغيوم  الحرارية  التي شكلت درعاً حول الأرض ، وإنشقاق السماء الذي يسمونه  (الأوزون )  الذي يزحف عليهم  بالسرطان والذوبان ، ذوبان الجليد الذي يسجّر البحار  ، التي ستغرق فريقاً كبيراً منهم ، دولاً ومدنا ً.  ثم قتلهم لأنفسهم  بأقصى ما توصلوا  إليه من العلم …  رغم السلام  المعلن المتوهم ، الذي يرقصون له رقصة .. الموت .

        ويبقى أهل طاعة الله ، في حفظ من كل داهية داهمة ، وفي عافية من كل سوء ،  بما فيه السيدا والإيدز ، والآتي على الفجار  .. أعظم . قوله تعالى :

     { فَارْتَقِبْ إنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ . سورة الدخان الآية 59 }.

        وقوله عز شأنه :

     { ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ يَـاـبَنِىَ ءَادَمَ أن لاَّ تَعْبُدُواْ الْشَّيْطَـاـنَ  إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبينٌ  ،  وَأنِ اعْبُدُونِى هَـَاذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ، وَلَقَدْ أضَلَّ مِنكُمْ جِبلاًّ كَثِيراً أفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ . سورة يَس الآيات 60 ـ  62 } .

عبادة الشيطان طاعته ، وعبادة الله طاعته .

وقوله عزّ وعلا :

{.. وَمَنْ أوْفَىا بمَا عَـاـهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْراً عَظِيماً . سورة الفتح الآية 10 } .

صدق الله العظيم  . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

 

ملاحظة :

        بعد أن انتهينا ـ بفضل الله تعالى ـ من هذا البحث ، وجه إلينا هذا السؤال : هل في القرآن الكريم نص يمكن أن يكون رداً على الخبر العلمي الذي مفاده : تخليق ولد في رحم اصطناعي ، بعد أخذ النطفة من رجل ما ، فيكون الولـد دون أم ،  وإنما  ينسب بعد إخراجه للحياة العادية ، إلى أب هو صاحب النطفة .

فقلنا في الإجابة ما قاله الله عز وجل :

{ .. أنَّىا يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَهُ صَـاـحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بكُل ِ شَيْءٍ عَلِيمٌ . سورة الأنعام الآية 101 } .

        فتكون هذه الآية الرابعة  في سياق تعليل  التحريم . ولوضوح معناها الذي  يدمغ الخبر والمترددين  بين حليته وحرمته ،  نكتفي بما قاله في بعض تفسيرها العلاّمة السيد محمد حسين الطباطبائي  رضوان الله عليه : ” … ومحصله أن لا سبيل  لتحقق حقيقة الولد إلاّ إتخاذ الصاحبة . الميزان في تفسير القرآن ج 7 “.

ثم نختم بقول الله تعالى  العزيز الوهاب :

{ يَـاـأيُّهَا النَّاسُ إنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَواةُ الْدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم باللهِ الغَرُورَ . سورة فاطر الآية 5 } .

شارك