تعليم تحت طائلة المسؤولية :

تعليم تحت طائلة المسؤولية :

        ومن الآيات المتعلقة بوقعة أُحُد ، والتي جعلت درساً بليغاً وملزماً للمؤمنين إلى يوم القيامة ، قوله تبارك وتعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعونَ.وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ}. [  156 ـ 158  : آل عمران ] .

        يريد الله تعالى بهاتين الآيتين التركيز على الحقائق وضبط الإعتقاد والتفكير عند المؤمنين ، تخليصاً لهم من الهم والغم من جهة ، ومن جهة ثانية التسليم لقدر الله وقضائه ، وحسن التوكل عليه سبحانه ، والثقة القصوى به ، وبإحاطته بالأمور ضبطاً وربطاً من جميع وجوهها ونواحيها .

        وكم يخطىء الناس في إصدار أحكامهم على الوقائع ،ولا سيما ما يتعلق  بالموت إذا ضرب بعضهم في الأرض ، مسافرين مغتربين عن ديارهم ،أو إذا كانوا غُزّىً ،أي غزاة مجاهدين في سبيل الله ، فماتوا أو قتلوا ،فإن أحكامهم غالباً ما تأتي باطلةً ،يأتمون بها ويستدعون بذلك غضب الله سبحانه .وذلك بأن يزعموا أن هؤلاء الذين ماتوا أو قُتلوا في سفر أو جهاد في سبيل الله ،لو كانوا عندهم أي في ديارهم ما ماتوا ولا قتلوا .وهذا الزعم الباطل ، هو جهل بحاكمية الله وإحاطته بالأمور ،لذلك هو سبحانه يعلِّمهم الحقائق ،تارة بقوله تعالى كما في الآية السابقة : {…  قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ …} . [ 154 : آل عمران ] وتارة كما في هاتين الآيتين حيث يعتبر التثبيط عن الجهاد في سبيل الله وزعم الصدفة  في الموت أو القتل كفراً بالله وكفراً بقدره وقضائه  وسيطرته على الكون بجميع تفاصيله.ونحن إذ ألزمنا أنفسنا بهذه المعاني المأخوذة من كتاب الله ، فلأنها حقائق تؤخذ من مصدرها الأعلى والأصفى .قال تعالى : { اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ …}. [ 17 : الشورى ].الحق مصدر ( حقَّ) وفيه مجموع الحقائق ، مثل الرَّقّ ، مصدر ( رَقَّ ) وفيه مجموع الرقائق ( والميزان ) أي العدل بين المقدمات والنتائج وفي كل شيء في الكون . قال تعالى : { وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ . فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ } .[2 ـ 3 :الطور] .وقال سبحانه : { وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيـزَانَ . أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيـزَان ِ }.[ 7 ـ 8 :الرحمن ] . فإذن هي الحقائق في الآيات القرآنية ، والآيات القرآنية تعاليم ، أي إنصراف عنها أو إخلال باعتقادها والإلتزام بها ، ينتج عنه إخلال ونقص في الدين وفي طاعة رب العالمين . فيختل الميزان ، وتترتب على المقدمات الخاسرة ، نتائج خاسرة ، إلاَّ من يسرع بالتوبة والإنابة وترميم ما فات ، فإن الله يحب التوابين .

        ومن هنا يتبيـن معنى قوله تعالى{…لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ…}.[156 :آل عمران ] هو عدله سبحانه ، وهو المعادلة التي في التعليم: ظنوا بالله ظن السوء ، فدارت عليهم دائرة السوء . نسوا الله ، ونسوا ذكره ، ونسوا أو جهلوا أنه هو سبحانه يحيي ويميت أينما كانوا ، فأعقبهم  ذلك في قلوبهم حسرة وضيقاً وتأزماً يفتك بأنفسهم وبأعصابهم ، بقدر إصرارهم على الضلالة والجهالة .

        أما قوله تبارك وتعالى ، بعدها ، { وَاللّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ } بدون قيد ولا ربط بموضوع الإحياء والإماتة ، فإذن يعني ذلك إطلاق المعاني والمواضيع المرتبطة بحياة أو بموت ، ويعني ذلك أننا مهما توسعنا في معاني هذا القول ، الحقيقية والمجازية ، نكون ما زلنا ضمن المطالب المقصودة ، ومن هذه المطالب ، قوله تعالى : { أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ }. [ 10 : ص ] . فهو سبحانه { يُحْيِي وَيُمِيتُ } في ملكه ، وملكه لا يملك أحد فيه شيئاً غيره ، فهو مالك الملك ، وملكه السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما ، وفي طوايا هذا الملك هو سبحانه { يُحْيِي وَيُمِيتُ } ، فالذين لا يؤمنون بذلك ،أو لا يعجبهم ، أو يعترضون عليه ، { فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ } أسباب السماوات والأرض ، أي دروبها ومساربها وغيوبها ، ذلك هو التحدي بالمحال ،أو بمعنى آخر مضاف إلى هذا: فليتحكموا هم بالأسباب ،إما أن يفرضوها فرضاً ،وإما أن يمنعوا نفاذها ، وكذلك هذا عليهم مستحيل ، وهكذا يكون قوله سبحانه { وَاللّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ } هو خلاصة هاتين الآيتين وخلاصة مالكيته وقهره بالموت وإنعاشه بالحياة ، على أساس عدله وميزانه : إعلم وأطع وثق بالله وتقرب  إليه واستنر بكتابه = تنج من الظلام والجهالة وتهتد إلى طريق مستقيم لا ملتوٍ ولا موحش ، ولا مهلك ، ولا تنالك حسرة ولا ندامة دهر الداهرين .ومعادلة أخرى هي أرقى من هذه ، لمن يطلبون المزيد ،للصديقين المجاهدين الطموحين ،الذين توصلوا بعد اليقين إلى الحب الأقدس، أي أحبوا الله أكثر من أي شيء في الوجود ، وأغلى أمانيهم وطموحاتهم أن يحبهم الله جلَّت عظمته . فتلك معادلة في قوله سبحانه مخاطباً محمّداً (ص) : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ …} . [ 31 : آل عمران ]  أي كونوا مثل محمّد (ص) صدقاً ويقينـاً بالله وبوعده ووعيده ، وكونوا مثل محمّد (ص) دعاةً إلى الله وحده ليس لأحد من خلقه أبداً ، وكونوا مثل محمّد (ص) مستنفرين

 

استجابة ً لأمر الله وطاعةً لتعاليمه ، وكونوا مثل محمّد (ص) لا تستغيثون بأحد غير الله ولا تدعون أحداً غير الله ، ولا تستنصرون بأحد غير الله . وكونوا مثل محمّد (ص) مجاهدين في سبيل الله وحده ، لا في سبيل أرضٍ ولا مالٍ ولا نبي ولا إمام ولا ولي ولا زعيمٍ ، ولا قائد ٍ ولا رئيسٍ ، ولا مخلوقٍ من خلق الله سبحانه وتعالى عما تشركون . ترسَّموا آثار محمّد وتعالي محمّد (ص) عن الدنيا وتساميه عن دناياها واجعلوا أغلى وأعلى مطلب في أعماركم رضى الله وقربه وحبّه ، بذلك وعند ذلك يحببكم الله ، وما أعزَّ وما أغلى وما أسمى ، وما أعذب وما أجمل وما أروع .

        وأما قوله تبارك وتعالى : { وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ.وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ }. [ 157 ـ  158 : آل عمران ] .

        نفس الإنسان إذا لم تكن ممهورة ً بتعاليم الله ، مزكاةً بتزكيته ، مصفَّاةً بطاعته وأوامره ونواهيه ، فإن ميلها إلى الراحة والسلامة وحب العافية يكون شديداً ، بخلاف الذين باعوا أنفسهم وأدمغتهم وقلوبهم لله تبارك وتعالى ، فهؤلاء وحسب درجاتهم ، أقلُّ حرصاً على الحياة ، وعلى الدنيا وما فيها . ومنهم  من يشتاق إلى لقاء الله تبارك وتعالى ، غير مبال بما يفوته من قيودها التي من ذهب أو زمرد أو جمال فانٍ ، أو أي شيء يقطعه عن حب الله أو يمنعه من ذكر الله .

        لذلك نجد كيف أن ذكر الموت أو القتال أو القتل ، يجعل وجوهاً تمتقع وقلوباً تخفق خوفاً ووجلاً ، ونفرة من هذه المعاني ومستدعياتها . علماً بأن حصول الموت مع الإيمان بالله واليوم الآخر وعمل الصالحات ، هو حالة تحوُّل إلى الأفضل والأحسن والأجمل ، بدرجات ، أدناها ، أفضل من الحياة الدنيا بجميع وجوهها . ولعلَّ كثيراً من الناس لا يعرفون حقيقة الموت ، فلذلك ينبغي أن نعرِّفه .