حقائق قرآنية تقرر مصير الاسرائيلين ومصير العرب

حقائق قرآنية تقرر مصير الاسرائيليين ومصير العرب

 

        المبلغون العاملون بدين الله ، اثنان : قرآني وروائي ، ونحن لكي لا نكون في حرج شديد أمام الله يوم القيامة  ، اخترنا القرآن الكريم ، لأن فيه رسالات الله ، ولقول الله تبارك وتعالى :

       { الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا }P(1)P.

       ثم يكون كلاهما ، والناس ممن يقرأ أو يسمع معهما في مواجهة هذه الآية المفزعة : قوله تبارك وتعالى :

       { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ،أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ } P(2) P.

        من هنا وجدنا أنفسنا ملزمين بإبلاغ ما آتانا الله ويؤتينا من فضله ، من تفسير آية كانت مغلقة لحكمة إلـهية ، أو آيات لم تفسر في الماضي ، لأن تفسيرها  مرهون بمواقيت ، أو ظروف أو أحداث مستقبلية ، مثل آيات أشراط الساعة وغيرها ، أو الإلمام ببواطن آيات أو تأويل آيات أُخَرُ ، وكل ذلك بتوفيق وتسديد منه تبارك وتعالى .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  

(1)      سورة الأحزاب ،  الآية 39   .

(2)      سورة الزمر ،  الآية  60  .  

 

        والحقيقة أن الأمر صعب من جهة ، وميسّر  من جهة ثانية ، فصعوبته من حيث أن الناس بصورة عامة  ، كأنهم في قوالـب ، غالباً ما تكون جامدة ، وعلى شتى مراتبهم  ، تعلّقاً بتراث متراكم موروث  عبر مئات السنين ،  عن الآباء والأجداد ، وفيه الكثير مـّما لم ينـزل الله به من سلطان  ، ولذلك نبّه سبحانه الأولين والآخرين من العباد بقوله في بضع آيات في القرآن الكريم :

       { .. قالوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا .. }P(1) P.

       {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا..}P(2)P.

       { قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا ..}P(3) P.

       {قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ }P(4) P.

        وكذلك يذكرهم تبارك وتعالى بوجوب لزوم القرآن تحت طائلة أنواع رهيبة من العذاب في حال الإعراض عن القرآن ، والتوقّف  عند غيره ، قولـه تعالى :

       { تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ . وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ . يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ. مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ . هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَـاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مَّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ }P(5) P.

        ولفهم ما نرمي إليه   ، نضرب مثلاً  من ألوف الأمثلة  ، على  إدخـال

 

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة المائدة  ،  الآية  104   .       (2)      سورة الأعراف  ، الآية 28   .

(3)      سورة يونس  ، الآية 78  .            (4)      سورة الشعراء  ، الآية 74  .

(5)      سورة الجاثية ،  الآيات  ( 6 ـ 11 ) .

الروايات التي ما أنزل الله بها من سلطان في تفسير بعض  الآيات الكريمة ، هذا المثل  ، يتعلق بقصة ياجوج وماجوج الواردة مرتين في القرآن الكريم P(1) P. وسنلاحظ كيف تختلف الروايات، أحياناً وفي الواقعة الواحدة  أو الموضوع الواحد  ، اختلافاً منكراً . فقد جاء في الميزان في تفسير القرآن للعلاّمة السيد محمد حسين الطباطبائي ( رضي ) ، بين المتن والحاشية، ما يليP(2) P :

        ” …  ومن ذلك اختلافهـا P(3) Pفي وصف ياجوج وماجوج فروى ( عن الدر المنثور عن ابن المنذر عن علي عليه السلام  وعن ابن أبي حاتم عن قتادة ، وفي نور الثقلين عن علل الشرائع عن العسكري ( أنهم من الترك ومن ولد يافث بن نوح كانوا يفسدون في الأرض فضرب السدّ دونهم . وروى في ( نور الثقلين عن روضة الكافي عن ابن عباس ) أنهم من غير  ولد آدم . وفي ( الطبري عن عبد الله بن عمير وعن عبد الله بن سلام وفي الدر المنثور عن النسائي وابن مردويه عن أوس عن النبي صلى الله عليه وآله  وفيه عن ابن حاتم عن السدي عن علي عليه السلام ، عدة من الروايات أنهم قوم ولود لا يموت الواحد منهم من ذكر أو أنثى حتى يولد له ألف من الأولاد وأنهم أكثر عدداً من سائر البشر ، حتى عدّوا  في ( الدر المنثور عن عبد الرزاق وغيره عن عبد الله بن عمر ) في بعض الروايات تسعة أضعاف البشر ، وروى في ( الدر المنثور عن ابن إسحاق وغيره عن وهب ) أنهم من الشدة والبأس  بحيث لا يمرون ببهيمة أو سبع أو إنسان إلاَّ  افترسوه وأكلوه ولا على زرع  أو شجر إلاَّ رعوه ولا على ماء نهرٍ إلاَّ شربوه ونشفوه ، وروى في [ الدر المنثور عن ابن أبي المنذر وأبي الشيخ عن حسان بن عطية وعن أبي حاتم  وغيره عن حذيفة عن النببي صلى الله عليه وآله  وقد بلغ من مبالغة الروايات في عددهم  أنه روى عن النبي صلى الله عليه وآله أن  يأجـوج وماجـوج  يعـدل  ألـف  ضعـف  للمسلميـن   

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة الكهف  ، الآية 94  .   وسورة  الأنبياء  ، الآية  96  .

(2)      ج 13 . ص 372 ـ 373 ـ الطبعة  الثانية ـ مؤسسة الأعلمي  .

(3)      يعني الروايات  .

(البداية والنهاية عن الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله ) وهو ذا يقال : إن المسلمين  خمس أهل الأرض ولازمه أن يكون  يأجوج وماجوج مائتا ضعف أهل الأرض] إنهم أمتان  كل منهما أربعمائة ألف أمة كل أمة لا يحصي عددهم إلاَّ الله سبحانه . وروى في  (الدر المنثور عن ابن المنذر وابن أبي حاتم عن كعب الأحبار ) أنهم طوائف ثلاث فطائفة كالأرز وهو شجر طوال ، وطائفة يستوي طولهم وعرضهم  : أربعة أذرع في أربعة أذرع ، وطائفة هم أشدّهم للواحد منهم أذنان يفترش إحداهما ويلتحف بالأخرى  يشتو في إحداهما لا بساله وهي وبرة ظهرها وبطنها ويصيف في الأخرى وهي زغبة ظهرها وبطنها، وهم صلب على أجسادهم  من الشعر  ما يواريها ، وروى أن الواحد في ( الدر المنثور عن ابن المنذر والحاكم وغيرهما عن ابن عباس )  منهم شِبْر أَوْ  شبران أو ثلاثة  ، وروى في ( الدر المنثور  عن عدة عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وآله أن الذين كانوا يقاتلونهم كأن وجوههم وجوه كلاب ) .

        ثم توفيراً على أعصاب القارىء ووقتنا ووقته ، نكتفي بمثل آخر فقط ، على الروايات المتعلقة بتركيب الكون ، ونختار تلك الرواية المشهورة التي نقلتها مصادر الفريقين  المسلمين، والتي  أكثر ما يهمنا فيها ، أنها تنسب زوراً وكذباً إلى رسول الله  صلى الله عليه وآله وإلى أئمة آل البيت الأبرار الأطهار ، بينما هي في الواقع من جملة الإسرائيليات التي كانوا يعتقدونها في علم الهيئة والكـون . عنيت بها التي تقول إن الأرض على قرن ثور ، والثور  على حوت … إلى آخر الرواية ، ومن عجيب ما فيها أن الأرض عندما يضربها زلزال ، فإنما يكون ذلك بسبب أن الثور  تعب قرنه ، فنقلها إلى القرن الآخر .

        أما أنه لا بدّ من خارج القرآن من مصادر للتشريع ، يدخل فيها الإجماع والعقل والحديث والسنّة ، وبعض القياس ، فهذا مـّما لا شكّ فيه ولا يماري فيه إلاَّ جاهل معاند ، ونحن إذ نعمل على ذلك ، نسأل الله أن يري المسلمين حقيقة القرآن القلعة  الشامخة والحصن الحصين 

 

 

 

 

الذي يتضمن كل هذه المصادر ، إما تفصيلاً وإما تنويهاً وإما تأويلاًً  .

        وهنا نكتفي بالكلام  عن صعوبة التبليغ  ، مضيفين  ما لا بـدّ  من التنويه  به ، وهو أن المُبَلِّغَ  ، برغم أن شعاره العملي ، هو قوله سبحانه :

       { ..قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ }P(1) P.

        وقوله تعالى :

       { أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ ، أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ }P(2) P

       { أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ  أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ }P(3) P.

        برغم ذلك ،  فإنه يتعرض إلى أذى كثير ، أقلّه التعجّل بالحكم عليه إنطلاقاً  من القوالب ومن الموروثات الدخيلة على الدين وعلى العقيدة  وعلى كتاب الله المجيد . حتى أن العوام غالباً ما يديرون دَفَّةَ التدخّل ، ويعتبرون الرواية أية رواية ، وحتى الملفقة ، بمنزلة الآية وربما أكثر قدسية .

        ومن هنا كانت جسيمة مسؤولية  العلماء ، العلماء الحقيقيين ، لكن أجرهم في حال نجاحهم وصدقهم  عند الله عظيم ، وأول درجة في مدارج النجاح أن يكونوا مقبولين عند رب العالمين ، ولكي يكونوا كذلك ، ينبغي أن يكونوا صديقين ، يعني  أن لا يرتابوا بكتاب الله وأن يوقنوا به ويبلّغوه ، تلك وظيفتهم  ما داموا تصدّوا للعمل باسم الله  ودين الله كل ذلك على أساس  التّوحيـد وعدم السقوط في ألوان الشرك الظّاهر أو الخفي التي يسقط فيها العوام ، والتي تأخذ صاحبها بعيداً عن صراط الله المستقيم ، وتوقعه في خبط عشواء ، فيصبح  شأنه شأن الغوغاء ، والهمج الرعاع ، الذين ينعقون مع كل ناعق ، ويميلون مع كل ريح . ففي الذين آتاهم الله نعمة القرآن وهيَّأ لهم فهمه وتدبّره والعمل به ، ثم هم اعتمدوا غيره من دونه ،  أو ارتابوا به أو ببعضه ، وجه من وجوه  قوله سبحانه :

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة الأنعام  ،  الآية  90  .        (2)      سورة القلم ، الآيات ( 46 ـ 47 )  .

(3)      سورة الطور ،  الآيات ( 42 ـ 43 )  .

       { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ . وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث، ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}P(1) P.

        وقوله تعالى في الغوغاء :

       { أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ،إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا }P(2) P.

       وبرغم الأذى ، والتحكّم على طريقة محاكم التفتيش  في تاريخ الكنيسة الأسود ، تلك المحاكم التي كانت تدين العلمـاء الأفـذاذ وغالباً ما تحكـم عليهم بالإعدام ، ودائماً بالهرطقة ، لا لشيء  إلاَّ لأنهـم اكتشفوا حقائـق أبداها لهم الله سبحانه فأبدوهـا للناس  .  فغضب لذلك رجال الديـن  المسيحيون لأنـها لا توافق أوهام الكنيسة وموروثـات رجـال الديـن من التخيّلات التي كان أودعها لهم في الكتب الصفراء كهنة سابقون ، فاحتلّت في أذهانهم موقعاً متحجراً و  …  مقدساً . برغم ذلك ينبغـي على العـالم الصبر الجميـل والتسامح ، وعدم الحقد والضغينـة والحسـد ، وعدم الوقوع في التزاحم على الجاه أو المال أو أي شأن من شؤون الدّنيا والآخـرة  ، وأن يطلب كل ما يبغيه ويرتجيه من الله وحده وحده ، فإذا هو أحسن الثقة بالله وأحسـن التوكّل على الله كفاه ما يهمه في دنياه وآخرته ، قوله تعالى :

       { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ . وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ . وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَـاتُ ضُرِّهِ أَوْ

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة الأعراف ، الآيات ( 175 ـ 176) .       (2)       سورة الفرقان ، الآية 44  .      

أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ . قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ. مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ }P(1)P.

        إلاَّ أن مشكلتنا مع الناس أقل استعصاء ، لأن بين أيدينا كتاب الله كما أنـزل وكما قال فيه عزّ شأنه :

       { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }P(2)P.

        ونحن على استعداد دائماً أن نقارع بمضامين آياته أهل الدنيا قاطبة ، ونجاهد أعداء الله، ما مدنا الله بالقوة واذن لنا بالتبليغ قولاً وكتابةً ، ونتترس به ونحتجب عن الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وذلك تلبية لأمره تبارك وتعالى وعزّ وجلّ :

       { .. وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا }P(3) P.

        وقوله تبارك وتعالى :

       { وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا . وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا }P(4)P.

       { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ }P(5) P.

       وهكذا فإنَّ الله عزَّ وجلَّ يَنصُر أنصارهُ ، ويُمِدُّهُم من لدنه بقوة ، وينير قلوبهم ودروبهم ويؤيّدهم  بانشراح الصدر وإنزال السّكينة ، والتدبير العجيب ، والتيسير المدهـش من قبلـه جـلّ جلالـه وبـهر جمالـه وعليـه التوكّـل

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة الزمر ، الآيات ( 36 ـ 40 ) .  (2)   سورة الحجر ، الآية  9  .

(3)      سورة الفرقان ، الآية 52 .                      (4)   سورة الإسراء ، الآيات (45ـ46 )

(5)      سورة الجاثية ، الآية 23   .

وإليه  الإنابة وبه التوفيق ، وفي سبيل رضاه  وحبّه تهون المشقات وتسهل المستصعبات ، وكيف لا ، وهو وليّ الأمر وصاحب الأمر من قبل ومن بعد وفي كل حال :

       { وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا }P(1) P.

       والآن ، وبعد أن كانت هذه الصفحات ، مقدمة ضرورية لموضوع “الحرب الثالثة أو القيامة الأولى” وذلك لحساسيـة الموضوع ، وخطره ـ كتبليغ ـ على من يبلغه ، استعداداً لمواجهة المتغيرات الآتية ، في الأفراد وفي الشعوب ، وفي البلدان والدول ، وفي الكون ، ننتقل، إلى مجريات ـ بالعناوين والخطوط العريضة ـ ما سيحصل ، بإذن الله ، أو بتدبير الله ، ودائماً  في سلطان الله وفي ملكه في السماء والأرض ، وصولاً إلى تحقيقه لقوله سبحانه :

       { ..لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ }P(2) P.

       ونصل إلى تحقّق الآيات المنوطة بهذا الزمان ، العقد الخامس عشر الهجري والعشرين الميلادي ، الذي تجري فيه الأحداث الكبرى ، بخطوطها الرئيسة ، مواكبة لأشراط الساعة ، التي هي بدورها ناشطة في الملائكة والجن والإنس والأرض والسماء :

       { ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ }P(3) P.

       ونبدأ بسم الله بالخبر الذي في سورة الإسراء : قوله تعالى :

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

(1)      سورة الطلاق  ، الآية  3   .

(2)      سورة غافر  ،  الآية  16    .

(3)      سورة الأنعام ،  الآية   102   .

{ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا . فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً }P(1)P.

وقد شرحنـا هاتين الآيتين الكريمتين ـ عدا قوله تعالى : ولتعلن علواً كبيراً ـ في سياق بحثنا تحت عنوان : القيامة الأولى أو الصّغرى وبقي أن  نربط بهما بقية الخبر الإلـهي المقدس ، فيما يليهما من الآيات ، قوله تعالى :

{ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا}P(2)P.

وقد تحققت هذه الآية كذلك . فمعروف تماماً ، أن اليهود قبل الثلاثينات من هذا القرن ، لم تكن لهم دولة ، حتى ولا كيان يذكر ، ثم أخذ نجمهم يتألق ، وهم لو اتبعوا العدل في سلوكهم وأحسنوا التّصرف كما يقتضيه الدين الإلـهي، لبقي نجمهم كذلك يتألق ، لوعده تعالى لهم بالعلو الكبير ، ولكن علمه كذلك بإفسادهم المرة الثانية كان أمراً مقضياً ، فاتبعوا أسوأ السبل وأفظع الجرائم . وهكذا كانت الكرة التي ردّها الله لهم على المسلمين ، بعد أن كان سلّط المسلمين عليهم ، فأخرجوهم من المدينة المنورة وجميع الجزيرة العربية .

وبحبـل منه تعالى ، أمدّهم بأمـوال طائلـة وأعداد متزايـدة من الأبناء  (وأمددناكم بأموال وبنين ـ الآية ) وبحبـل من الناس جعلهم أكثر نفيراً ( الآية ) والنفير كما هو معلوم لغة : كثرة الأنصار  . وهذا الأمر تحقيق أيضاً لقول الله تبارك وتعالى فيهم :

{ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة الإسراء  ، الآيات  ( 4 ـ 5 )  . (2)      سورة الإسراء ، الآية 6  . P

يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ  بِمَا عَصَـوا وَّكَانُواْ يعتدون }(1)

والحبل من الله  والحبل من الناس ، كلاهما ، الحاكم فيهما الله سبحانه ، لأن الأول بأمره ، وهو تيسير الأموال وزيادة العدد ( بأموال وبنين ـ الآية السابقة ) والثاني بإذنه ، وهو كثرة النفير ، لأنه في سلطانه ، إذ يستحيل الخروج من سلطانه ، وهو تبارك وتعالى لو لم يأذن بالمعاضدة البريطانية المجرمة لهم في البداية ، ثم معها أميركا التي كانت وما زالت لهم الحاضنة وولية الأمر ، ثم بقيـة ( النفير ) الذي يعني جميع دول الغرب المتعادية والمتحالفة ، التي أجمعت على نصرتهم وإمدادهم بالمال والسلاح ،  والمواقف المعادية للمسلمين ، وحتى مساعدتهم على الإنتقال من جميع بلاد  الدنيا براً وبحراً وجوّاً وفي كل سبيل .

        وهكذا ، فبعد شتاتهم في الأرض ، أخذوا يتجمعون في فلسطين ، فطردوا معظم شعبها بالغدر والخديعة تارةً وبالمذابح الجماعية تارةً أخرى . أما معجزة قوله تبارك وتعالى :

        { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ..}P(2) P.

        فهي في كونهم  أصبحوا ، على قلة من العدد في البداية ، لا تتجاوز المليون نسمة ، في محيط من المسلمين  ودولهم وأعدادهم  البالغة آنذاك مائة مليون تقريباً ، وهم  يحيطون  بهذه  الشراذم إحاطة السوار بالمعصم ، ومع ذلك بقي نجم بني إسرائيل يتألق ويتصاعد ، مصداقاً لوعده تعالى ،  على زيادة في القوة والعدد والعدة ، في حين  كان خصومهم  المسلمون عامة في المقابل ، يتقهقرون في جميع مجالات الحياة ، بعد حضارة سادت العالم بالدّين الحنيف ، ردحاً طويلاً من الزمن ، وما كانت هزائمهم المتلاحقة ، والمخازي التي أوقعهم الله فيها ، إلاَّ لأنهم تخلّوا عن الإسلام العملي ،

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

(1)      سورة آل عمران ،  الآية 112  .

(2)      سورة الإسراء  ، الآية  6   .

 

وركبوا مراكب شتى ليست من صنع أيديهم ، وإنما هي دائماً من صنع أبالسة  الإلحـاد أو العلمنة ،  وما بينهما من تيارات عصفت بأهل الأرض  جميعاً ، وما زالت تعصف وتدمر ، وستبقى تعصف وتدمر حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً :

       { .. وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }P(1) P.

        وفي جملة معاني ( حبل من الله ) في الآية الكريمة ، أنه سبحانه هيّأ لهم في فلسطين دولة ً قوية ، من وجوه الحكمة فيها ، أنه تعالى  سلّطها على العرب ، بين تأديب لهم وعقوبة ، حتى ينهضوا ويستيقظوا :

       { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ..}P(2)P.

       ونبقى مع آيات سورة الإسراء التي فيها قضاء الله تعالى ، فبعد أن رأينا الآيات الرابعة والخامسة والسادسة واستعرضنا الخطوط العريضة فيها ، بقي أمامنا ، بخصوص قضاء الله تعالى فينا وفيهم ، السابعة والأخيرة من الآيات الكريمة المتعلقة بموضوع الفتح ونهاية دولة بني إسرائيل . ففي الآية السابعـة هذه ، قال تعالى ، كذلك مخاطباً بني إسرائيل :

       { إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا، فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُاْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا}P(3) P.

       وواضح تماماً بصدد قوله تعالى : { إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} أنهم أساؤوا  وما أحسنوا ، فسابق علم الله عزّ وجلّ بإفسادهم في المرة الثانية وخصوصاً انطلاقاً من دولتهم التي أقاموها على أشلاء الفلسطينيين وأشلاء القيم والمناقب الأخلاقية  المتعارفة في الشرائع حتى

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة النحل ،  الآية 118   .

(2)      سورة البقرة  ،  الآية  179   .

(3)      سورة الإسراء  ،  الآية  7  .

الأرضية منها .  اقول إن سابق علم الله تعـالى بإفسادهم في هذا  الزمان هو الحسـم وهـو  القضاء المحتوم ، لأنه سبحانه صدّر كلامه في الموضوع ، بقوله تعالى :

       {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ ..}P(1)P.

        والذي ذكرناه  عن إفسادهم تاريخياً ، إنما هو في ضوء الآيات  الكريمة ، من الواقع الحيّ الذي  لا ينكره إلاَّ أصم  أعمى ومكابر .

        وإذ نكتفي بهذا القليل الذي ذكرناه من طغيانهم وإفسادهم للبشرية ، لمعشر بني آدم الذين كرّمهم الله سبحانه في الأصل ، ويستحيل أن يرضى بعبوديتهم لغيره من خلقه ، فكيف بعبوديتهم لقوم غَضِبَ الله عليهم وجعل منهم القردة والخنازير ، وهم مع ذلك كله مصرّون على ادّعاء كونهم شعبَ الله المختار وأن بقية الشعوب من دونهم أميّون من حقّهم أن يبيدوهم ويبقوا منهم بقية يستعبدونها ويستخدمونها ويتخذون منها رقيقاً لقضاء حاجاتهم ، هكذا في كتبهم ، وهكذا يتعلمون في مدارسهم ،  وهكذا عقيدتهم الهجينة التي ابتدعوها وما أنزل الله بها من سلطان .

        ثم نتابع قوله تبارك وتعالى في الآية التي نحن بصددها :

       { .. فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُاْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا }P(2)P.

شارك