حقيقة الإدراك من الذرَّة إلى المجرَّة

حقيقة الإدراك من الذرَّة إلى المجرَّة :

=============================

          لا شك أن العقل هو الميزة الكبرى التي تميز الإنسان عن سائرالمخلوقات ، إلا أن هذا لا يعني  عدم الوعي أو الإدراك النسبي  لدى المخلوقات غير العاقلة ، من الجمادات إلى النبات  إلى الحيوان ، إلى الإنسان الذي سخَّر له الله ما في السماوات وما في الأرض  جميعاً منه سبحانه .

          والحقيقة ، إنه ثبت بوضوح ، أن لا شيء في الكون المعروف ،  له صفة الجمود الحقيقي ، من الذرة إلى المجرة ، بل الأشياء كلها في حركة دائمة دائبة . حتى تماسك الحديد  الظاهري ، ليس هو كما نحسُّه  ونفهمه ، بل هو ربما بالنسبة لمخلوق أرقى من الإنسان ، وأكثر إحاطة وأبصر ، سيبدو مختلف المظهر والملمس ، وقد تظهر  ذرات الحديد لهذا المخلوق الأعلى من الإنسان ، كما تظهر لنا نحن ، عبر التلسكوب ، المجموعة الكوكبية  في أبعادها عن بعضها في حركتها المتصلة .

          المناظير  المكبرة والمقربة العجيبة ، التي  علمها الله للعلماء ، تحكي حكايا  من هذا القبيل . ومن هنا أيضاً ، إن لهذه الأشياء  نسب من الوعي ، درَّجها فيها  خالق كل شيء ، المحيط بكل شيء الله العلي القدير .

          ومن الأهمية بمكان ، معرفة أن الإنسان مجرداً من العقل ، هو أرقى وعياً وإدراكاً وغرائز ، من جميع الكائنات المحسوسة . أما بالعقل ، فهو أقدس من ذلك ، إذ أن العقل صلتـه مع خالق الأكوان الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر . فأرضنا هذه التي نحن عليها والصخور التي فيها ،  والجمادات ( ظاهرياً ) لها نسبة من الوعي. إلا أن النبات أظهر حياة  وإحساساً  ، كما أن الحيوان درجته وميزاته على النبات واضحة . وهكذا ترجح المعطيات عند الإنسان على الجميع ، وعياً وإدراكاً وغرائز ، وإرادة ومنهجية . وكل ذلك بدون العقل ، فالعقل أقدس من كل ذلك .

          وهكذا ، فلم يعد عبثاً ، أو مجـازاً ، فهمنا لقول الله عز وجل  ، للسماوات والأرض :

          { … اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ . سورة فصلت الآية ۱۱ } .

          وقوله تعالى :

          { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا . سورة الإسراء  الآية ٤٤ } .

          ثم قوله عز وجل :

{ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ . سورة يونس الآية ٦١ } .

          فإذن نستنتج  من الآية الأولى أن الأشياء واعية ، والحقيقة أنه لا معنى  لتسبيح الأشياء  وهي لا تعي ما تفعل   .

          حتى الحياة ، هي  مفهوم نسبي أيضاً ، فكما نفهم الحياة للإنسان وللحيـوان والنبـات بدلالة الحركـة وردود الفعل  ،  فكذلك هي للجمادات ( الظاهرية ) ، وحتى  لأرضنا هذه وللشمس والقمر  وبقية الأجرام  السماوية ، وذلك أيضاً في صريح قول الله عز وجل في الآية الثانية .

          فكل  هذه المجسمات ،  من الإنسان  إلى المجرات  إلى  بقيـة   الكائنات الأرضية والسماوية ،  مبنية على الذرة ، أو النظام الذري . وأصبح معلوماً وببساطة أن في الذرة حركة لأجزائها لا تهدأ .  و ( الكتاب المبين )  المذيلة به الآية الكريمة ،  هو الحقائق الباطنية للأشياء ، فضلاً عن حقائقها الظاهرية ، ومن قبيل ذلك  ، التركيب الذري للكون وأجزائه ، بما في ذلك أسرار الذرة  وأسرار أجزائها .

          وهكذا فإن جميع ما في هذا الكون متناغماً ، متناسقاً ، يسبح بحمد ربِّ      ذه ، واعياً مدركاً حقيقةً لا مجازاً . إلاَّ البشر ، فإنهم انقسموا فريقين : فريقاً للجنة وفريقاً للسعير .

          إن درجات الوعي في الكائنات ، هي حقائق مرهونة بالألوان والأشكال . والجواهر هي معاني الحقائق وتفاعلها ونتائجها وتوجهاتها ضمن النواميس الإلهية . ندرك  أن فيها  من وجوه الحكمة ، وإظهار  سلطان العقل ، وقوة النفس  إذا انقادت إليه وانعتقت به ، فتحررت من حبس ما تحت السماوات السبع إلى سدرة المنتهى ، مرتمسةً بنوره منغمرة ً برحمته ، على أنفاس مشتاق ٍ إلى الله الحبيب الأبدي ،  في صعوده  يخترق السماوات بصوته يقول : لا إلـه إلا الله .

          بلى ، هكذا فإن من خصائص العقل ، أن تنفتح له السماوات بإذن الله الحبيب الأبدي . وهذا لا يقال عن النبات أو الحيوان أو الإنسان اللارباني . فالنبات ليس له قدرة على فهم الحيوان ، أو الإفادة منه ، والحيوان يفهم النبات ومنافع النبات فيقبل عليه وكذلك يتفاعل مع أبناء جنسه ، ولكن دائماً موجهاً بدافع الغرائز ، توجهاً لا يخالفه مختاراً أبداً ، وذلك لأنه  ليس لديه الملكة التي تحدد له المسار والهدف ، يعني ليس عنده خيارات لأن ذلك  يحتاج إلى نفس فيها قابلية أن تستلهم وتختار ، كما هي الحال عند إنسان النوع قبل أن يصبح ربانياً ، فإذا أصبح ربانياً ،  تصنَّف درجة عليا دونها درجة إنسان النوع وما دونه نزولاً في سلم الخلق .

          من مهمات العقل وحده إذن ، المنهجية التي تؤدي إلى  الكمال ، الكمال الذي يتناسب مع العقل ، هذا الذي  يسود ما دونه ، ويقود إلى الأبقى والأجمل .

          ورضوان من الله أكبر لو كانوا يعلمون .

شارك