سلَّطنا الله على ما في الكون

سلَّطنا الله على ما في الكون :

========================= 

          الكون بالنسبة للإنسان  ـ تعريفاً ـ هو كل ما يقع أو يُسبَر  بحواسه أو يكون ضمن حدود عقله ، وما زاد عن ذلك فليس لنا شأن ولا حق في التعـرض له .

          والكون الذي يمكن سبره  بالحواس  أو يمكن إدراكه بالعقل الراهن ـ قبل  الإنعتاق من البدن ـ هو ما حدَّث عنه القـرآن الكـريم ، بين  العبارة والإشارة والتوصيف  ، وبين ما يكشف لخاصة أولياء الله من ظهور الغيب وبطون الحقائق .

          على هذا الكون ، سلّط الله الإنسان ، سلَّطه على ما فيه جملة وتفصيلا . يقيناً سيبدو هذا الكلام  غريباً عجيباً لأكثر الناس ، وقد بدا لي كذلك ، لدرجة أني ألقيت القلم من يدي خشية من الله سبحانه ، خشية من أن أكون قد بالغت أو تجاوزت حدَّ الفهم ، عندما  خطر ببالي هذا المعنى ،  وهو أن الله جلَّت عظمته ، قد سخَّر هذا الكون  لهذا الإنسان  جملة وتفصيلا . ثم تناولت القلم واثقاً بالله وبكلام الله وبيناته .

          إنما قادني لهذه الكتابة ، ولهذه العبارة ، قول الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم ، ومعاني كلمة ( سَخَّرَ )  في القواميس . أما قوله عز وجل  فهو :

          { وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ . سورة الجاثية  الآية ۱۳ } .

          فكلمة َا)  في قوله تعالى : { وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ .. } ، تعني جميع ما خلق الله تعالى في هذه السماوات ، ابتداءً بالسماء الدنيا ، وانتهـاء بالسماء السابعة .

          أما في السماء الدنيا ، فمن مجموعتنا الكوكبية أو الشمسية ، إلى المجرات  التي فيها  مليارات الشموس ، مروراً بمجرتنا  درب التبانة ، إلى الثقوب السوداء المدَّعاة ، إلى آخر سرٍّ من هذه السماء  لم يكشف بعد ، إلى  حدود السماء الدنيا التي إلى الآن لم يتوصل إليها علم الفلك الرائع على تقدمه المذهل ، وأجهزته العجيبة العملاقة .

          كل هذا أصبح سهلاً فهمه ، لا سيما لمن يتتبعون خطوات العلم  الجبارة  في مجال السماء الدنيا وأخبارها وكشوفاتها التي تصيح من أعماقها : { لا إلـه إلا الله ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا حول ولا قوة ولا عزة ولا وصول إلا بالله العليِّ العظيم .} .

          كذلك أصبح سهلاً فهم أن الله سبحانه سخر لنا الميزان الذي وضعه  بعد أن رفع السماء : { وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ . سورة الرحمن الآية ۷ } والميزان بالضرورة ، هو التوازن في كل شيء أوجده الله تعالى تحت هذه السماء . بما فيه الأرض وحركات الأرض  وما يتعلق بها من شمس وقمر وكواكـب ومجرات ، إلى نباتات وحيوانات  البر والبحر . والحشرات ما دقَّ منها وما كبر ، وهو ما يسمـى بتوازن الطبيعة .

          كذلك أصبح من البديهيات فهم قوانين الجاذبية المسخرة للإنسان تحت السماء  الدنيا وحتى في باطن الأرض وجميع ما يتعلق بها أو يشبهها من قوى خفية كالضغط الجوي وضغط الماء وقوانين الحرارة  والمغنطة إلى آخر  ما هنالك  من قوى تفعل في الإنسان وفي الكون دون أن نراها وحتى دون أن نحس بها إلا بعد التأمل والتبصر والحساب .

          كل ذلك أصبح يسيراً  فهمه ، وما زال يتناوله العلم متتبعاً تفاصيله ، كاشفاً خفاياه مستفيداً مما خلق الله  له فيه من قواعد وقوانين ،  ما كان للإنسان فيها أدنى فضل ، حتى كشف أسرارها ما كان  ولن يكون إلا بإذن من الله تبارك وتعالى ، وضمن هذا القانون المبارك : { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآَفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ … سورة فصلت الآية ۵۳ } .

          إلاَّ أن ما لم يتعرض  له العلم بعد ، وقد نصَّ الله سبحانه على أنه موجود تحت هذه السماء  الدنيا ، وبقوة وبكثرة ، هو القوى الملائكية والقوى الشيطانية المسخرة كذلك جميعاً لمصلحة الإنسان  ،  وذلك ضمـن نص الآيـة الكريمـة : { وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} .

          أما النصوص القرآنية المتعلقة بالقوى الملائكية وفاعلياتها في جميع وجوه حياة الإنسان تقريباً ، ولا سيما المؤمنون ، فكثيرة جداً ، وقد عقدنا لذلك فصلاً مسهباً في كتابنا ” دعوة إلى الله ” فلا ينبغي لذلك التكرار .

          وأما النصوص المتعلقة بالقوى الشيطانية ، فكذلك كثيرة ، وقد ذكرنا عن أنواع الشياطين وفاعليات  الشياطين معاني وعبراً ، كذلك  في كتابنا ” العقل الإسلامي ” إلاَّ أن نصاً عنهم في سورة الصافات ، أودُّ أن أذكِّر به ، ملفتاً إلى ما فيه من عبر ، وما في هذا الصنف من الشياطين من قوى هائلة ، هي مسخرة كذلك لمصلحة الإنسان ، لضرورة الإيحاء في الآية الكريمة : { وَسَخَّرَ لَكُم  … } .