بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم  لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا. سورة النساء: 166

بسم الله الرحمن الرحيم سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فإذاً سورة الحديد من بدايتها نقرأ بضع آيات ثم نبدأ بتفسيرها.

       بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ،  لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ،  هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ، يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور ست آيات.

       فإذاً نعود إلى بداية السورة قوله تبارك وتعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ عدة سور تبدأ بتسبيح الله، وتسمى هذه السور المسبحات، ومنها هذه السورة العظيمة سورة الحديد، في التفسير جرت العادة أن يُذكر عن سورة عن كل سورة فضلها في قراءتها، وليس هناك شك أن جميع  السور، لكل سورة فضل، ولكل واحدة ميّزة. فهذه من السور التي لها فضل عظيم عند الله في قراءتـها في الصلوات بشكلٍ عام أو قراءتـها في غير الصلاة. ومعظم القراءات في ليلة الجمعة لها ميّزة ولها أجر عند الله تبارك وتعالى. أما التسبيح فــ مَا كما نعلم في اللغة سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ هي لغير العاقل سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  وفي بعض المـحطات القرآنية مَا تشمل العاقل وغير العاقل سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  من ملائكة في السماوات، ومن مخلوقات في الأرض، من الإنسان، إلى الجنّ، إلى أنواع الحيوان، إلى أنواع النبات، إلى أنواع الجماد. وقد تكلمنا في غير مكان أن العلم اليوم أصبح أكثر فهماً لقول الله عزّ وجلّ:  يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ  وما من شيء في السماوات ولا في الأرض وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ. سورة الإسراء: 44.  ما من شيء حتى. أما الحيوان فيمكن أن نفهم أنه يسبّح مع أنه أعجم، ولكن بحياته وبحركته وبفهمه وبإدراكه النوعي، إدراكه النسبي، نستطيع أن نفهم أنه يسبّح،  وأن الطير يسبّح، ولكن أن تسبّح أن يسبّح النبات، وأن يسبّح الجماد، مثل الحجر والصخر والشجر فهذا شيء يدعو إلى التأمل وإلى التفكر وإلى التعجب. العلم أزال هذا العجب بتحقيقه أن حتى الجمادات، حتى الحديد، له بناء ذريّ، وهو في حقيقته الباطنية، في حركة دائبة، ذراته في حركة دائبة، كل ذرة لها نواة وبُــنية تتركّب من بروتون، نيترون، إلكترونات تدور حولها، كل ذرّة في الحديد، كذلك في الخشب، كذلك في الحجر، كذلك في بقية المخلوقات في جميع المجسمات التي تحت السماء الدنيا،  كلها مركّباتـها ذريّة، ومنها هذا الإنسان. فهذا من جهة الحركة، أما من جهة الإدراك، فقد حققنا أن الإدراك إدراك الخلق كذلك مراتب، ونستفيد من هذا التدرج أن الإنسان سيد المدرِكــــات في المخلوقات، ما عدا الصنف الأعلى في الملائكة، والإنسان سيد المدرِكــــات في المخلوقات طبعاً يأتي في مقابله الجنّ، والملائكة تركناهم على أنـهم الملأ الأعلى، ويأتي بعد الإنسان وبعد الجنّ الحيوان، ومعلوم أن الحيوان مدرك في تفاهم نسبي معه، بين الإنسان وبين الحيوان، بين أنواع الحيوانات، ومثل الفارق بين إدراك الإنسان وبين إدراك الحيوان، هناك فارق بين إدراك الحيوان وبين إدراك النبات، ثم هناك فارق بين إدراك النبات وبين إدراك الجماد. وتؤكد لنا هذه الحقائق قول الله، يؤكد لنا قول الله تبارك وتعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ وهذا القول وهذه الحقيقة مدعاة للإنسان العاقل، أنه ما دامت حتى الحيوانات، ما دامت حتى النباتات، ما دامت حتى الجمادات تسبح بحمد الله، تذكر الله وتسبحه، وهي في خشية منه… وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. سورة البقرة: 74 .نص قرآني. فإذاً الأولى بك أيها الإنسان وأنت الذي ميّزك الله بعطاءات أرقى وأسمى مما ميّز جميع المخلوقات المعروفة على الأرض، وأعظم ميزة هي العقل والإدراك، والميّزة التي ترافقها، ترافق هذه الميّزة العظيمة هي التديّن، ليس تحت هذه السماء من المخلوقات المعروفة من يعرف التديّن ويفقه التدين إلا الإنسان، فهذه من نعم الله العظمى وهذا تكريم للإنسان كما ذكر الله تبارك وتعالى في مكان آخر وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا.سورة الإسراء: 70. فإذاً يا أيها الإنسان أنت أولى من جميع هذه المخلوقات بتسبيح الله، وبالإكثار من ذكر الله، وبالإكثار من الشكر لله، والتعبد لله، وكل عبادة وكل شكر وكل ذكر وكل دعاء هو تسبيح.

       لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لله ملك السماوات والأرض يُحْيِي وَيُمِيتُ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ والملك الذي يملكه الإنسان ما قضيّـــته وما شأنه؟ هو ملك لله، هو المالك لما ملّكهم وهو القادر على ما أقدرهم عليه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،  مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يصبح الملك كله لله تبارك وتعالى، له ميراث السماوات والأرض لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.  يُحْيِي وَيُمِيتُ فيها معنيان، الأول معنوي والإحياء يكون بالهداية، من يستحق الهداية يهديه الله فيكون قد أحياه، ومن لا يستحق الهداية يكون سقط مع الموتى، شأنه شأن الموتى. والمعنى الآخر، الإحياء بالحياة، الإنسان، خَلَق الإنسان من تراب، والتراب من العدم ثم أحياه، هذا في الخلق الأول الخلق الدفعي للناس، ثم المعلوم كما نعلم في خلق الإنسان من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم يجعله عظاماً، ثم يكسوه لحماً ثم ثم … فتبارك الله، ثم يخرجه طفلاً، فتبارك الله أحسن الخالقين، هذا الإحياء. أما الإماتة فمفهومة، وأنه قدّر على الإنسان الموت، وجعل لكل إنسان أجل، كل إنسان يبلغ أجله إلا إذا فسد أو فسق أو ظلم، فإن الله عزّ وجل يُعجّل بإهلاكه قبل أن يبلغ أجله، وكما في الإنسان، كذلك في بقية المخلوقات، من جن،ّ ومن حيوان، ومن نبات، الإحياء والإماتة، وكذلك حتى في الأشياء إحياء وإماتة.

       وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هذه الآية تتردد كثيراً في القرآن إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وهذه الآية ينبغي التأمل بها والتوقف عندها طويلاً، أن الله تبارك وتعالى لا يعجزه شيء، لا في السماوات ولا في الأرض، في حكمه وحاكميته، وفي خلقه وخالقيته، ومهما أعطانا من أمثال، كل ما يمكن أن يمر في ذهن الإنسان من إعجاز أو معجزات أو من صعاب أو مستصعبات هي هيّنة على الله تبارك وتعالى إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.سورة يس: 82.

       هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  هذه الآية قد يُكتب فيها كتب ومجلدات، وقد كتبنا فيها بفضل من الله تبارك وتعالى ما يسّر لنا الله، وما تفضل به علينا الله جلّت عظمته، ولا بد أن نتكلم فيها بما يتيح لنا موضوع التفسير وكلمة التفسير، وقد فُسّرت بمعانٍ كثيرة، وإنما لم تُفسّر ربطاً مع العلم الحديث، ومع ما توصل إليه العلم من بناء الكون، وبناء الإنسان، قبل قليل كنا نتحدث عن البناء الذريّ للمخلوقات وللمجسمات، أو البناء النووي. وقلنا أنه حتى الإنسان هو بناء ذريّ، مبنيٌّ من الذرات، فكيف نفهم هذه الآية عبر التركيب الذري أو النووي للإنسان، لا بأس أن نذكر أن الإنسان كما هو معلوم في التشريح، هو لحم ودم وعظام وجهاز عصبي، فرقّنا، الطبّ والتشريح يُفـرّق بين كلية بنية الإنسان وبين بنيته العصبية، يقول أن كل الإنسان يتغير، تتغير خلاياه كل عشر سنين، كل إنسان يتغير كلياً في خلاياه كل عشر سنين، ما عدا الجهاز العصبي يبقى ثابتاً  كما خلقه الله من بداية خِلقته. فنحن نعلم أن من الناحية العضوية، للإنسان دماغ وقلب، الدماغ في الرأس هو الرئيس في الإنسان، ويقود العملية الحركية الإرادية وغير الإرادية في الإنسان، وبينه وبين القلب، قلب الإنسان، بين الدماغ وقلب الإنسان تواصل عجيب حيّر العلماء، كل العلماء في جميع أصنافهم، وحيّر المفكرين، ولا سيما شرارة الحياة التي تنقدح في قلب الإنسان. وهذه التي دوّخت صاحب نظرية النشوء والتطور”داروين”، ومات متحسراً أنه تصوّر أنه توصل إلى كل شيء في نظرية النشوء والتطور، وما جعله يتراجع في النهاية إلا حكاية جهله في شرارة الحياة، أين هي شرارة الحياة، ومن أين أتت شرارة الحياة، ولماذا يـموت الإنسان، وكيف يـحيا الإنسان، فـــــ رجوعاً إلى الآية إذا كان للإنسان دماغ وقلب فكيف نفهم آية أن الله عزّ وجل هو الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ الله عزّ وجل هل يفهم في دماغي كما يفهم الطبّ التشريحي،طبيب التشريح الإختصاصي في تشريح الدماغ، وأَخْـبَر الناس في الدماغ وفي أسرار الدماغ، هل الله عزّ وجل يفهم في هذا الدماغ كما يفهم الإختصاصي في التشريح، يقيناً يجب أن نفهم من هذه الآية أنه عزّ وجل هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ أنه ليس كلمة يفهم أعتذر من الله على استعمالها. إنـما هو يقول أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ .سورة فصلت: 54. فهذه الإحاطة بالدماغ، هل هي من ظاهر الدماغ أم من باطنه، في الدماغ خلايا، هل إحاطة الله عزّ وجل بـهذه الخلايا من ظاهرها أم من باطنها، في الخلايا بالنتيجة ذرات، عُصيبات وما عُصيبات، وبناء رهيب عجيب في الدماغ، وفي كلية الجسم البشري، وفي النتيجة البناء ذري. فالله عزّ وجل إعتماداً على قول أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ،  وأنه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ. سورة الأنعام: 102.،  وأنه خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ. سورة الأنعام: 102.   كلها نصوص قرآنية  أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ، عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ،  بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. سورة الحديد: 3. ،  خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ والذرة شيء من الأشياء، والبروتون الذي في الذرة شيء من هذا، طبعاً للذين درسوا الفيزياء، والنيوترون في الذرة شيء من الأشياء، والإلكترونات في الذرة أشياء، وما هو أصغر من الإلكترونات والبروتونات في الذرة، وما توصل إليه العلم من مثل الكهرب وأجزاء الكهرب، بالنتيجة هذه الجزيئات التي دوخت العلماء، علماء الفيزياء، فمهما صغُر هذه التراكيب هذه الجزيئات بالنتيجة أصغر جزيء هو شيء، فهذا الشيء خلقه الله، وهذا الشيء الله به محيط من كل جوانبه من ظاهره ومن داخله.

فإذاً إحاطة الله عزّ وجل بالدماغ إحاطة عجيبة، يعني هي في تصورنا وفوق تصورنا، وفي تخيلنا وفوق تخيلنا وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ  قوله تبارك وتعالى: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ  .سورة يونس: 61. واضح عند الله كل الوضوح، ما نقوله عن الدماغ نقوله عن القلب، مما إستحال للآن على الطب التشريحي أن يحيط به الدماغ بكل قضاياه وبكل أسراره، ما زال الطب التشريحي يقول إلى اليوم أنه لم يصل بعد إلى حوالي الخمسين بالمية من أسرار الدماغ ومن قضايا الدماغ ومن أعمال الدماغ، ومن علاقته بالقلب وأسرار القلب، فما نقوله عن الدماغ نقوله عن القلب، وما نقوله عن القلب نقوله عن الكبد، وما نقوله عن الكبد نقوله عن الكليتين، وما نقوله عن الكليتين نقوله عن البنكرياس، وما نقوله عن البنكرياس نقوله عن المعدة، وعن بقية أجزاء الجسم وأعضائه، وعن العظام ولب العظام وتصنيعها للدم، وعن الدم وعن الكريات البيض وعن الكريات الحمر وعن البلازما وعن كل هذا التفصيل  أَلَا إِنَّ الله عز وجل بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ إحاطة في الظاهر، وإحاطة في الباطن، ولا يعزب عنه شيء مهما صغر، مهما دقّ وصغر، ومهما كبر وعظم. هذا يعطينا فكرة عن هذه الآية العجيبة العظيمة قوله تبارك وتعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ. الباطن، من يتردد في الإعتقاد، في إعتقاد أن الله عزّ وجل مكشوف له كبد الإنسان، ومكشوف له قلب الإنسان، ومكشوف له دماغ الإنسان، وهو الذي خلقه، خلق هذه الأعضاء كلها، إلى آخر عضو، إلى آخر جزيء في جسم الإنسان، إلى آخر جزيء في الكون، من يتردد في الإعتقاد أن الله عز وجل مستبطنٌ هذه الخلائق كلها، ومستبطن الكون كله، بجميع تفاصيله، من يتردد في الإعتقاد، من يشك في هذا فقد خرج من دين الله، ومن يشك أن الله قادر على أن يحيي العظام وهي رميم فهو خارج من دين الله، فما دام نؤمن أن الله يحيي العظام وهي رميم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فكيف نتردد ونشك في أن الله لا يمكنه أن يحيي القلب إذا أُصيب القلب، الله وحده ، كيف نتردد أن نفهم أن الله يحيي البنكرياس إذا ضُرب البنكرياس ويعيده جديداً  كل الجدة، أليس إنه على كل شيء قدير؟! وأليس أنه هو يقول: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ .سورة يس: 82. والدماغ الذي بدأنا بالكلام عنه أليس الله بقادر، وهو الذي خلق الدماغ، وهو الذي يعلم أسرار الدماغ، ويعلم تفاصيل الدماغ، دقائق التفاصيل، إذا وقع خلل في الدماغ أليس الله أولى بهذا الخلل أن يُصلحه، وإذا مرض أن يبعد المرض، وأن يشفي من المرض، كيف يتصور الناس شأن الله وعمل الله وفاعلية الله، يتصورون أنه ناطور صحراء نعوذ بالله من هذا الكلام، أنه غير فاعل، أنه يرى ولا يفعل، يسمع ولا يجيب، يبصر ولا يؤثر، يعلم ما في بطائن الأعضاء وفي تفاصيلها ولا يتدخل في إصلاحها، وهو يقول: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ .سورة البقرة: 186  .وهو يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.سورة غافر: 60.  .ويقول أنا أَقرب إِليكم من حبلِ الوريد، أقرب إليكم من دمائكم، وهو يقول: اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ .سورة الأنفال: 24. وهو يقول: هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ.سورة الرعد: 33 .فأين يذهب الناس بعيداً وبعيداً عن العلم بالله، وبعيداً وبعيداً عن معرفة الله، وبعيداً وبعيداً عن تقدير الله، وبعيداً وبعيداً عن توقير الله، وبعيداً بعيداً يذهبون جاحدين بالله، ومنكرين لعظمة الله، ولقدرة الله، ولفاعلية الله، ولإستجابة الله للدعاء، إلى أين يذهب الناس.

 هو الْأَوَّلُ الأزلي قبل أن يكون شيء في الوجود وهو الْآَخِر الأبدي بعد أن يفنى كل شيء في الوجود، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، كان هُوَ الْأَوَّلُ كان الله ولم يكن شيء ثم خلق كل شيء. هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ التي هي في مقابل الْبَاطِنُ، وَالْبَاطِنُ التي هي في مقابل الظَّاهِرُ، والظاهر في المعنى الآخر المنتصر الغالب، من معانيه، من معاني الظَّاهِرُ المعنى الأول الظاهر هو الذي في مقابل الْبَاطِنُ الظاهر المرئي، في قول للحسين سلام الله عليه: “عميت عين لا تراك” يا الله “عميت عين لا تراك، فمتى غبت عن العيون حتى تحتاج إلى دليل”. أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يقول:” لا تراه العيون بمشاهدة العيان وإنما تراه القلوب بحقيقة الإيمان”. بعُد فلا يُرى وقرُب فشهد النجوى، فإذا من معاني الظاهر أنه الغالب المنتصر فوق خلقه، في معنى فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ .سورة الصف: 14.  يعني غالبين، يعني منتصرين بتأييد الله وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ .سورة التحريـم: 4. إن تظاهرا عليه إن تتعاونا عليه. فإذاً هو هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  يسمعني إذا همست، ويسمعني إذا تكلمت في قلبي، ويسمعني إذا فكرت، بدون نطق وبدون كلام، ويسمع جميع خلقه، وكافية هذه الآية لكي تؤكد لنا أبعاد هذه المعاني وهذه الحقائق هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ بكل شيء في الأرض، بكل شيء في جسمك، بكل شيء في أعضائك، بكل شيء في دمك، بكل شيء في تركيب دمك محيط، العلم من حيث الظاهر، ومن حيث الباطن، علم ما يعلمه الناس وما لا يعلمه الناس، ما يعلمه الخلق وما لا يعلمه الخلق في السماوات والأرض.

       هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ خلق الكون، لماذا في ستة أيام، أما من حيث العدد فالشان شأنه لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ولكن لقائل أن يقول ما دام الله عزّ وجل إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(سورة يس: 82) فلماذا لا يخلق هذه الأكوان بكلمة كن، ولماذا الأيام والستة الأيام، والله به رحمن رحيم للإنسان وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ أن الإنسان في عمله، وفي مناهجه، وفي برامجه، قد يبدو عليه شيء من التعب، وشيء من التململ، فالله عزّ وجل يذكّره بـهذا، يعزيه بـهذا، يُؤانسه بـهذا، أن الله تبارك وتعالى وهو القادر على أن يقول للشيء كن فيكون، خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فما لك أن تتعجل يا هذا الإنسان، إصبر وما صبرك إلا بالله العلي العظيم، وهذه فائدة لطيفة ولله الحمد. هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ على أن الأيام هنا، يعني أنا أحب أن ألفت إلى أن تصورنا لأيام الله، الأيام التي خلق فيها السماوات والأرض، أنـها من الناس من يعتقد أنـها كأيامنا، يعني هي مدة دورة الأرض دورة كاملة أمام الشمس يعني 24 ساعة إلا قليلا، لا لعلها ملايين السنين اليوم فلنأخذ فكرة مقارنة عن يوم آخر غير أيام الأرض، يوم المشتري مثلاً من الكواكب، أو يوم دورة الشمس حول نفسها، فمعلوم كلما تضخم الجرم وكُبر كلما استغرق وقتاً أطول لإستكمال دورته على نفسه، يعني الغضروف الذي نسميه نحن البلبل الذي يغزل على الأرض، يدور مليون دورة حول نفسه حتى تدور الأرض دورة واحدة حول نفسها أمام الشمس، ولماذا لا تغزل الأرض بسرعة الغضروف أو هذا البلبل كما يسميه اللبنانيون، لأنها أضخم بكثير ولأن الشمس أضخم من الأرض فيوم الشمس أطول بكثير من يوم الأرض، ولأن المشتري أصغر من الشمس وأكبر من الأرض فيوم المشتري أكبر بكثير، يعني يقدّر لعله بعدة أيام من أيام الأرض، فكيف تكون دورة الكون كله، وكل شيء يدور، وما مدى عظم هذا الكون وضخامة هذا الكون، نحن نعرف السماء الدنيا والعلم لم يعرف بعد لها حدوداً، وفوقها السماء الثانية، ولا بد أن تكون السماء الثانية أعظم، والسماء الثالثة أعظم فأعظم، ثم أعظم فأعظم، ثم السابعة، ثم العرش، ثم ما لا يعلمه إلا الله.

فكم هي أبعاد هذا الكون وضخامة هذا الكون، وإذا كان هذا الكون يدور، فالكلام يكون عن يوم، عن ستة أيام من أيام هذا الكون، يعني طبعاً لا يقدّر بالساعات، والكلام عن الخلق، إذا كان خلق الأرض فيه هذه الأعاجيب، في جو الأرض وفي طبقاتها، وفي غازاتها وفي رياحها وفي غيومها وفي نجومها وفي كواكبها وفي شموسها وفي أقمارها، ورجوعاً إلى بحار هذه الأرض وأطوالها وأعراضها وعجائبها، ورجوعاً إلى يابسة هذه الأرض وعجائب نباتها وعجائب إنسانها وعجائب جِنّها وعجائب حيوانـها. وهذه الأرض كما قال عنها “نيوتن” هي من الصغر بالنسبة لعِظَم الكون وعِظَم الأجرام التي في الكون ما هي إلا هباءة في هذا الكون العملاق. فإذاً خلق الكون شيء عجب وشيء عظيم بالنسبة لقدرة الله، يعني أنا أحس أن قلبي يريد أن يسجد لله ولكن كيف، لو سجدنا بقلوبنا وعلى جباهنا وعلى أنوفنا وعلى عظامنا وبكل ما أمكننا الله عزّ وجل وما أعطانا، أن نسجد له جلّت عظمته إعظاماً وتقديراً وخشيةً ومعذرةً من الله، أننا لا نشكره حق شكره، ولا نعبده حق عبادته، ويستحيل علينا أداء حقٍ من حقوقه علينا، ولكنه بكرمه يقبل اليسيير منا ويعطي الكثير من جوده وعظمة خلقه.

       هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ (…) إنـما هو هيمن على العرش، حكم على العرش، سيطر على العرش، والعرش جملة الكون، جملة الأكوان، هو في قبضة الله وفي حاكمية الله يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ ما يلج ما يدخل، الولوج الدخول يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا العروج الصعود وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ الله أكبر والعزة لله وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ قراءة ثانية وضرورية وهي حق بفضل من الله هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ “يُعَلِّمُ” مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا يعطيه التعليمات، ما يدخل في الأرض أي شيء يدخل في الأرض، حيّاً  كان أي شيء فيه حياة أو جامداً  كان، يتلقى التعليم من الله، وفعل ما يَفعل من الله، وفعل ما يجب أن يفعل من الله، حتى القذيفة إذا نزلت من السماء ما تفعل بدون إذن الله، إما بتوجيهه وتدبيره وإما بإذنه، أما أن تكون بدون إذنه وبدون علمه وبدون سيطرته وبدون هيمنته فهذا مستحيل، يستحيل خروج أي شيء أي أمر، يستحيل خروجه من سلطان الله. فإذا “يُعَلِّمُ”  مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ ملائكة،  مطر أين ينزل، المطر أين يجب أن لا ينزل، برَد أين ينزل ويضر أو ينفع، وأين لا يجب أن ينزل ولا يضر ولا ينفع، غيوم، سحاب، ملائكة، أشعة فوق بنفسجية، أشعة تحت بنفسجية، كل الأشياء يَعْلَمها الله ويُعلِّمها الله تبارك وتعالى، أن الأشعة البنفسجية أضرت بالخرفان في أستراليا لماذا لم تضر بالخرفان بغير أستراليا، عندما انشق الأوزون أخذت تتسرب الأشعة فوق البنفسجية، أكثر ما تضررت الخرفان في أستراليا، الأغنام أصيبت بالعمى، فهل هذا بالصدفة، لا صدفة في الكون، الصدفة معنى من معاني الجاهلية، كل شيء بمقدار، كل شيء بحسبان، بمقدار وبحساب وبتقدير من الله عزّ وجل. يبقى أن المخلوقات بشكل عام حتى عن الطير في كلام عن أحد الأئمة الأبرار سلام الله عليهم أجمعين أنه: “ما صيد طائر إلا بتركه التسبيح”، ما صيد طائر إلا بتركه التسبيح كذلك بقية أنواع الحيوان، بقية أنواع الصيد، كذلك حسابات الله عزّ وجل للإنسان متى يُنفع، ومتى يُضر، ومتى يُؤجر، ومتى لا يُؤجر، ومتى يُسمع دعاؤه، ومتى لا يُسمع، ومتى يُعطى، ومتى يُـــــزاد له، ومتى يُنقص منه إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ(سورة الرعد: 11) حسابات دقيقة عند الله تبارك وتعالى.

       فإذاً يُعَلِّمُ مَا يَلِجُ  بعد القراءة الأولى مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ هذه التي ترعش البدن، هذه التي ترعش جلدي وجلدك، هذه التي تقشعر منها أبدان العقلاء المتفهمين لآيات رب العالمين وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ هو معنا الآن الله تبارك وتعالى، معنا بكرمه، ومعنا بحلمه، ومعنا بالبركات التي يُنزلها علينا ما دمنا نقرأ القرآن، ما دمنا خاشعين بين يدي الله وبين يدي كلامه، ما دمنا نتبرك بقراءة كتابه وبتفسير كتابه، ما دمنا نتشرف، نطلب الشرف بإستعراض آياته الكريمات، هو معنا يرانا ويسمعنا ثم ينتهي ويذهب كل منا إلى داره وإلى فراشه لمن يذهب إلى فراشه، ويبقى الله معه مع الجميع وننام وعين الله لا تنام الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ( سورة البقرة: 255) “السِنة ” ونسميها نحن بالإغفاءة السريعة، نسميها الكبوة، وبالأساس الكبوة يقال كبا الجواد، لكل جواد كبوة ولكل سيف نبوة، وأطلقناها على الغفلة الخفيفة، الله عزّ وجل لا تأخذه سنة ولا نوم  وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ  يبقى أن هنا شيء مهم  جداً جداً مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ أيها الناس الخطاب للناس وأيها الجنّ ما داموا هم من سكان الأرض ولو كان بيننا وبينهم برزخ، بين الإنسان والجن برزخ لا يبغيان مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ بالسماوات أو في الأرض أو في أي مكان، بالبحر، بالبر، بالجو، في الفضاء، تحت سقف البيت، في الكهوف، في المغاور، تحت طبقات الأرض الله معكم أينما كنتم، وإنما القضية التي أريد أن أقولها، مع جميع الناس، والناس فيهم المؤمن وفيهم الكافر الفاجر، فيهم الصدّيق وفيهم المكذب، فيهم المجاهد في سبيل الله، وفيهم الفاسق المتبع لشهواته، فيهم الإنسان العادل المتقي لله، وفيهم الطاغوت الجبارالظالم، فكيف يكون الله مع الجميع، صح الله مع الجميع، وإنما هو مع المؤمن الصديق الصالح معه وهو وليّه، يحفظه، ويحميه، ويسدده، ويعافيه، ويشفيه، ويستجيب دعاؤه إذا دعاه، ويُلجِـــئه إذا لجأ إليه، فإذاً هو مع الإنسان بمعنى الحفظ وبمعنى الولاية يتولاه برعايته، وهو مع الطاغوت وإنما معه وعليه، معه وضده، مع الظالم ومع الطاغوت، هو معه رقيبه، يسجل عليه بطرقه، بطرق الله عزّ وجل، تُسجل ملائكته، تُسجل الكتبة، تسجل الكاميرا الكونية وآلات التسجيل الكونية بالصوت والصورة، المهم أن الله معهم، مع أي إنسان، في أي مكان، مع الظالم وعلى الظالم، ومع الصالح وولياً للصالح وحافظاً للصالح.

       فإذاً وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ في جميع أحوالكم وجميع أنواعكم، قال لرسول الله محمد (ص) ولكل إنسان  وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ أيها الناس  وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ(سورة يونس: 61) بقية الآية قلناها قبل قليل.

       فإذاً وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إعادة للآية التي مرت معنا الآية الثانية للـتأكيد لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ مصائر الناس، مصائر الخلق، جميع الخلق مصائرهم إلى الله عزّ وجل يوم القيامة.

يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أما التفسير التقليدي لـها أن الله عزّ وجل يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ يدخل الليل في النهار ويدخل النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور. فعن إدخال الليل في النهار لا بد الإلتفاتة إلى المعنى البديهي بظاهره، أنه كما نعلم نحن نكون في نهار ثم يأتي الغروب، فيدخل النهار في الليل ويدخل الليل في النهار، نستيقظ عند الصبح، نخلص من الليل، ويدخلنا في النهار وهكذا وهذا واضح. أما المعنى العلمي اليوم والجميل، الجميل جداً أن تتصور هذه الحقيقة، الأرض أرضنا هذه ونحن في جانب من جوانبها، في الجانب الذي نحن فيه من الأرض في مواجهة الشمس، في الجانب الذي نحن فيه من الأرض نحن الآن في المنطقة المعتدلة الشمالية فوق خط الإستواء درجة 23 أعتقد من خطوط العرض أو خطوط الطول، نحن الآن في الليل، نحن في الليل لا نرى الشمس، الشمس في مواجهة القسم الثاني المقابل لنا على الأرض، الأرض تدور ونحن ندور بدورتـها، حتى إذا بلغنا حتى إذا وصلنا الفجر، ساعات الفجر، ثم الشروق، واجهنا الشمس، يكون دخل ليلنا نهارنا، من فعل هذا بنا، من أيلجَ ليلنا هذا الذي نحن فيه بنهارنا الذي سنصير فيه، الله عزّ وجل، ثم نصبح في نـهارنا في مواجهة الشمس، والأرض تدور أمام الشمس، فيأتي الغروب ويأتي الليل، فيدخل النهار في الليل وندخل نحن من هذا النهار في الليل فــــ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ من يفعل هذا، من يدير الأرض، من يثبّت الشمس أمام الأرض، من يوقّت المواقيت على الأرض، من جعل مدة الليل والنهار 24 ساعة حسب الحسابات التي حسبناها فيما بعد، حسبها الإنسان بطبيعة الحال، ثم إلى آخر يعني حتى لا نتكلم كثيراً عن حركات الأرض المدهشة، فالله عزّ وجل جعل هذه الآية وسيأتينا بآيات ستأتينا آيات في هذا القرآن تفسر لنا بقية الحركات الكونية الأساسية المدهشة النافعة لحياة الإنسان، والنفع في هذا لحياة الإنسان أنه لو كانت حياتنا كلها ليل إما تجمدنا وإما مللنا من الليل الطويل، ولو كانت حياتنا كلها نهار ليبسَ كل شيء وجف وتبخرت المياه فأصبحت الحياة إن لم تكن مستحيلة فتكون في منتهى الصعوبة كما هي الحال في ستة أشهر ليل في بعض المناطق القطبية وستة أشهر نهار. فإذاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ العظمة هنا أنه هو يدير هذا الكون طبعاً بدون تعب وبدون نصب لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ(سورة فاطر: 35) لغوب: التعب، فيدير هذا الكون، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، من أعالي الكون إلى أسافله في جميع جوانبه، يدبر الأمر بجميع تفاصيله، يدبر الأمر وبنفس الوقت وبدون فصل هو يعلم ما في صدور الناس، يعلم أسرارهم، يعلم ما يكتمون فضلاً عما يُظهرون، يعلم ما يسرون فضلاً عما يعلنون، وأكثر من هذا حكاية وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أن الفكرة التي تتلجلج في صدرك والتي ستصدر إلى الخارج إما فعلاً وإما كلاماً يعلمها الله قبل أن تصدر، الفكرة التي تتلجلج في صدرك والتي ستترجم كلاماً أو عملاً يعلمها الله قبل أن تصدر هذا القصد هنا وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ بذات الصدور هي الأفكار التي تتلجلج قبل أن تخرج.

       آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ آمنوا يا أيها الناس أرأيتم هذه المعجزات، أرأيتم هذه العجائب في خلق الله، أرأيتم هذه القدرة عند الله، ملك السماوات والأرض، حكم السماوات والأرض ،خلق السماوات والأرض، علمه بما يلج في الأرض وما يخرج منها، وتعليمه لما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، حضوره معكم، حضوره حضور الله بعزّته، حضور الله بجبروته، حضور الله بلطفه، حضور الله بكرمه، حضور الله بقدرته، حضور الله بسمعه حضور الله ببصره، معكم أينما كنتم، أنت تخاف يا رجل مـما تخاف ما دام الله معك، من أي شيء تخاف ما دام الله معك، أنت غريب يا رجل أغربة مع الله، كيف تقول أنك غريب والله معك، أنت ضعيف يا رجل ذليل، أنت ذليل، أنت تذل لغيرك من الجبابرة تذل للطواغيت تذل لمافيات العصر، كيف تذل والله معك أينما كنت، وهو حافظك، وهو حاميك، إستغث بالله يقويك، إستغث بالله يعزك، إدعوا الله يجيبك، ماذا تريد، طبعاً لا تطلب فوق ما هو في مستوى العقل، لا تطلب إلا ما يُعقل، لا تتجاوز حدك، لا تطلب ما يضرك، أنت بحاجة إلى عشرة آلاف ليرة مثلاً فلماذا تطلب عشر ملايين، فكن عاقلاً واسأل الله ما ينفعك، وهو سريع الإجابة إذا كنت من الصالحين المرضيين عند الله.

       آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ يا أيها الناس، المال الذي معكم هو من عطاءات الله، هو رزق من الله، سواء كان مالاً نقداً، وسواء كان غلالاً، وسواء كان بضاعة، أي نعمة من النعم التي عندكم من أنواع الرزق هي عطاءات من الله وفضل من الله فأنفقوا منها وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ إستخلفكم فيها رزقكم وجعلكم وكلاء على هذا  فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ والذين آمنوا ولم ينفقوا ليس لهم أجر كبير، والذين أنفقوا ولم يؤمنوا ليس لهم أجر كبير.

       فإذاً وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  الرسول يدعوكم لتؤمنوا بالله لتكونوا من أهل اليقين بالله، بالمعاني التي مرّت بنا وهي أساسية وبغيرها من المعاني مما يتعلق بعزة الله وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  الميثاق هو ما يقذفه الله في القلب، وما يطالب به الإنسان بين يدي ربه في الدنيا والآخرة، هو ما يجب أن يجيب الإنسان، يجيب الله عليه وأن يأتمر بأمره وينتهي بنهيه، هذا الميثاق وهو غير الإشهاد وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ هذا أمر آخر إذا كان خطر ببال بعض الناس.

       وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ هو الله جلّت عظمته وعزّت عزّته، هو الذي ينزل عليكم على عبده محمد (ص) هذا القرآن المجيد، آيات بينات واضحات ليخرجكم من ظلام الكفر، من ظلام الشرك، من ظلمات الضلال، إلى نور اليقين، نور الإيمان، نور العلم بالله، نور المعرفة بدين الله، ولا شك أن الجهل بالله ظلم، ظلام ليل دامس، وأن معرفة الله، ومعرفة دينه، واليقين بالله وبوجوده وبقدرته نور وراحة للقلب وللدماغ ولجميع أحاسيس الإنسان وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ ليس قاسياً عليكم، وليس جباراً عليكم إذا كنتم مؤمنين، هو جبار على الجبارين، قهّار على أهل الفجور وأهل الفسوق وأهل الشرك، على الذين يأكلون من رزق الله ويعبدون غير الله، يأكلون من رزق الله ويستغيثون بغير الله  هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ يا أيها الذين آمنوا يا أهل الصدق والتصديق، يا أهل اليقين بالله، ما أرأف الله بكم وما أرحمه.      وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لم لا تنفقون في سبيل الله، لما تجمدون أموالكم يا أهل الأموال المجمدة، إذا قامت القيامة وأنتم لا تعلمون في أي ساعة، في أي لحظة ستقوم القيامة على رؤوسكم ورؤوس الناس، فمن كان عنده مال مجمّد ومال كثير هو حريص عليه أين سيصير هذا المال إذا قامت القيامة، ولمن سيظل هذا المال إذا قامت القيامة، أو إذا مات عنه صاحبه بسكتة أو بحادث ومن يضمن نفسه فيرثه الله وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يرث الأرض وما فيها وما عليها، فأنتم أين تصبح أملاككم، أين تصبح أموالكم، أين تصبح أراضيكم، أين تصبح عقاراتكم، أين تصبح حدائقكم، أين تصبح خزائنكم.

       وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ للآية لا بد من معنىً إزدواجي، معنى يتعلق بأيام رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وبفتح مكة، وعلى قول بفتح الحديبية، الله يخاطب القوم الذين مع رسول الله صلوات الله عليه وآله وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ الذي بذل في سبيل الله، أنفق في سبيل الله قبل فتح مكة وقبل فتح الحديبية أولئك الذين أنفقوا وقاتلوا أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا الذين أتوا من بعدهم وأنفقوا وقاتلوا لهم الحسنى ولكن أقل درجة من السبّاقين بالإنفاق وبالقتال  وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ الفريقان لهم الحسنى ولكن الفريق الأول درجته أكبر وأعظم من درجة الفريق الثاني. المعنى الثاني الذي قلنا عنه، في كل مدة من الزمن، كل فترة من الزمان، لا نقول فترة نقول كل مدة من الزمان، دائماً المؤمنون أمامهم لون من ألوان الفتوح على أعداء الله، وأعداء الله دائمو الوجود في الأرض حتى يقضي الله أمراً  كان مفعولا، والأعداء موجودون لا بد من الإنفاق لأجل الصمود في وجههم، والدفاع عن النفس في مواجهتهم، وفي بعض الحالات لا بد من قتالهم، فالآية ليست ربطاً فقط بأيام رسول الله محمد، وإنما هي لكل جيل من الأجيال يحصل فيه أن المؤمنين يتعرضون لعدو من الأعداء، وما أكثر الأعداء اليوم، يحيطون بنا من كل جانب وحسبنا الله ونعم الوكيل فـــــ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ(سورة الأنفال: 60).

مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ  أصبحنا في الآية الحادية عشر من سورة الحديد، هذه الآية من أعاجيب الآيات، وهي مكررة في سورة البقرة وفي سور أخر بهذا المنطق، بهذه المعاني، قوله عزّ وجل مخاطباً الناس مخاطباً المؤمنين: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ كيف نقرض الله قرضاً حسناً ومن أين لنا، قلت أنـها

من أعاجيب الآيات، من أعاجيب المعاني، ومن ألطف وأكرم ما هيأ الله للمؤمنين من أجرٍ وأُجرة وعافية، أنه يعطينا المال، يعطي المال للناس يرزقهم ويكرم عليهم وما أكرمه ثم يقول أقرضوني، يعطيني ويقول أقرضني يا رجل، يعطيك ويقول لك أقرضني يا رجل. كيف يا ربي، أعطي الفقير من عبادي وأعطي المحتاج،  وهو أقدر على إعطائه، وأقدر على إعطاء الفقير، وعلى إعطاء المحتاج، وعلى إعطاء السائل، وعلى إعطاء اليتيم، وعلى إعطاء الأرملة، وعلى إعطاء كل ذي حاجة في الوجود، هو أقدر، لماذا يقول لك، يريد أن يكسبك أجراً، يريد أن يرفع درجتك، يريد أن يزكيك، يريد أن يطهرك، أقرضني يقول لك أقرضني قرضاً حسناً، القرض الحسن، أعطي للفقراء من عبادي، يا رب أنت أقدر على إعطائهم، اسكت يا رجل أنا أقدر صحيح، ولكن أريد أن أطهرك، أن أزكيك، وليس هذا فقط فأنت تأتـمر بأمر الله، أنت تطيع الله في هذا، أنت تبادر، تسرع في طاعة الله، فتقرض الله، تعطي الفقير، تعطي السائل، تعطي المسكين، تعطي اليتيم، ما يعينك الله عليه من العطاء وحسب المقدار الذي عندك من المال لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا(سورة البقرة: 286.)، و لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا(سورة الطلاق: 7)، فأنت تعطي الفقير فالله يضاعف لك، يضاعف لك ضعفين، يضاعف لك سبع أضعاف، يضاعف لك سبعين ضعفاً، يضاعف لك حتى السبعمائة ضعف وأكثر، هذا في النصوص، لماذا يضاعف لهذا ضعفين ولهذا ثلاث ولهذا …، كل حسب نيّــته، لكل إنسان بحسب نيّــته، أنت عندما أنفقت في سبيل الله، عندما أقرضت الله القرض الحسن وليس القرض العادي، القرض الحسن هو الذي يجب أن لا تشوبه شائبة، لا يكون فيه حرص على ما أنفقت،

تكون أنفقته بكرم، أنت أنفقته بكرم، أنفقته بحب لله عزّ وجل، بحماس، لا تريد مـمن أعطيته أجراً ولا شكورا، وأن لا تـمنّ عليه، وأن لا تحدث أنا أعطيت فلان وأعطيت، وأن تكون عطاء السر أفضل من عطاء العلن، ولو كان عطاء العلن مباح وأحياناً له فوائد، صفات كثيرة للقرض الحسن، للقرض صفات كثيرة تجعله حسناً، وإذا لم توجد فيه هذه الصفات يكون قرضاً عادياً، أنت تعطيه وتريد من الذي أعطيته أن يعمل لك عملاً مثلاً، يوجد ولد يتيم يأتي ويريد عطاءً، فالبعض يطلب منه عملاً، اعمل كذا لأعطيك كذا، هذا لم يعد قرضاً حسناً، فلا أعطه وادعُ له بخير. إذا هو عرض عليك أن يعمل عندك لا، العمل له أجرة، والعطاء الذي هو قرض حسن لله عزّ وجل شأن آخر، فعلى هذه الأسس الله يضاعف العطاء، بقدر ما تكون صافي النيّة، تكون محباً للبذل في سبيل الله، محباً لأداء الحقوق، واثقاً بالله، لا تريد من غير الله لا أجراً ولا شكورا، يا ثقتي يا الله أنت حسبي، حباً بك وطاعة لك يا الله أنا أنفق أنا أعطي، فمن هنا تكون مضاعفة الأجر ومصداق هذه الآية الكريمة ومثلها بقية الآيات مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ هنا الأجر الجميل أجر الكريم، ليس له أجراً عادياً، ليس فقط أنك إذا أقرضت القرض الحسن يضاعفه لك أضعافاً، وإنما الأجر دائماً الأجر الكريم دائماً فيه عطاء، عطاء متواصل، عطاء في الدنيا وعطاء في الآخرة، أجر الدنيا موصول بأجر الآخرة، فهذا كرم الأجر، لأن الكريم دائم العطاء، الله كريم لأنه دائم العطاء، دائم الجود، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، ربنا لك الحمد سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت إغفر لنا وإرحمنا وتب علينا وأنت خير الراحمين.

       يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الآية الثانية عشرة من سورة الحديد وهي من الآيات المهمات جداً للمؤمنين يوم قيام الساعة يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ في جملة هذا النور وفي مقدمته قوله تبارك وتعالى: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ

وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ(سورة النور: 35إلى آخر الآية. وتعرفون شرحها من كتاب مفتاح المعرفة توقفنا عندها طويلاً، المؤمنون المميزون الذين تفضل الله عليهم بدرجات عالية جعلهم مصاديق لهذه الآية آية النور  اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ صدر المؤمن هو المشكاة، وقلبه هو المصباح، هذا القلب يغسله الله عزّ وجل غسلاً بالنور، حتى يصبح نورانياً، لا أزيد على هذا، الكلام موسع في  مفتاح المعرفة فمن شاء فليراجع. وإنـما هنا أحتاج لهذا النور لنفهم أنه في الآخرة يشعّ بين يدي أمام هذه الدرجات المتقدمة من المؤمنين، ومن المؤمنين من يستفيد غيرهم من نورهم يشع نورهم على الغير، ثم تخف درجات النور حتى يصبح الإنسان المؤمن في الدرجة الدنيا من درجات الإيمان، درجة  متدنية من درجات الإيمان لا يضيء له إلا إبـهامه، إبـهام قدمه، إذا كان المؤمن في درجة متدنية من الإيـمان لا يضيء له إلا إبـهام قدمه. وطبعاً هذه أدنى الدرجات، ثم تعلو الدرجات، وهنا لا بد أن نتعرض إذا لم يكن الإنسان في الدرجات العالية المتقدمة عند الله تبارك وتعالى وبفضل من الله تبارك وتعالى فيضيء له وجهه وساعداه وقدماه نتيجة للوضوء الذي كان يتوضأه في الحياة الدنيا. فالوضوء يشكل حالة نورانية عند الإنسان، وفي اللغة الوَضُوء هو ماء الوُضوء، الوَضوء بفتح الواو هو ماء الوُضوء. فإذاً هذا الوَضوء الذي هو ماء الوُضوء، تكراره مرة على مرّة في الحياة الدنيا كمقدمة للصلوات، كمقدمة لقراءة القرآن، أو لأي شأن آخر يستحب فيه أو يتوجب يجب فيه الوضوء، فيشكل حالة ضوئية عند الإنسان في حياته الدنيا يراها الملائكة، ملائكة الله، ويراها من يرى بنور الله من المؤمنين الذين يختصهم الله عزّ وجل بأشياء من الكشف. ثم يتجلى هذا النور يقيناً في الآخرة، إذا كان الوضوء مقبولاً بـمقدماته وبما يليه من العبادات، فيتجلى يوم القيامة نوراً في الوجه، وفي الساعدين كما قدمنا، في القدمين، في ليل دامس هو ليل يوم القيامة، ظلام دامس وعتم، من لم يكن له نور، لا يرى أمامه، ولا يرى دربه، وبالنتيجة يُجعل حيث يريد الله له أن يُجعل من مقامات الغضب ومقامات العذاب. فهذه الآية الكريـمة يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ  أمامهم وَبِأَيْمَانِهِمْ  أيـمان جمع يـمين بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لماذا بأيمانـهم وليس بكلا اليدين، لأنه سنرى أن التوجه يوم القيامة بإتجاه اليمين وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ، فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ  وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ، وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ(سورة الواقعة: 27-32). وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ(سورة الواقعة: 41) وسماهم أصحاب المشأمة هم أهل العذاب فيكون جهتهم إلى الشمال. فإذاً بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ لكي يميلون بإتجاه اليمين بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ الكلام من الله وملائكته، القول للمؤمنين بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وهل أعظم من هذا الفوز فوز، ولا سيما في الدار الآخرة التي فيها البقاء مستمر لا موت ولا مرض ولا تعب ولا شقاء بل تنعمٌ دائم أبد الآبدين جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(سورة الواقعة: 24).

       في نفس هذا اليوم، يوم القيامة، وفي الظلام الدامس العتم الشديد الذي تكلمنا عنه. هذا اليوم يَوْمَ يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ الآية الثالثة عشرة  يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ  يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ  فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ  نعوذ بالله ونستغفره نعوذ بالله ونستغفر الله ونسأل الله العفو والعافية. فإذاً  يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ الذين يظهرون الإسلام، ويظهرون التديّن، ويبطنون الكفر، ويبطنون الشرك، والعناد لله، والكراهية للمؤمنين، هؤلاء المنافقون والمنافقات يوم القيامة وفي هذا الظلام الدامس الذي تحدثنا عنه يقولون للذين آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ  نحن في اللغة العامية كلمة انْظُرُونَا الفصيحة حولناها إلى

انطرونا” يعني قفوا لنا، أمهلونا، قفوا لنا حتى نصل إليكم ونستفيد من نوركم نَقْتَبِسْ نأخذ، نستضيء بنوركم يا أيها المؤمنون قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ من يقول هذا، الأقرب أنهم ملائكة الله الذين يرعون هذا المشهد بأمرٍ من الله عزّ وجل قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا ارجعوا ورائكم إلى ما كنتم فيه في الحياة الدنيا فَالْتَمِسُوا نُورًا اطلبوا النور من حيث كنتم تعصون الله وهو هُزءٌ بهم وإحتقارٌ لأمرهم قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ جدار عال، السور: الجدار العالي. لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ من جهة المؤمنين وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ من جهة المنافقين، هذا السور أصبح يفصلُ بين من لديهم نور من الذين يستضيئون بالنور الذين تفضل الله به عليهم نتيجة لما كان يفعلون في الحياة الدنيا من الصالحات، ونتيجة لإيـمانـهم ويقينهم بالله عزّ وجل، وطاعتهم له، وتصديقاً بنبيه وبكتابه، فأصبحوا يصبحون مفصولين بهذا الجدار العالي الذي له باب، لماذا الباب، ليتسرب  منه بعض المؤمنين الذين تخلفوا عن إخوانـهم، لأن نورهم ربـما قليل لم يساعدهم بأن يكونوا من المتقدمين، يظل لهم هذا الباب مفتوحاً باطنه فيه الرحمة من جهة المؤمنين ليتسرب إليه قليلو النور، وطبعاً الذين ليس لهم نور يبقون في العتم، ويكون ظاهر هذا الجدار هذا السور عذاباً عليهم.

       يُنَادُونَهُمْ الآية الرابعة عشرة المنافقون ينادون المؤمنون يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ  والكلام ألم نكن معكم في الحياة الدنيا المعنى قَالُوا بَلَى يقول المؤمنون بَلَى كنتم معنا وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ  فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ حولتموها عن الصراط المستقيم، حرفتم بأنفسكم عن صراط الله وَتَرَبَّصْتُمْ وتربصتم بمعنى ترقبتم الترقب وَتَرَبَّصْتُمْ بالمؤمنين وبأهل اليقين جعلتوهم لكم أعداء حسب نواياكم كنتم تضمرون لهم العداء، تربصتم بـهم المهالك وَارْتَبْتُمْ شككتم بالله، وشككتم بكتابه، وشككتم بآياته، هذا الإرتياب، الإرتياب نوع من التكذيب والشك وعدم التصديق وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ الأماني في الدنيا ما تتمنى أنفسكم، ما تتمنون في الحياة الدنيا من مكاسب باطلة حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ هذا الأمر الأعظم هو يوم القيامة وَغَرَّكُمْ في حياتكم الدنيا وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ والغَرور إسم من أسماء الشيطان، وغرّكم بالله الشيطان الرجيم إذ أطعتموه، وفي قراءة ثانية وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغُرُورُ غروركم بأنفسكم. في الدعاء اللهم إني أعوذ بك أن أقول زوراً أو أغشى فجوراً أو أن أكون بك مغروراً.

       فَالْيَوْمَ الآية الخامسة عشرة والكلام ما زال موجهاً إلى المنافقين فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ فهنا هذا الكلام الموجع يوم القيامة لمن يستأهلون هذا الوجع. قوله عزّ وجل: فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ تفتدون بـها أنفسكم، تدفعوا مالاً وتدفعوا رشوة يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ولو ملء الأرض ذهباً، لا تستطيعون أن تفتدوا به أنفسكم لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ يا أيها المنافقون وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله وبرسوله وبكتابه وبآياته مَأْوَاكُمُ النَّارُ بينما مأوى المؤمنون جنات النعيم مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ بينما مولى المؤمنون الله في عزّته وفي عظمته وفي جلاله وفي كرمه وفي جوده وفي رحمته مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ بئس ما تصيرون إليه في الدار الآخرة.

       ثم نقلة للآية السادسة عشرة قوله عزّ وجل:  أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ هذه آية تربوية فيها مداخلة في أخلاق المسلم وفي طبعه وفي تربيته النفسية أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا ألم يحن، ألم يأتي الوقت يَأْنِ ألم يحن للذين آمنوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ أن ترقَّ قلوبـهم لما نزل، لذكر الله وما نزل من الحق على أساس أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ فإذا لم تطمئن القلوب بذكر الله ولم ترق القلوب ولم تخشع، فيجب على الإنسان أن يحاسب نفسه وأن ينتقدها، وذكرنا شيء من هذا المعنى في سورة المجادلة في أول سورة المجادلة، أن يجادل نفسه في هذه الأمور في تأويل أول آية من سورة المجادلة.

       أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وماذا نزل من الحق،نزل هذا القرآن العظيم إنا أنزلناه في ليلة القدر، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ(سورة القدر: 1-2). وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ نزل من الحق الملائكة وكل خير من عند الله تبارك وتعالى فــــــ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ اليهود والنصارى فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ الأمد: الزمن فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ الله لا يحب قسوة القلب، الله عزّ وجل يحب المؤمنين الذين في قلوبـهم رقة، في قلوبـهم خشية، في قلوبـهم خشوع، ولا يتم هذا إلا بذكر الله، وبتكرار ذكر الله، وبالتفكر بالله، وبعزّة الله، وبخلق الله، وبالسماوات والأرض، وبجميع ما خلق الله عزّ وجل من آيات. هذا التفكر من شأنه أن يزيد في إيمان المؤمن، أن يجعله دائماً أميل للخشوع، أميل لرقة القلب، وأبعد عن القسوة، فلا يكون شأنه كشأن أهل الكتاب الذين طال عليهم الزمن فقست قلوبـهم، لنسيانـهم ذكر الله، لعدم تذكرهم لآيات الله، لعدم تذكرهم لآيات الله سواء في العبادات أو في مراقبة الأنفس أو في السلوك، سلوكهم فيما بينهم وفيما بين الآخرين ولا سيما في تعاملهم مع المسلمين وفي حكمهم على المسلمين بالكفر فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ خارجون من دين الله.

       اعْلَمُوا الآية السابعة عشرة اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ قبل أن أدخل في تفسيرها، أود أن أدخل في تأويلها لأنها بعد قوله عزّ وجل أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ إلى آخر الآية قال: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا فمن وجد في قلبه قسوة، فليعلم أن الله يحيي الأرض بعد موتها، أليس الله بقادر أن يحيي قلبه ويحوّل هذا القلب عن قسوته إلى اللين والخشوع، فليلجأ إلى الله ولا ملجأ غير الله تبارك وتعالى، فليلجأ إلى الله، وليسأله الرحمة، وليسأله رقة القلب، وليسأله الخشوع والمزيد من الخشوع، فإن الله عزّ وجل يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا فهو من باب أولى أن يحيي قلب عبده المؤمن الذي يتضرع إليه والذي يسأله. أما تفسيرها فظاهر الآية والظاهر حجة اعْلَمُوا أيها الناس، أيها المؤمنون أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا تكون يباساً كما ترون في أيام الصيف، وتكون جدباً، ثم ينزل عليها الغيث، يغيثها بالمطر فتصبح خضراء نضرة، ينبت فيها ما ينفعكم وينفع أنعامكم ويكون فيه رزقاً وفيراً لكم. اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ الآيات في الأرض وما أكثر الآيات، فضلاً عن الآيات التي في السماء، وفضلاً عن آيات القرآن التي تشير إلى هذه وتلك.

       إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ الآية الثامنة عشرة إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ العزّة لله، العزّة لله وحده ما أكرمه وما أعظمه، وما أعظمه وما أكرمه. إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ المتصدقين، لغةً هي عملية لغوية ليس مهماً شرحها، إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ والصدقة هي في جملتها إعطاء الحقوق، وإن كانت في الفقه أحياناً تُفصل عن الواجب من أداء الحقوق، وتكون في المستحبات والتصدق على الفقراء وعلى المساكين وعلى المحتاجين، لأن الله تبارك وتعالى هو يقبل الصدقة عن عباده. فكان الإمام زين العابدين سلام الله عليه إذا تصدّق بمال، قبّل المال قبل أن يضعه في يد الفقير، فيُسأل، لما تفعل هذا؟ فيقول: لأنه يقع في يد الله تبارك وتعالى قبل أن يقع في يد الفقير”، أَوَمَا تقرأون قوله تبارك وتعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ(سورة التوبة: 104).

إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ. أقرضوا الله، أنت تستقرض من فلان لأن فلان… أنت تقرض فلاناً، لأن فلاناً بحاجة لهذا القرض، لأنك أغنى منه، لديك مال وليس لديه مال. وهذه من أرق وأجمل الآيات وألطف الآيات في مخاطبة المؤمنين. الله يعطي المؤمن ويَكرم عليه بكل شيء، وفي جملة ما يكرم عليه بالمال، بأن يكفيه بالمال، وأن يزيده فوق كفايته، وفوق حاجته، بأن يغنيه، ثم يقول له يا عبدي، أقرضني مالاً، أعرني  مالاً، يا الله ما أكرمك، يا الله ما أعظمك، وما هذا القرض، لمن هذا القرض، لإعطائه لعباد الله من الفقراء ومن المساكين ومن المحتاجين ومن الأيتام ومن الأرامل ومن ومن إلى آخره. السؤال هنا، أليس الله بقادر على أن يكفي هؤلاء المحتاجين وهؤلاء الفقراء وهؤلاء المساكين، بلى بلا شك وليس في هذا تردد إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ( سورة يس: 82) فلما هذا القرض وبهذه اللغة، القرض لله عزّ وجل، إنما يريد الله بعبده مزيداً من الأجر، ومزيداً من الدرجات، ومزيداً من العافية، في نفسه وفي دينه، وفي نفسه وفي بدنه. أما في دينه، فإلى أي مدى يتعمق إيمان الإنسان بربه وهو يقول له يا عبدي أقرضني، يستحي الإنسان، يخجل من ربه، أنت تعطيني يا ربي وتقول لي أقرضني، فيبادر إلى الصدقة، ويبادر إلى مساعدة عباد الله وهو سعيد بذلك، خجول بذلك وسعيد بذلك، فالله يدخل على نفسه السعادة، وهذه حالة نفسية يعني لا ليس جميع الناس يستطيعون أن يتوصلوا إليها، وأن يحصلوا على هذا المكسب، ثم أن يشعر المؤمن بأن الله كافيه، وهذه سعادة أخرى، ثم أن يقارن بين نفسه، وهو الفقير إلى رحمة الله، وهو الضعيف هو من الضعفاء من عباد الله، أن يقارن بين نفسه وبين هؤلاء الفقراء الذين يتصدّق عليهم فيقول، وهم قد يكونون من المؤمنين هؤلاء قد يكونون بإيمانه وقد يكون إيمانهم أكثر من إيمانه، فيقول هنا يحمد الله  الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ(سورة النمل: 15) فضّلنا بالرزق وفضّلنا بالعطاء. فإذاً وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ المتصدقين والمتصدقات، ولماذا قرضاً حسناً وليس قرضاً بدون هذه الصفة، القرض الحسن هو القرض الذي  إذا كان كثيراً من الـمقرض، إذا أعطيت أحداً من الناس المحتاجين مالاً، إذا كان كثيراً يجب أن تستقله في جنب الله حتى يكون حسناً، إذا شعرت أنك أنت تعطي الكثير، فلم يعد هذا القرض حسناً. فالغني هو الله، والمعطي هو الله عزّ وجل، وغناه لا ينتهي وخزائنه لا تنفد، ولا تزيده كثرة العطاء إلا كرماً وجوداً، فأنت تستكثر ما تعطيه وهو من عند الله تبارك وتعالى، تقرض الله وتستكثر ما تقرضه به هذه واحدة، والثانية أن لا تنتظر ردة فعل حسنة ممن تقرضه، أن لا تتوقع منه خدمة، أن لا تتوقع منه أن يصير يحبك أكثر لأنك تعطيه، أنت تريد مكسباً من هذا الذي تعطيه، وإنما المكسب يجب أن تتوقعه من الله تبارك وتعالى وحده لا شريك له حتى يكون هذا القرض حسناً، وأن لا تـمنّن فيما تعطي، وأن تفرق بين صدقة السر وصدقة العلن، وإن كانت صدقة العلن مقبولة وأنت مأجور عليها وفيها فوائد، تشجيع المؤمنين على الصدقات وعلى أداء الحقوق، ولكن في بعض المقامات، صدقة السر، الله عزّ وجل جعلها أفضل من صدقة العلن. فهذه مما يجعل القرض قرضاً حسناً، إلى صفات كثيرة، ولا تحرج من تعطيه بشيء أو بكلمة، وأن تشعر بالسعادة عندما تعطي وأن، تتوقع العوض من الله عزّ وجل أضعافاً مضاعفة، وتكون هذه الأضعاف بحسب النيّة، بحسب نيّة الإنسان، كل ما كان القرض حسناً في نيّة الإنسان، أنه لا يستكثر ما يعطي، أنه ينتظر العفو والعافية من الله والعوض، أن لا يؤذي هذا المعطى له، أن لا يتوقع منه أجراً، أن لا يستخدمه في شيء أن أن أن إلى آخره. كلما زادت هذه الصفات في نفس الإنسان، كلما كان الأجر مضاعفاً أكثر، وقد يكون الأجر ضعفين وقد يكون سبعة وقد يكون سبعين وقد يصل إلى السبعمائة، سبعمائة ضعف حسب النصوص.

       وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ  هذه الكلمة الجميلة وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ أجرٌ من الله، لهم في الدنيا وفي الآخرة أجرٌ متصل بين الدنيا والآخرة، فلماذا سماه الله كريماً؟ لأن الله هو الكريم، كثير الجود، كثير الكرم ،كثير العطاءات، في جميع ما يحتاج إليه الإنسان وتحتاج إليه المخلوقات من عطاءات، وكذلك هذا الأجر الذي يستفيده الإنسان المؤمن من القرض الحسن يكون أجراً  كريماً فيه فوائد من جميع الجهات، يستفيد منه علماً ويستفيد منه عافية ويستفيد منه كما قدمنا في دينه ونفسه وبدنه ودنياه وآخرته وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ.

       وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ الآية التاسعة عشرة وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ   وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ الصّدّيقون، الصّدّيق: صيغة مبالغة على وزن فعِّيل، وهو كثير التصديق عديم الشك لا يتردد في تصديق آيات الله وفي العمل بأوامر الله تبارك وتعالى. وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أي إيمان، الإيمان اليقيني، الإيمان بوحدانية الله، والذين آمنوا برسله لا يفرقون بين أحد منهم  أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ. وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وطبعاً الصّدّيقون لهم أجرهم ونورهم، والشهداء لهم أجرهم ونورهم. النور الذي تكلمنا عنه والنور الذي يرافقهم في جنات النعيم.

 وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ. (…).

       الآية عشرين اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ هذه الآية الكريمة يبدو أنها في وجه من وجوهها تنظر إلى المراحل التي يمر بها الإنسان في عمره منذ طفولته وحتى نهاية حياته. فلنستعرض هذه المراحل حسب ترتيب المعاني اعْلَمُوا  أيها الناس أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وأطفال عندما يكون الإنسان طفلاً، اللعب هـمه اللعب، لا يعرف شيء من الدنيا غير اللعب وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ عندما يشبّ الإنسان يصبح قريباً من سن التكليف، وهذا بلغة أيامنا يسمّوها سن المراهقة، يصبح الإنسان كثير الإهتمام بنفسه إن كان شاباً أو كان صبية، فتاة، بالزينة في لبسه، وفي هندامه، وفي مظهره، وفي شكله، وفي شعره، وفي وجهه. ثم بعد أن يشب وبعد أن يتركز نسبياً في معاشه وسكنه وربما زواجه، ربما في زواجه يبدأ بالتفاخر، الإهتمام بالمسكن، والإهتمام بالناقلة، بالسيارة أو ما أشبه من وسائل النقل، بفرش البيت، بالأثاث، بالمظهر، يتفاخر ويُفاخر أقرانه بهذا، أنا عندي، أنا أحضرت، أنا اشتريت، أنا سكنت، أنا عمرت، التنافس في هذا المجال وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ من عنده مال أكثر، من جمّع أكثر من الأموال، من يحصّل أكثر، وكذلك إنجاب الأولاد والإستكثار منهم. هذه الحالات في مراحل العمر، يمكن تقسيمها في مراحل العمر، ثم إذا أردنا أن ننظر إلى الإنسان من خلال هذه المعاني كلها، نرى بعض الناس تنسحب عليهم هذه المعاني وقد تجاوزوا سن الطفولة وتجاوزوا سن الصبا ونراهم مصاديق لمعاني هذه الآية، قوله تبارك وتعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ فهم تجاوزوا سن الطفولة وسن الصبا وحتى سن الشباب، نراهم غارقين في اللعب، وغارقين في اللهو، وغارقين في التزين وحب الزينة، ويفاخرون بعضهم بعضاً، ويتكاثرون في الأموال والأولاد، وقد يكونوا شيبة وقد يكونون على حافة قبورهم، يغرقون في اللهو وفي اللعب وفي بقية هذه الأمور التي ذكرها الله تبارك وتعالى.

       فهذا الشأن كله كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ الكفار مفهوم، الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وفي لغة غير هذه الكفار: الزُرّاع، في اللغة الكفار الزُراع، فيكون هذا الحال كَمَثَلِ غَيْثٍ مطر أنزله الله من السماء، المطر أنتج، أنبت، الزرع النبات الجميل، فأعجب الكفار الزُراع هذا النبات، أو الكفار الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر تدهشهم، تخلبهم قضايا الدنيا، والعطاءات التي في الدنيا، والمكاسب التي في الدنيا. فالذي عنده حديقة يبقى مهتماً بحديقته، ويقول عندي وفعلت، وتجلس مع بعض الناس، يحدثونك عن زراعاتهم وعن أشجارهم وعن أزهارهم وعن حدائقهم ساعات طوالا. يحدثون عن هذا، عن ما عندهم من الحدائق ومن الأشجار ومن النصوب فتعجبهم هذه الأمور في الدنيا، سواء كانوا زُراعاً أو كانوا كفاراً لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، لأن من يؤمن بالله واليوم الآخر لا يغرق في هذه الأحاديث، لأن هذه الأحاديث تصبح لغواً. وكل حديث ليس فيه ذكر لله هو لغو، واللغو ساقط وباطل والله سيحاسب عليه كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ  ثم هذا النبات بدون ذكرٍ لله وبدون شكرٍ لله على ما أعطاهم، وهذا أكثر الناس شؤونهم هكذا، يتحدثون عن العطاءات وعن الأرزاق التي لديهم ولا ينسبون هذا إلى الله، ولا يشكرون الله عز وجل، ولا يسبحون الله على الجمال والـحُسن الذي في هذا الزرع أو في هذا النبات. هذا النبات يَهِيجُ بعد فترة من الزمن يصفر فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا  ثم بعد الإصفرار، يميل إلى اليباس ثم يتيبس فيصبح حُطَامًا قش مقطع كما ترون على البيادر مثلاً، حطام من قش ومن تبن ومن حطام أنواع الزرع فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا هذا في الدنيا هذا مثل الحياة الدنيا. أما هذا اللعب، والتفاخر في الأموال والأولاد، وهذه الأرزاق التي يتفاخر بها الإنسان، والتي يتحدث عنها الإنسان، والتي يذهب بعيداً في الحديث عنها الإنسان، بدون أي نسبة لله وبدون أي ذكر لله عزّ وجل تصبح حطاماً بعد حين، هذا في الحياة الدنيا، أما في الآخرة، وفي الآخرة ثلاث حالات، إما عذاب شديد للذين لم يكونوا في طاعة الله، وإما مغفرة من الله عزّ وجل لمن وقع منهم في هذه الأمور، اللعب واللهو والتفاخر والتكاثر في الأموال، ثم تاب إلى الله توبةً نصوحا، فـ الله غفور رحيم وإن الله يحب التوابين، يكون مبغوضاً  عند الله، الإنسان عاصٍ جانح لا يعمل بأمر الله ولا يتدبر آياته، ثم يتوب توبةً نصوحا ويعود إلى ربه ويصبح الله هو ملجأه الوحيد والأخير، فيتوب الله عليه، وما أكرم الله، وأعظم من أعظم الأبواب التي فتحها الله لعباده هو باب التوبة، التوبة النصوح، التي لا عودة معها إلى معصية عن عمد، ولا عودة معها إلى ذنب عن قصد، والتوبة النصوح فإن الله يحب التوابين، يكون الله يبغضه في معاصيه ويبغضه في ذنوبه، فإذا تاب لله توبة نصوحا واسترحم الله، الله خير الغافرين وهو أرحم الراحمين إِنَّ اللَّهَ هذه آية قرآنية إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ.

 وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ لمن عجّل بالخلاص من اللعب، وبالخلاص من اللهو، وبعدم الإهتمام والإكتراث بالزينة، واستحى من الله أن يفاخر، يستحي أن يفاخر أقرانه أو أن يفاخر قومه بما لديه من المال أو بما عنده من الأولاد، يستحي من الله عزّ وجل، فهذا الذي يبادر إلى طاعة الله، وإلى خشية الله، وإلى التفكر في اليوم الآخر أكثر من التفكر في الحياة الدنيا، فهذا له رضوان من الله، رضى من الله في الدنيا ورضوان في الاخرة وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا في النتيجة  إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ الغُرُور، الناس الذين مغرورون بأنفسهم، الناس الذين لا يتفكرون في الحقائق الكبرى، الناس الذي لا ينظرون إلى ما سيصيرون إليه سواء في مستقبل حياتـهم الدنيا أو في الحياة الآخرة.

       سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فإذاً قوله تبارك وتعالى في الآية الواحدة والعشرين سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. سَابِقُوا ما أجمل هذا السباق وهذا التنافس تنافسوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ(سورة المطففين: 26). سَابِقُوا وكيف يكون السبق، ومن هم السابقون، طبعاً السابقون، هم الأكثر يقيناً بالله عزّ وجل، الأكثر حرصاً على توحيد الله تبارك وتعالى، الأكثر فهماً لعزّة الله عزّت عظمته، الأكثر إنكباباً على فهم كتابه، هذا القرآن المجيد الذي هو مهيمن، مصدقٌ لـما بين يديه من الكتب التي أنزلها الله عزّ وجل وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ( سورة المائدة: 48). فإذا الذين هم أكثر طاعة لله، الذين هم أكثر تصديقاً لآيات الله، الذين هم أكثر أكثر صدقاً صدقاً مع الله عزّ وجل، ويبقى صفة هي من أعلى صفات أهل اليقين، الذين هم أكثر حباً لله عزّ وجل، الذين يحبون الله الحب الأعظم، الذين تمتلئ قلوبـهم بحب الله حتى الجمام، حتى يفيض هذا الحب على جوانب قلوبـهم، فيحبون بهذا الفيض ما يشاؤون من عباد الله ومن أنبيائه ورسله وأوليائه والأئمة الصالحين، يحبون هؤلاء بما يفيض على جوانب قلوبهم من حب الله، هؤلاء الذين يسبقون وهم كذلك درجات، والسبق إنما يكون إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَى مَغْفِرَةٍ لأنه حتى رسول الله محمد صلى الله عليه وآله، أمره الله عزّ وجل بالإستغفار، قال له إستغفر لذنبك وللمؤمنين، ووعده الله أن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فالجميع، إذا كان رسول الله محمد (ص) وهو سيد الأنبياء والرسل وزعيمهم، وهو من هو عند الله في الدرجة العالية، بحاجة لأن يستغفر الله وأن يسابق أقرانه من الأنبياء والرسل إلى مغفرة من الله إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ هنا، أود أن أتوقف قليلاً عند كلمة عرض، العرض أكثر الناس يعتبرون أن العرض ما يقابل الطول، أن الجنة لها طول ولها عرض فشكلها مستطيل على هذا الأساس، لا ليس الأمر كذلك، إنما العرض من عَرَضَ الشيء أو إستعرض الشيء، أنت تذهب إلى معرض للأقمشة أو معرض لأدوات الزينة أو معرض للأدوات الزراعية أو أشياء من هذا، هذا المعرض من عَرَضَ، فعرض الجنة إستعراضها من حيث مساحاتـها ومن حيث أبعادها، عرضها السماوات والأرض، وليس السماء هذه السماء الدنيا، لا جميع السماوات التي في الكون، والأرض ليست هذه الأرض فقط، وإنما بقية الأراضين اللواتي فوق كل سماء. لأن عندنا نحن الله عزّ وجل خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ(سورة الطلاق: 12) يعني سبع أراضين، وطبعاً كل سماء نحن عندنا السماء الدنيا ثم أعظم منها السماء الثانية، ثم أعظم من الثانية الثالثة، ثم أعظم من الثالثة الرابعة، إلى السابعة، وكذلك أعظم من أرضنا هذه الدنيا الأرض الثانية وأعظم من الثانية الأرض الثالثة وهكذا، وكل هذه الأراضين، كل هذه السماوات وكل هذه الأراضين تدخل في بناء الجنة، هي عناصر من جنات النعيم الموعودة. فإذاً وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ إيماناً يقينياً وآمنوا بــ رُسُلِهِ ولم يستثنوا منهم أحداً ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.

       الآية الثانية والعشرون مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ  الله أكبر والعزّة لله لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ.

       أما قوله تبارك وتعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ففيها معنيان، المعنى الأول، وهما معنيان متداخلان تداخلاً لا يدرك حسابه إلا من هو أسرع الحاسبين. فالمعنى الأول مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا الكتاب، الكتاب المحفوظ عند الله عزّ وجل، اللوح المحفوظ، إن الخطوط العريضة في حياة الإنسان مكتوبة له، من مثل الأعمار مثلاً، الأعمار مكتوبة لكل إنسان مكتوب عمره، من مثل طول الإنسان وعرضه وشكل بشرته وحجم دماغه وو .. وبعض الأشياء التكوينية من بداية خلقته. هذه أشياء مكتوبة، ومع الأشياء الكثيرة المكتوبة، المصائب التي تصيب الإنسان في حياته، مكتوبة عليه قبل أن يبرأ الله الأنفس، وقبل إبراء النفس هذا مكتوب. ولا يمكن فهم هذا إلا باعتمادنا على نظريتنا في قضية النشأة الأولى والنشأة الثانية، ونحن قلنا وكتبنا بفضل من الله تبارك وتعالى وبتسديد وتوجيه من الله عزّ وجل، أن للإنسان نشأة أولى، وأن كل الناس أكلوا من الشجرة، من شجرة الخطيئة وشجرة المعصية، وإلا لماذا يعذبـهم الله بمعصية أبيهم آدم وهو يقول: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى(سورة الأنعام: 164) ويقيناً أن ليس في القرآن تناقض، وأن الله عزّ وجل معاذ الله ومعاذ عزّته أن يناقض نفسه ويقول أعاقبكم بخطيئة أبيكم ثم يقولبيكم أبيأبي وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى فإذاً هناك نشأة أولى أكل فيها  كل البشر من شجرة الخطيئة إلا من رحم ربك، من الرسل أولي العزم، ولهذا  كلام نتكلمه في حينه وقد ذكرناه في مكانه. فإذا هذا في النشأة الأولى، وفي النشأة الأولى كان الناس مكلفين، فأرسل الله إليهم أنبياء وأنزل عليهم كتبا، ثم لِما ترتب عليهم من الدرجات في النشأة الأولى أهبطوا بـهذه الدرجات إلى الأرض، تبعاً لدرجاتـهم كان مكتوباً عليهم أن يصابوا بـمصائب شتى، تبعاً لدرجاتـهم في النشأة الأولى وطبعاً الله يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ(سورة الرعد: 39) وما  أغفره لمن يستغفره، وما أكرمه لمن يبادر إلى تصحيح وضعه وإلى ترميم نفسه في الحياة الدنيا في النشأة الثانية، وقد فتح الله لهم مجالات واسعة جداً، من تحصيل الثواب وتحصيل الأجر والتعبد والطاعة والتصديق بآيات الله والتصديق بعزّة الله، ووعدهم بالمغفرة والتوبة عليهم إن هم استغفروا وتابوا إلى الله التوبة النصوح، وهذا بشأن المصائب المكتوبة للناس. وهل يمكن تلافيها، في هذا كلام يتعلق بـهمة الإنسان وبحسن توجهه إلى الله تبارك وتعالى وبمدى يقينه، وبمدى فهمه للتوحيد والبعد عن الشرك الظاهر وعن الشرك الخفي، الإجتهاد بأن يتخلص العبد لله من الشرك الظاهر أولاً ومن الشرك الخفي ثانياً، هذا الشرك الذي قال فيه رسول الله محمد صلى الله عليه وآله: “إنه كدبيب النمل في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء”، أنه لا يكاد يرى ولا يكاد… لذلك الشرك الخفي شرك مهم جداً أن يتخلص منه الإنسان، وأن يبذل أقصى ما يستطيع من الجهد ليتخلص منه، فيصبح أقرب إلى رحمة الله، وإلى ثوابه وإلى رضاه ورضوانه، وليرفع عنه العنت في المصائب أو يخفف عليه من شأنـها. يبقى المعنى الثاني من الآية الكريـمة مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أما الشأن الثاني في الآية الكريمة بالنسبة للمصائب المكتوبة والمقدّرة منذ أن أبرأ الله الأنفس أو من قبل أن يبرأ الله الأنفس، فالشأن الثاني متعلق بالتوبة النصوح وبالإستغفار من الذنوب السابقة: وبالدعاء قوله تبارك وتعالى: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ(سورة الفرقان: 77) فمن اليقينيات المعلومة عن العلاقة بالله عزّ وجل وعن علاقته بعباده أنه كثيراً ما شدّد على الدعاء، وعلى أنه سبحانه وتعالى يستجيب دعاء الداعي إذا دعاه، طبعاً بشروط منطقية وعقلانية ومعروفة، هي أنه لا يقبل الدعاء من كل إنسان، يعني عقلاً لا يقبل الدعاء من فاجر فاسق يدعو ثم يتابع فجوره وفسوقه، ولا يقبل الدعاء من معاند يدعو ثم يتابع عناده، ولا يقبل الدعاء ممن لا يلتزم بآيات الله ولا يلتزم بكتاب الله، ويشكك بالقرآن الكريم، ويشكك ببعثة رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم يدعو فمن الطبيعي جداً أن لا يُستجاب دعاؤه، فإجابة الدعاء لها شروط معلومة عقلاً ونقلاً، وأبرزها الإخلاص لله تبارك وتعالى، وأبرزها الصدق والتصديق بكتاب الله وبآيات الله، وأبرزها التوحيد وفهم التوحيد والحرص على التوحيد وعلى فهم التوحيد، وذلك يعني الخلاص كما قدمنا من أنواع الشرك الظاهر والشرك الخفي(…) دارجة كثيرة لهذه المعاني، ناس ظاهرٌ فسادهم يـمدّ لهم الله ما يشاء أن يـمد لهم، ونراهم في بعض حيواتـهم أو في أخرياتـها يموتون أسوء الميتات، في أخرياتـها أو في أثناء حيواتـهم أو يصابون أشرّ المصيبات، بأنواع الأمراض وأفتكها، ويعانون أشد المعاناة، هذه أشياء نراها يومياً أو نسمع بأخبار الناس، ومن شاء فليذهب وليشاهد نماذج وأمثالاً عن أنواع من المصائب في أمكنة المصائب التي هي المستشفيات والمستوصفات وعلى العيادات الطبية وما شاكل. أليست هذه بـمصائب، أن يصاب الإنسان بـمرض خطير يظل كل حياته يتعالج منه دون أن يشفى، سرطان، سكري، كلاوي، غسل كلاوي،كبد تشمع بالكبد، أنواع عديدة، واليوم من هذه الأمراض الدارجة الحديثة الإيدز، وقضايا الصداع الدائم ما أدري اسمه العلمي “الشقيقة” والميغرين وما أدري أسماء كثيرة فما هذه، هذه مصائب، هل يستطيع الإنسان التخلص من هذه المصائب في الحياة الدنيا إذا وقع في مصيبة من هذا القبيل، إبتلاء من هذا القبيل، نحن نعلم وأنتم تعلمون، ونقول والحمد لله أنتم تقولون، أنه نعم يستطيع بقدرة الله. الله ما أمرنا بالإستغفار إلا ليغفر لنا، وما أمرنا بالدعاء إلا ليستجيب لنا، ومن يظن غير هذا فهو خارج من دين الله، ومن يظن أنه إذا دعا الله مخلصاً له دينه، ومخلصاً لله قلبه، ومخلصاً لله جوارحه، ولا يشرك بالله أحداً، ولا يدعوا مع الله أحداً، ولا يستجير بأحد من دون الله عزّ وجل، ولا يلجأ إلى أحد غير الله، فمن ظنّ أن الله لا يستجيب له فهو كافر. الله قريب وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ(سورة البقرة: 186) وأمرنا قال ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ(سورة غافر: 60)  فكيف الله عزّ وجل يأمرك بالدعاء وتدعوه ولا يستجيب لك، بلى لا يستجيب لك إذا كنت شاكاً بقدرة الله، إذا كنت شاكاً بأن الله معك، إذا كنت تلجأ إلى الله وتلجأ إلى غير الله، إذا كنت تدعو الله وتدعو غير الله، فكيف الله يستجيب لك، أنت تذهب إلى أحد الملوك أو أحد رؤساء الجمهوريات أو أحد المتنفذين في المجتمع، أصحاب مراكز القوى، وعنده حاجب من الحجّاب، فأنت تذهب إلى هذا الحاجب، ترشوه، تعطيه المال وتقدم له الهدايا، ليقربك أو يؤمّن لك مصلحة من المصالح من وراء ظهر سيده الذي هو في مركز القوى، فإذا عرف سيده (…) ويطردك عن بابه إذا لم يطرد الحاجب ويؤدبه. الله عزّ وجل أعظم بـما لا يقاس، وأغير بـما لا يقاس، أشدّ غيرة بـما لا يقاس، فأن تدعوه وتدعو أحداً من عباده معه، أن تستنجده وتستنجد بأحد من عباده غيره، هو أقرب إليك من حبل الوريد تتركه، تتخلى عن الله عزّ وجل وهو أقرب إليك من حبل الوريد، وتنادي أحد مخلوقاته يا فلان أدركنا، ويا فلان أسعفنا، ويا فلان دبرنا، والله معك ولا تطلب من الله وهو يقول لك ادْعُونِي أنا أيها الناس، فمن هنا المصائب للذين لا يقدرون الله حق قدره، للذين يشركون بالله من عباده من مراكز القوى، ومن خلقه سواء كانوا أناساً صالحين مثل أولياء الله أو كانوا أناساً فاسدين مثل أعداء الله، الله عزّ وجل لا يقبل، هو القادر على كل شيء، وهو السميع القريب، وهو السميع المجيب، ولا يقبل من عبده ومن عباده أن يستغيثوا بغيره وأن يلجأوا إلى غيره. فإذا الإنسان نظف نفسه وطهرها من الشرك الظاهر والشرك الخفي وتوجه بكليته ظاهراً وباطناً، لجأ إلى الله، فالله عزّ وجل يكفيه شرور الدنيا وشرور الآخرة وما أكرمه وما أقدره وما أكرمه.

       فإذاً مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ ذكرنا المعاني المتعلقة بـها مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ   لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ.  لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ هي متعلقة بالمعنى الأول، أنه إذا كانت هذه المصائب مقدرة على الناس، فما دام هذا آتٍ لا محالة من حيث كونه مقدراً على إنسانٍ ما، فما ينفعه أن يـَحزن إذا كان ما يُـحزن، ولا ينفعه أن يفرح كثيراً إذا كان ما يفرح، فهنا الأمر من الله عزّ وجل أن يكون الإنسان معتدلاً متوازناً في تلقي هذه الأمور والتعامل معها، إذا أتته الخيرات أن لا يبطر، وإذا أتته المصائب أو الإمتحانات أن يصبر، فبهذا يكون في حالة توازن وفي حالة إعتدال، والدين في معظمه دين الإعتدال، الإسلام هو دين الإعتدال ولله الحمد.

       لِكَيْ لَا تَأْسَوْا تأسوا: تحزنوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ كل مختال في نفسه، في مشيته، تصرفاته، بظهوره أمام الناس، يفتخر بمكاسبه، يفتخر بنفسه، يفتخر بعلمه، يفتخر بـماله، يفتخر بـمقتنياته، يفتخر بولده، يفتخر بأية نعمة أنعمها الله عليه، وكل النعم هي من الله تبارك وتعالى فلا يجوز أن يفتخر الإنسان بـها اللَّه لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وإنـما يجب على المرء أن يحمد الله على النعمة وأن يشكره عليها لَئِنْ شَكَرْتُمْ  لَأَزِيدَنَّكُمْ  قال الله عزّ وجل: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ(سورة ابراهيم: 7).

       الآية الرابعة والعشرون الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ربطاً بالآية السابقة وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ يكون لديهم ما يكرمون به كما أمر الله، والله أمر بأداء الحقوق، والله أمر بالصدقات، والله أمر بأعمال البر، فبعض الأغنياء الذين يستطيعون أن يقوموا بـهذه الأعمال الصالحات يبخلون بـها. فلا يؤدون الحقوق كما أمر الله، ولا يؤدون أعمال الصدقات، ولا يقومون بأعمال البر يعملون الصالحات، ولا يكتفون بـهذا بأن يبخلوا وإنـما يأمرون الناس بالبخل، ويبخلون ويأمرون الناس بالبخل، هؤلاء الناس قد تعرفون منهم الكثير، يبخلون بأداء الحقوق التي فرضها الله، أداء الخمس وأداء الزكاة. يعني ومعلوم في طول المجتمع وعرضه، أن في الفقه موظفو الدولة مثلاً والموظفون في الشركات والمؤسسات وإلى آخره… يقبضون راتباً من الدولة، الفقه حَكَمَ بأن هذا الراتب المقبوض من الدول التي لا تحكم بالإسلام، يختلط في هذا الراتب الحرام والحلال، فما اختلط فيه الحلال والحرام وجب تخليصه حتى يصبح سائغاً ويصبح حلالاً على صاحبه في النفقة، فلا يـَحِل هذا المال ولا تَـحِل هذه الرواتب سواء كانت شهرية أو يومية أو إسبوعية أو سنوية في المجمل العام إلا إذا خُـمِّست، فمن يُـخمّس إلا من رحم ربك هذا مثل من الأمثلة. فـ يَبْخَلُونَ وإذا وجدوا أحداً يؤدي الخُمس يؤدي الزكاة، يقوم بأعمال البرّ، يتصدق، يكرم والله يحب الكرماء، فينتقدونه ويحاولون منعه ويحاولون ردعه، (تصبح فقيراً، بتخسر كذا …) وهذا قرض حسن لله عزّ وجل، معلوم أن من يؤدي الحقوق ومن يؤدي أعمال البرّ والصدقات أمام الله، الله يضاعف له، فهم يقولون: لا أنت تصبح فقيراً أنت تخسر فـ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ ومن يتول منهم، يدير ظهره للدين، ولأمر من أوامر الله عزّ وجل ولنواهيه وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ لا أحد غني غير الله، يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، يا أيها الناس جميع الناس في عمر البشرية أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ الحميد المحمود في كرمه، المحمود في غناه، وإذا لم يُـحمد فهو يـحمد نفسه بنفسه حميد ويـحمد نفسه بنفسه وهو غني عن خلقه عن مخلوقاته. إذا حُمِدَ فهو يحب الحامدين ويحب الشاكرين وإذا لا فهو غني عن العالمين.

       قوله تبارك وتعالى ننتقل: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ فربطاً بـما سبق الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ. لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ بالآيات البينات، بالأوامر البينات، أدّوا الحقوق يا ناس، الله عزّ وجل رزقكم أموالاً فيها حقوق لغيركم من الناس، الله أمركم بالصدقات، الله أمركم بالزكواة، من جملة الآيات البينات التي أرسل الله بـها الرسل وزاد على هذا وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ الكتاب الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويأمر بالكرم وينهى عن البخل، كرم اليد، كرم النفس وأنواع الكرم  لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ الميزان: هو التفريق بين الحقّ والباطل، أنزل الميزان وهو فعل الخيرات، وهو خلاصة كلمة الميزان العدل، وهو ضد الجور ضد الظلم بِالْقِسْطِ والميزان ليكون بالعدل، القسط: العدل.

       وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ أما إنزال الحديد، فالعلم يقول اليوم أن الحديد أُنزل من كواكب أخرى، هذا بإختصار شديد، ومؤخراً  كثر الحديث عن هذا في بعض الصحف والمجلات العلمية، وعلى أي حال فالله عزّ وجل جعل الحديد في الأرض من صفاته أن فيه بَأْسٌ شَدِيدٌ قوة وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ طبعاً معلوم هذه المنافع في بناء البيوت، وفي بناء المركبات الآلية، وفي بناء الأجهزة، وفي منافع كثيرة للحديد ما شاء الله ما أكثر منافعه وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ  أخذ السلاح، إستعمال السلاح وجعله من الحديد، سواء كان سلاحاً في أيام الحروب الماضية قبل الحروب النارية والنيوترونية والذريّة التي نشهدها اليوم، وأنواع الأسلحة تُتخذ من الحديد حتى أنواع هذه القذائف وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ في قتال أعداء الله وأعداء دينه إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ لعباده يقويهم ويعزّهم ولا يكونون وحدهم في ساحات العمل أو في ساحات الجهاد أو في ساحات القتال.

       وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ والكلام أنه ليس بالضرورة أن يكون أبناء النبيين والرسل، أن يكون جميعهم من الصالحين. الله عزّ وجل يعطي مثلاً على هذا، ولا أبناء أولياء الله أن يكونوا جميعهم حصراً  من الصالحين. الله عزّ وجل يعطي مثلاً لنعرف كيف نتعامل مع الناس إعتماداً على صفاتـهم، إعتماداً على سلوكهم، وإعتماداً على دينهم وتدينهم وصدقهم مع الله عزّ وجل، وأعطى هذا المثل وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وهم من أعاظم الأنبياء  وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ من هولاء الذرية وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ.

       ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ أتبعنا عَلَى آَثَارِهِمْ بعدهم  بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ الكتاب المعروف وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً هنا يستحب الوقوف عند رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ.

       فإذاً وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ من النصارى رَأْفَةً وَرَحْمَةً وهذا شيء جميل بالنسبة لمعرفة التعامل مع النصارى في أيام السلم، مع النصارى غير الذين يقاتلون في ديننا أو في بلادنا أو في أوطاننا، فهم نعم الأقوام نعم القوم. الله عزّ وجل جعل في قلوبـهم رأفة ورحمة، وهذه الصفات التي تدل على رقة القلب وعلى طيبته، الرأفة والرحمة، بخلاف ما قاله عن اليهود  لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً قوله تبارك وتعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ .سورة المائدة: 82 . ثم يؤكد في هذه الآية هذا المعنى، الله جعل في قلوبـهم، الذين اتبعوا عيسى المسيح سلام الله عليه، جعل في قلوبـهم رأفة ورحمة وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ ثم الله عزّ وجل لم يفرض فيهم ما نعرفه منها ما نسميه الرهبنة أو الرهبانية، الرهبانية هي إعتكاف طيلة عمر الراهب في ديره أو في صومعته وإمتناعه عن الزواج كثيراً منهم، كثيراً منهم يـمتنعون عن الزواج، والبعض يتزوجون حسب مذاهبهم، وكذلك الراهبات لا يتزوجن، يـخطبن أنفسهن للمسيح عليه السلام، الله عزّ وجل يقول أنـهم بعد ما فرضوها على أنفسهم، نحن قبلنا بـهذا ما رفضنا، لنرى ماذا تكون النتيجة، ونسجل عليهم ما كان خيراً فخير وما كان شراً فشرّ مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ لعلهم يرضون الله بذلك أو يـُحصِّلون رضوان الله بـهذه الرهبانية، فيقرر الله عزّ وجل  فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ في الدنيا والآخرة وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ فنعوذ بالله ونستجير بالله وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .سورة الأنعام: 13. ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .سورة الحديد: 3،  وهو بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ .سورة فصلت: 54.

 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا الآية الثامنة والعشرون ما قبل الآية الأخيرة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

       يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ إخشوا الله، خافوا الله، ترقّبوا الله في أعمالكم، راقبوا أنفسكم، اجعلوا الله رقيباً عليكم في أعمالكم وفي تصرفاتكم وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ حظين مِنْ رَحْمَتِهِ

بدل الحظ الواحد وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ يا الله ما أعظم وما أحلى هذا النور تَمْشُونَ بِهِ في الدنيا وكذلك كما رأينا في استعراضنا للسورة وفي الآخرة  وَيَغْفِرْ لَكُمْ وأنتم بـحاجة للغفران لمغفرة الله  وَاللَّهُ في النتيجة القصوى غَفُورٌ رَحِيمٌ ما أغفره وما…

       لِئَلَّا يَعْلَمَ آخر آية في هذه السورة المباركة  لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.

لِئَلَّا يَعْلَمَ لكي يعلم أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ ليفهموا وليتيقنوا أنـهم لا يقدرون على شيء من فضل الله بإستقلاليتهم عن الله، لا يقدرون على شيء من فضل الله بأن جعلوا على أنفسهم رهبانية فخانوها ولم يرعوها حق رعايتها، لكي يعلموا أن الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّه جميعاً هو الذي  يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ من عباده وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت إغفر لنا وتب علينا وارحمنا إنك أنت التواب الرحيم.

شارك