بسم الله الرحمن الرحيم

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. تفسير سورة لقمان وهي مكية وهي أربعٌ وثلاثون آية، ورقمها في المصحف الشريف واحد وثلاثون قال الله جلّ وعزّ:  ( لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا ) سورة النساء الآية 166.

السورة المباركة هي التالية مع تفسيرها، قوله جلّ وعزّ بسم الله الرحمن الرحيم : الم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)

خمس آيات، قوله تبارك وتعالى بسم الله الرحمن الرحيم : ( الم ) من المثاني من الأسماء الحسنى وقد شرحناها بإسهاب في كتابنا العقل الإسلامي فمن شاء فليراجع. أما قوله جلّ وعزّ: ( تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ) أي ( ألم ) ومفاتيح السور الباقية هي آيات الكتاب الحكيم أو المثاني الباقية ( هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ ) الآية الثالثة ( هُدًى ) هداية إلى الحقّ، وإرشاد إلى ما فيه خلاص الإنسان في الدنيا والآخرة، (وَرَحْمَةً ) بتفضل من الله، ورأفة للمحسنين، الذين يحسنون القول والعمل، الذين يحسنون القول مقروناً بالعمل. ثم الآية الرابعة ( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) وكأنها شرح لقوله جلّ وعزّ لكلمة المحسنين وهم الذين يقيمون الصلاة الفريضة ويؤتون الزكاة يؤدون حقوق المال للمستحقين ( وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) وهم لا يشكون لحظة ولا يرتابون في قيام الساعة ويوم الحساب (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) الآية الخامسة فإذاً أُولَئِكَ عَلَى هُدًى أي على حق على صراط الله المستقيم ( أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ) بتفضل من ربهم ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) أي هم الناجحون الفائزون في الدنيا والآخرة.

 ثم قوله تبارك وتعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وقُرِئَت لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7) آيتان السادسة والسابعة قوله جلّ وعز ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وليَضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.

( يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ) أي يقبل على اللغو من الحديث، ولهو الحديث هو التسلي والتفكّه في الأحاديث، وهي الأحاديث التي لا يكون فيها ذكر لله تبارك وتعالى، ولا فيها كلام حقّ، وكلام جدّ مما يقبله الله ويرضاه فـ ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أو ليَضِلَّ عن سبيل الله)فهو في الحالتين سواء، يَضِل يعني يُضِل نفسه ويُضِل غيره عن سبيل الله الذي هو الطريق الحق المؤدي إلى رضا الله ورضوانه في الدنيا والآخرة ( لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) (بِغَيْرِ عِلْمٍ) بغير قصد وبغير تصميم ومع ذلك فهو مؤاخذ جداً على سلوكه (وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ) يتخذ الآيات بالسخرية والإستهزاء (أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) العذاب المهين هو العذاب المؤلم الذي فيه إذلال وإهانة.

 أما قوله تبارك وتعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا لهذا الصنف من الناس وَلَّى مُسْتَكْبِرًا

فإذاً وصلنا إلى قوله جلّ وعزّ ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا ) (كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا) كأنها لم تطرق سمعه ( كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا ) الوقر الثقل في الأذنين الذي يحول دون الإنسان ودون أن يسمع ( فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) بشّره هنا البشرى عادةً تكون بالخير وإنما هنا قال ( بَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) بالشرّ الكبير وكأنما يهزأ به لأنه كان يهزأ بالآيات ويولّي مستكبراً إذا سمعها.

 فأنتقل إلى قوله جلّ وعزّ ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ، خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) كذلك آيتان وهما وكأنهما في مقابل الآيتين السابقتين وفيهما ثناءٌ على المؤمنين ووعدٌ من الله لهم بالخير العميم وقوله ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) واضح ذكرنا من عمل الصالحات إقام الصلاة وإيتاء الزكاة واليقين بقيام الساعة ويضاف إلى ذلك أعمال البرّ والصدقات والسلوك الحسن والإستقامة وكلّ ذلك من الصالحات ( لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ) واضح الجنّات التي يتنعّمون فيها في الآخرة ( خَالِدِينَ فِيهَا ) ليس فيها موتٌ ولا إنقطاع (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ) وهو الوعد الصدق اليقيني الواقع من الله تبارك وتعالى ( وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) وهو الحاكم الفرد، الْحَكِيمُ من الحكمة ومن الإحكام في خلقه وفي حُكمه.

ثمّ الآية العاشرة وفيها يدل على آثار عظمته في خلقه قوله جلّ وعز: ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ).

 وقوله تبارك وتعالى: ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ) عمد جمع عامود يعني لو كان لها عمد للسماوات لرأيتموها والمقصود هنا السماوات وما فيها ولا سيما السماء الدنيا التي نراها ولا نرى أنها ترتكز على شيء رغم اتساعها وعدم ظهور حدود لها ناهيك بالسماوات التي فوقها وناهيك بما فوق السماوات مما لا يعلمه إلا الله وبعض رسله الذين اصطفاهم وأسرى بهم وأطلعهم على بعض مدهشات ومذهلات عجائب ملكه وملكوته وصولاً إلى ساحة عرش عزّته. أما قوله تعالى: ( وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ ) الرواسي هي الجبال وأن تميد بكم أي أن تهتز وتميل في الجهات ( وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ ) وبثّ في الأرض من كلّ دابةٍ مما يمشي على رجلين أو يمشي على أربع أو يزحف على بطنه من شتى أنواع الوحش ومن الحيوانات الأهليّة والبريّة ومن أنواع الحشرات والطير ثمّ قوله جلّ وعزّ ( وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ) ( وأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء ) الغيث المطر الذي لولاه ليبست الأرض وتيبّس معها الإنسان والحيوان والنبات و( مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ) من كلّ نوعٍ جيدٍ نافعٍ محترم لهذا الإنسان الذي كرّمه الله وكذلك من بين جميع خلقه.

 ثمّ قوله تبارك وتعالى: ( هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ) الآية الحادية عشرة قوله جلّ وعزّ ( هَذَا خَلْقُ اللَّهِ ) أي السماوات التي بغير عمد والأرض التي خلق فيها ما ذكره تبارك وتعالى من العجائب، من عجائب خلقه ومما يستحيل على أيّ مخلوقٍ أن يأتي بمثله (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ) ( الَّذِينَ مِن دُونِهِ ) من الجن أو الملائكة أو البشر الذين تعبدونهم وتدعونهم وتزعمون أنهم يستجيبون لكم ماذا خلق جميع هؤلاء؟ ماذا خلق المسيح ومحمد (ص)؟ وماذا خلق عليّ بن أبي طالب والأئمة الأخيار؟ أليسوا جميعاً عبيداً ضعفاء خاشعين خاضعين مستكينين لعزّة الله وقهره وكبريائه وعظمته في عظيم ملكه وعجائب خلقه وقدرته التي لا تحاول ولا تطاول ( بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ) كفاية الآية بل الظّالمون الذين يزعمون أنّ غير الله خلق أو يخلق والظالمون الذين هم يدعون غير الله ويستجيرون بغير الله ويظنون الألوهة أو بعض الألوهة في غير الله جلّ وعزّ وتبارك وتعالى عما يشركون وعما يصفون.

 ثمّ قوله تبارك وتعالى في الآية الثانية عشرة ( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) وقوله تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ) لقمان معروف هو أحد الحكماء ليس رسولاً ولا نبياً وإنما جعل الله له مكانةً ومقاماً لحكمته ولسلوكه واستقامته في الحياة قولاً وعملاً ( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ) وخلاصة الحكمة كلها الشكر لله تبارك وتعالى وجلّ وعزّ ثمّ يقول: ( وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ) أي من يشكر لله تبارك وتعالى فإنما يشكر لأجل نفسه ( وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) ومن كفر أي من لم يشكر نِعم الله الجليلة السابغة فمن لم يشكر يكون كمن كفر يكون قد كفر وقد قال في مكانٍ آخر من هذا القرآن المجيد (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ سورة ابراهيم الآية 7) أي هنا الكفر بمعنى كفر النعم وليس الكفر بالله. فنعود إلى قوله في الآية التي في لقمان إلى قوله تعالى ( وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) غنيّ عن شكر خلقه وهو الحميد المحمود في السماوات وفي الأرض وهو الذي يحمد ذاته بذاته الغنيّ عن مخلوقاته.

 ثمّ قوله تبارك وتعالى ( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ يعظ إبنه ( يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ) لا تجعل لله شريكاً بشكلٍ من الأشكال من وثنٍ أو صنمٍ أو بشرٍ أو نبيٍّ أو إمامٍ وكلّ هذا من الشرك الذي لا يقبله الله جلّ وعزّ و( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) أي أن الإنسان المشرك بالشرك يظلم نفسه ويوقعها في خزي الدنيا والخلود في عذاب الآخرة.

 هذه الآية الثالثة عشرة ثمّ الآية الرابعة عشرة قوله تبارك وتعالى ( وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) الآية الخامس عشرة قوله تعالى ( وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ ) بأمه وأبيه ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ) أيّ ضعفاً على ضعف في مراحل الحمل كلها ( وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ) أيّ فطامه، فصاله عن الرضاع في مدة عامين ( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ) وهذه الوصاية من الله أو الوصية هي ( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ) أيها الإنسان وهذا من عظيم العطاء من الله للوالدين في أيّة حالةٍ يكون اعتقادهما ( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ) وقد قرن شكر ذاته بعزّته بشكر الوالدين ولم يقرن هذا الشكر ولم يجعل هذا الشكر لأيّ صنف آخر من الخلق غير الوالدين فإذاً ( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) المرجع ( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) وإن جاهداك والداك على أن تشرك بي أي بالله ما ليس لك به علمٌ ( فَلا تُطِعْهُمَا ) فلا تستجب لهما ( وَصَاحِبْهُمَا مع ذلك فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ) بالمعروف وبالحسنى ولا تغضبهما ( وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ) أي من رجع إلى الله تبارك وتعالى خاشعاً عابداً مخلصاً قلبه وعمله لله سواءً كان الأب أو الأم أو كان كلاهما من المنيبين المطيعين لله جلّ وعزّ فاتّبع سبيلهما هذا في مقابل قوله تعالى ( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا) فإذاً كفاية الآية ( ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) إليّ مصيركم فأخبركم بما كنتم تعملون وأنّ الله لا يفوته شيء من أعمال خلقه.

 ثمّ قول الله تبارك وتعالى في الآية السادسة عشرة ( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) هو دليل على مدى إحاطة الله عزّ وجلّ بدقائق الأشياء في ظاهرها وباطنها ( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ) طبعاً حبة الخردل هي من أدق أنواع تكاد تكون كحبيبة الغبار ( فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ ) في صخرة من صخور الأرض في الجبال أو في البوادي أو في الأودية ( أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) إنه لا يفوته شيء يرى كلّ شيء في الوجود في العوالم وفي الأكوان ويناسب العلوم الذرية المعاصرة في هذه الأيام قوله جلّ وعزّ (لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ سورة سبأ الآية 3).

 ثمّ ننتقل إلى الآية السابعة عشرة قول الله تبارك تعالى ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) طبعاً ما زال الكلام للقمان على لسان لقمان ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ ) أيّ شكراً لله وتعظيماً له وحباً به سبحانه ( وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ ) المعروف هو ما وافق كتاب الله والسُنّة ( وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ ) المنكر هو ما خالف الشرع والفطرة السليمة ( وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ) ما يصيب الإنسان من المصائب من أنواع المصائب في حياته، في الأنفس أو في الأولاد أو في الأموال، وما يتعرض له الإنسان من المحن والإمتحانات من مرض في نفسه أو في بدنه أو ما يشابه ذلك، فإذا صبر الإنسان على ذلك وكان الأمر فيه عقوبة فيجب أن يصبر ويستغفر فيجد الله تواباً غفوراً وينجيه مما هو فيه، وإذا كان إمتحان، إبتلاء يريد الله له به رفع درجته إذا صبر، فإنه كذلك يجب أن يصبر والصبر عبادة وهو من أفضل العبادات قوله تبارك وتعالى ( إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) أيّ من الأمور التي فيها عزيمة وثبات على دين الله ويقينية بقوة حضوره ورعايته فإنه لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه سبحانه.

ثمّ الآية الثامنة عشرة والتاسعة عشرة وهي متابعة لمكارم الأخلاق التي ألهمها الله تعالى للقمان أن يقولها لإبنه وأن يستفيد منها عامة الناس ولا سيما القرآنيون وقوله جلّ وعزّ: ( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا ).

 (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ) لا تعرض عنهم تكبّراً ( وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا ) أي بطراً وخيلاء (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) كلّ متكبر متباهٍ بنفسه يراها أفضل من جميع الناس (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ) إعتدل في مشيك سواءً كان على رجليك أو كنت في سيارةٍ أو درّاجة فالأمر من الله أن تعتدل في مشيك ولا تسرع ( وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ) أي إخفض من صوتك في الدعاء ومناجاة الله تبارك وتعالى وفي كلّ حال في بيتك وفي شأنك في عملك وفي الطريق وفي المجالس، فإن خفض الصوت من الأخلاق العالية التي يحبها الله تبارك وتعالى، وقد قارن هنا قبّح الصوت العالي لغير ضرورة بأصوات الحمير و( إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ).

 ثمّ ينقلنا الله تبارك وتعالى إلى الأدلة الدامغة على كرمه وعلى جوده وأنه يجب أن يطاع فيما مضى وفي كلّ ما يأمر به، فيما مضى من الحض على مكارم الأخلاق وفي كلّ ما يأمر به تبارك وتعالى يقول في الآية العشرين:

 ( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ ).

 ( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ ) مما فيها من الشمس والقمر أو الشموس والأقمار والنجوم وتجمّع السحاب وإنزال المطر على الأرض، سخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض من حيوانٍ ونباتٍ وبحارٍ وما فيها من عجائب الخلق ومنافعه ( وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) وَأَسْبَغَ أتم عليكم نِعَمَهُ ما تعرفونه ترونه في الظاهر من ظواهر أجسامكم وظواهر الخلق من غير المغيّبات عنكم في الوجود، فإذاً ( وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) وَبَاطِنَةً في أنفسكم وفي أعضائكم وفيما يخبئه لكم من أسرار خلقه في أنفسكم وفي ملكه وملكوته (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ ) ومن الناس من يجادل بالباطل في الله بغير علم   يعتمد عليه ولا منطق عقليّ مقبول عند العقلاء وعند الحكماء، ولا هدى من الله تبارك وتعالى يهدي به قلبه إلى طريق الحق، ولا كتاب منير مُنزلٍ من لدن الله يَحتجّ به في أموره وفي قضاياه على نفسه وعلى الناس، والكتاب الأفضل الذي يُحتجّ به يستطيع أن يحتجّ به الإنسان هو الأفضل تحت هذه السماء الدنيا هو هذا القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لأنه تنزيلٌ من حكيم حميد كما قال هو فيه سبحانه وتعالى. ولكن الطامّة الكبرى في هذه الأيام أن أصبح الكثيرون من القرآنيين أصلاً، أو من الذين يجب أن يكونوا قرآنيين أصلاً، أخذوا يحتجّون ويحاجّون بغير آيات الله، أخذوا يعتمدون الرواية دون الآية مع العلم أن كل رواية مطعون بها حتى تثبت صحتها بينما الآية هي على أعناق الناس لأنها تنزيلٌ من حكيم حميد.

 يقول الله جلّ وعز: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ) الآية الواحدة والعشرون.

 ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ ) في كتابه الكريم من الآيات البينات (قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا ) من الروايات التي كثيرٌ منها ما يكون مدسوساً ومضافاً ومختلقاً ومن الإسرائيليات ومن الزنادقة ( قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا ) من الروايات ومن العادات السيئة ومن البدع، يقول الله عزّ وجلّ (أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ) أَوَلَوْ كان هذا الفعل من فعل الشيطان ومن فعل شياطين الإنس والجنّ وعلماء الضلالة أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ إلى عذاب النار والتخليد في النار.

 ثمّ يقول جلّ وعز في الآية الثانية والعشرين: ( وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ) في مقابل الذين يقولون نتبع ما وجدنا عليه آباءنا يقول الله عزّ وجلّ ( وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ) أي يُسلّم كُلّيّـته إلى الله واثقاً أنّ الله تعالى يكفيه ما يشغله الإهتمام به وَهُوَ مُحْسِنٌ أي محسن فيما يتوجب عليه من أعمال ( فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ) العروة هي فتحة يحكم بها شدّ شيئين إلى بعضهما، والوثقى أي الوثيقة الثابتة التي لا تنفصم. فإذاً ( وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ) يوم الحساب ثمّ بعد الحساب إمّا إلى جنّة وإما إلى نار وهنا في الآية الكريمة إلى نعيم الله والخلود فيه.

الآية الثالثة والعشرون ( وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ).

 ( وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ ) واضحة ( إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ) ورجوعهم ومجيئهم وحشرهم ( فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا ) نخبرهم بما عملوا تفصيلاً ( إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) إن الله عليم حتى بنواياهم حتى بما سيقولون قبل أن يقولوا ذلك معنى (عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ).

 ثمّ قوله جلّ وعز في الآية الرابعة والعشرين: ( نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ).  (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ) في الحياة الدنيا ( ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ ) نسوقهم مكرهين (إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ) إلى عذاب شديد في الآخرة.

الآية الخامسة والعشرون ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) أي أُحمد الله واشكره على حقيقة يقّر لك بها الخصوم وهي التوحيد وأنّ الله على كلّ شيء قدير، قوله تعالى ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) لا يعلمون كيف يجب أن يوقّر الله وأن يعظّم وأن يعبد.

 ثمّ قوله جلّ وعزّ في الآية السادسة والعشرين ( لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ). (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) ما في الوجود كلّه ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ ) عن العالمين (الْحَمِيدُ ) المحمود في السماوات والأرض والذي يحمد ذاته بذاته وهو الغنيّ عن مخلوقاته.

 الآية السابعة والعشرون ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) أي لو قُطِعت أشجار الغابات الشاسعة التي فيها ما لا يعد من عمالقة الأشجار وصُنِع منها مليارات الأقلام ( وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ) أي البحر من مداد، أي من حبر للكتابة يرفده من بعده من بعد نفاده سبعة أبحرٍ من المحيطات، واندفعت الأقلام كلّها تكتب بعد أن تغطى في بحار الحبر لنفدت البحار وهلكت الأقلام ولما نفدت كلمات الله فيما يزيد في خلقه في العوالم وفيما يقول ويعلّم، ويعلّم أهل السماوات والأرض.

 ثمّ قوله جلّ وعزّ في الآية الثامنة والعشرين ( مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) أي ما خلقكم أيها الناس أيها البشر ( إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) يخلقها الله دفعياً بكلمة كن فيكون ومَّا خَلْقُكُمْ هكذا خلق الله البشر جميعاً خلقاً دفعياً بعد النموذج آدم وحوّاء خلقهم خلقاً دفعياً رجالاً ونساءً، وابتلاهم في النشأة الأولى فما نجحوا معظمهم وأكلوا من الشجرة كما هو منصوص عليه في القرآن المجيد من شجرة الخطيئة وتفرعاتها، وهكذا غضب الله عليهم وأهبطهم من نشأتهم الأولى إلى النشأة الثانية هذه التي نحياها في الحياة الدنيا وإنما إهباطاً ليس دفعياً ليبعثهم من جديد كذلك دفعةً واحدةً، وذلك قوله تبارك وتعالى ( مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) على مستوى الأكوان وعلى مستوى الوجود ومن هذه الأكوان ومن هذا الوجود الأرض وأهل الأرض جميعاً.

 ثمّ قوله في الآية التاسعة والعشرين: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ).

 وقوله تعالى ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ) وذلك في دورة الأرض حول نفسها أمام الشمس ثمّ قوله تعالى ( وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ) يعني الأرض التي يتشكل عليها الليل والنهار وهي تدور حول نفسها وتجري حول الشمس، وكذلك الشمس والقمر أي الشموس والأقمار، فالشمس إسم جنس وكذلك القمر، كما تقول الإنسان فهي كلمة يُفهم منها إما إنساناً واحداً وإما يُكنّى بها عن جميع البشر، وقد أثبت العلم وجود مليارات الشموس ومئات الأقمار ذلك في قوله تبارك وتعالى ( وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ) أي إلى يوم القيامة ( وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) وَأَنَّ اللَّهَ واضح بما تعملون محيط هو محيط بأدقّ تفاصيله.

الآية الثلاثون ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “إن أصدق كلمة قالها العرب هي قول لبيد ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل”. فإذا ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ ) كلّ دعاءٍ يُدعى به غير الله أو يُسأل به غير الله هو باطل (وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) سواء دعوا صنماً أو دعوا وثناً أو دعوا بشراً أو دعوا نبياً أو دعوا إماماً، إنّ كلّ دعاءٍ يدعى به غير الله باطل، فإن اُستجيب دعاءٌ دُعيَ به غير الله فيكون فتنة من الله عزّ وجل يفتنهم هو بإجابة الدعاء ولا أحد غيره يستطيع الإجابة وتأكيداً على ذلك قال تبارك وتعالى في الآية الثالثة عشرة والرابعة عشرة من سورة فاطر قال: ( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ، إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ).

 وننتقل إلى قول الله عزّ وجلّ ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) وقوله تبارك وتعالى ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ ) يعني كالجبال بأثقالها تجري على وجه الماء ولا تغرق ذلك بسبب الناموس الإلهي الذي اكتشفه أرخميدس بعد ألوف السنين على سير السفن، وهو قوة الدفع المائي من أسفل إلى أعلى والتي تساوي ثقل الجسم المغطس في الماء. ثمّ قوله تعالى و( مِّنْ آيَاتِهِ ) أي آياته العلمية الظاهرة والباطنة ولا سيما في البحار وفي ركوب البحار. ثمّ قوله جلّ وعزّ: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) وقد ثبت أن الصبر على بلائه والشكر على نعمائه أفضل الطاعات.

 كنا مع الآية الإحدى والثلاثين. ثمّ ننتقل إلى الآية الثانية والثلاثين إلى قوله تعالى: ( وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ) فإذاً ( وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ ) إذا غشيهم إذا غطّاهم موجٌ كَالظُّلَلِ الظلل جمع ظُلّة وهي ما يرفع فوق الرؤوس إتقاءً للشمس أو إتقاءً للمطر فإذاً ( وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ ) وهنا كالغيوم الكبيرة ( دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) واضح ( فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ ) أي معتدل يبقى شاكراً في البرّ كما في البحر( وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ) يجحد ينكر الآيات والختّار الغدّار والكفور واضح كثير الكفر.

 ثمّ قوله تبارك وتعالى في الآية الثالثة والثلاثين: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ).

 وقوله تبارك وتعالى ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ) أي إخشوه وخافوه ( وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا ) واضح أي يوم القيامة يوم الفصل والحساب ( إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ) لا مراء فيه ولا شك فيه ( فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) فلا تأخذنّكم الحياة الدنيا في لهوها ولعبها بعيداً عن الحق وإغراقاً في الباطل ( وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) وقُرِئت الغُرور فإذا كانت الغَرور فهي الشيطان، وإذا كانت الغُرور فهي اللهو والغفلة والإنشغال بالباطل عن الحق، وخلاصة الآية هذه هي في قوله تعالى ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ سورة المدثر الآية 38).

 ثمّ ننتقل إلى قول الله جلّ وعزّ في الآية الرابعة والثلاثين وهي الآية الأخيرة من سورة لقمان ( إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ).

 وقوله تبارك وتعالى ( إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ) قد تحدثنا عن أشراطها عن أشراط الساعة في تفسيرنا لقوله تعالى ( فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ) وهي الآية الثامنة عشرة في سورة محمد صلى الله عليه وآله وكذلك كتبنا مطولاً على الإنترنت فمن شاء فليراجع موقعنا تحت عنوان العقل الإسلامي ونهاية العالم  islamicbrain.org

سبحانك اللهم وبحمدك إغفر لنا وتب علينا وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

شارك