بسم الله الرحمن الرحيم

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة يس وآياتها ثلاثٌ وثمانون آية، ورقمها في المصحف الشريف ستٌ وثلاثون.

 بسم الله الرحمن الرحيم ( لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا ) سورة النساء آية 116.

أما السورة المباركة فهذه هي نقرأ منها أولاً خمس آيات، قوله جلَّ وعلا بسم الله الرحمن الرحيم: (يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، تَنـزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ).

 وقبل أن نبدأ بتفسير الآيات لا بد أن نذكر شيئاً عن فضل هذه السورة المباركة، ولقد قيل في فضلها كلامٌ كثير، وإنما نحن نوجز فنتحدث عن المشهور عنها وهي أنها من سور العناية الفائقة أي عناية الله تبارك وتعالى، وأنها يُتداوى بها، بقراءتها، وأنها يتحصن بها المؤمن مفتوحةً له أبواب الخير، ونُقل عن النبيّ صلى الله عليه وآله أنه قال: ” إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس ” وروى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ” إن لكل شيءٍ قلباً وقلب القرآن يس “، ومن قرأ يس في نهاره قبل أن يمسي كان في نهاره من المحفوظين والمرزوقين حتى يمسي، ومن قرأها في ليله قبل أن ينام وُكِلَّ به ألف ملكٍ يحفظونه من كل شيطانٍ رجيم ومن كل آفة، إضافةً إلى كلامٍ كثير من الأهمية بمكان فمن شاء التوسع فليراجع في كتب التفسير.

ونعود إلى الخمس آيات التي قرأنا، بسم الله الرحمن الرحيم ( يس ) قيل إنها خطابٌ لمحمد (ص) (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ) الواو واو القسم فالله يقسم بالقرآن الحكيم (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) إنك يا محمد لمن المرسلين اللام لام القسم وهي للتأكيد إنك يا محمد لمن المرسلين من لدن الله تبارك وتعالى ( عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) الصراط الطريق والمستقيم السويّ الذي لا تعرّج فيه ولا تكسّر ولا انحناء ( تَنـزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ) أي تنـزيل العزيز الرحيم الله بعزته وبرحمته أنزل عليك كلامه في كتابه المجيد. ثمَّ الآيات حتى الآية العاشرة (لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ، لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ، وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ، وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) فنفسر أولاً المفردات لتنذر قوماً الإنذار والوعيد والتخويف بمعنى ( لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ ) (ما) هنا فيها معنيان المعنى الأول أنها نافية، والمعنى الثاني أن تكون بمعنى الذي اسم موصول ( فَهُمْ غَافِلُونَ ) أي غافلون عن الحقائق الكبرى ( لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) الآية السابعة الله عزَّ وجلَّ يُخبر عن هذه الأكثرية من الناس أخباراً عجيبة بقوله: ( إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً ) أغلالاً أي قيوداً وغالباً ما تكون من حديد أي أنها عريضة تصل إلى الأذقان فترتفع الوجوه فلا يستطيعون أن يروا أمامهم وهذا معنى ( فَهُم مُّقْمَحُونَ ) وقد استحقوا ذلك في الحياة الدنيا بسبب عدم إيمانهم بالله وبأنبيائه ورسله وباليوم الآخر (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ) العزة لله وجعل الله من بين أيديهم سداً لا يستطيعون أن يروا أمامهم (وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا ) لا يستطيعون أن ينظروا إلى خلفهم ( فَأَغْشَيْنَاهُمْ ) جعلنا على أبصارهم غشاوة أي غطاء فهم لا يستطيعون الإبصار ( وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) الآية العاشرة ومثلها الآية السادسة في سورة البقرة قوله تبارك وتعالى: (إنَّ الذين كَفَرُوا سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) وهذا طبعاً من العجيب في أمر هؤلاء الناس في أمر هذا الفريق من البشر أنه لا ينفعه الإنذار ولا تنفعهُ الموعظة وهو مصرٌ على الكفر وعلى العناد، ومجمل هذه الآيات قيل أنها نزلت في قومٍ زمن محمد (ص)، ثمَّ من الواضح أنها أصبحت عامةً لكل عصر وهي آيات فيها أسرارٌ يعرفها أهل التجربة، وقيل إنَّ محمداً (ص) احتجب بها وبغيرها، وكذلك يحتجب بها المؤمنون شفاهةً في مواجهة خطر العدو ولا سيما منها آية السدّ.

ثمَّ قوله تعالى: ( إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ) الآية الحادية عشرة إِنَّمَا تُنذِرُ يا محمد ويا أي وليٍّ من أولياء الله إنما تنذر إنما ينتفع بإنذارك ( مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) أي القرآن الكريم ( وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ ) واتقى الله وهو لا يراه موقناً بوجوده، فمثلُ هذا فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ من الله وَأَجْرٍ كَرِيمٍ منه تبارك وتعالى.

ثمَّ قوله تعالى في الآية الثانية عشرة: ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ).

( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى ) واضح الله يحيي ويميت ويميت ويحيي ( وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ) ونكتب ما قدَّموا من أعمال ومن عبادات ( وَآثَارَهُمْ ) يعني أعمالهم وأقوالهم وكتاباتهم التي اقتدى بها الناس وأصبحت سُنَّةً بعدهم سواءً كانت هذه الآثارُ حسنة أو قبيحة ( وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) في كتابٍ مبين، في لوحٍ محفوظ، وهذا الكتاب المبين هو عبارة عن كتابٍ يحوي فيه مجاميع كتب الأفراد من البشر. يذكرنا بذلك قوله تعالى لكل إنسان يوم القيامة: ( اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا سورة الإسراء الآية 14).

( وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ ) الآية الثالثة عشرة، إذاً اضرب لهم مثلاً يا محمد ويا أيّ ولي بعده من أولياء الله ( وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ ) قرية من القرى ( إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ ) مَثِّلْ على نفسك أيها الداعي إلى الله المبلغ عنهُ جلَّ وعزَّ ( وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ) قرية من القرى ( إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ، إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ) فزدنا على الإثنين رسولاً ثالثاً قويّناهما به ( فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ ) أيها الناس ( قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ ) إِنْ النافية بمعنى ما أنتم إلا تكذبون ( قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ) اللام هنا لام القسم (وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ ) البلاغ الواضح الذي ليس فيه أي تعقيد وهو الدعوة إلى توحيد الله تبارك وتعالى ( قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ) تشاءمنا بكم ( لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) طبعاً هذه أربع آيات من الآية الرابعة عشرة إلى الآية الثامنة عشرة.

ثمّ نقرأ الآية التاسعة عشرة ونفسرها، ثم قال الرسل للناس ( قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ ) لأهل القرية (طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ ) تشاؤمكم معكم في أعناقكم ( أَئِن ذُكِّرْتُم ) أَئِن ذُكِّرْتُم بالله جلَّ وعزَّ كذبتم وكفرتم ( بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ) متجاوزون عن الحقِّ إلى الباطل ( وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ) الآية العشرون ومجمل هذه القصة نوجز الصحيح منها أن المرسلين الثلاثة بعث بهم المسيح عليه السلام بأمرٍ من الله سبحانه وهم شمعون ويوحنا والثالث بولس أما الذي آمن فهو حبيب النجار والسبب أنه كان عنده مريضٌ فشفياه بإذن الله تعالى أي شمعون ويوحنا وهو المقصود بقوله تعالى: (وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ) أي اتبعوا هؤلاء الأخيار الأبرار الذين يدعون إلى الله تبارك وتعالى ولا يسألونكم أجراً ( اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ، وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ( وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي ) الذي خلقني ( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) تحشرون في النتيجة وإليه المصير ( أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ ) ( أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً) أصناماً حجريةً أو بشرية ( إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ ) إذا أرادني الله بضرٍّ ما إذا أرادني بمرضٍ أو بعلةٍ أو بمصيبةٍ ( لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ ) شفاعة هذه الآلهة هؤلاء الآلهة المزعومين ( لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا ) أي انتصارهم لي أو إعانتهم لي ( لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ هم يُنقِذُونِ، إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) إني إذا فعلت ذلك واتخذت آلهة من دون الله ( إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) في ضياعٍ عن الحقَّ ( إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ) قرأنا من الآية الواحدة والعشرين إلى هذه الآية التي هي الخامسة والعشرون ( إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ) وهذه الآية يُشتمُّ منها أنه كان بحالةٍ من الحماس يدعو إلى الإيمان بالله وتوحيده وإلى طاعته سبحانه متصدياً متحدياً وبالصوت العالي ( إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ، قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ) الجنّة هنا ليست الجنّة الدائمة وإنما هي مكانٌ رفعه الله إليه وأدخله جنّةً يجوزُ هلاكُها ثمَّ يرفعه منها يوم القيامةِ إلى جنّة الخلود ( قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ) وبعد أن أدخله الله تعالى هذه الجنّة ( قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ، وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِّنَ السَّمَاء وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ) ما أنزلنا عليهم جيشاً من الملائكة يقول ذلك استخفافاً بهم ( وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ، إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ) وهذه الصيحة من جبرائيل عليه السلام (وإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ) إذا هم ساكنون وقد ماتوا.

ثمَّ يقول الله تبارك وتعالى في الآية الثلاثين: ( يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون ).

( يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ) أي يا ندامة العباد في الآخرة يوم القيامة لإستهزائهم بالرسل في الحياة الدنيا.

( أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ، وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ، وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ) لغاية الآية الثالثة والثلاثين.

فقوله تعالى: ( أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ ) أي من الأجيال جيلاً بعد جيل ( أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ ) فليتعظوا وليرعووا وليعتبروا أنهم كذلك هم مائتون كما مات وهلك الذين من قبلهم ( وَإِن كُلٌّ لَّمَّا ) وقرئت لَمـَا ( وَإِن كُلٌّ لمَاَ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ) إنْ هنا النافية ( وَإِن كُلٌّ لمَاَ جَمِيعٌ ) لـما مخففة بمعنى إلاّ فيصبح المعنى وما كلٌ إلا جميعٌ لدينا محضرون محضرون عند الله جلَّ وعزَّ  في يوم الحشر.

وأما قوله تعالى: ( وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا ) الأرض الميتة الأرض اليباس، الأرض الجرداء يُنـزل الله عليها المطر فيحييها بالنبات وقوله تعالى: (وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ) أنواع الحبوب المعروفة والتي يتناولها ويتداولها الناس. ( وَجَعَلْنَا فِيهَا ) في الأرض الميتة، الأرض التي كانت ميتة ( جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ ) أي من الينابيع ( لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ ) الآية الخامسة والثلاثون. فإذاً ليأكلوا من ثمره أي من ثمر الشجر( وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ) ما النافية ويقوي ذلك قوله تعالى: ( أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ سورة الواقعة الآية 64) فإذاً ( لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ ) لله جلَّ وعزَّ هذه العطاءات وهذا الكرم وهذا الجود وهذه النِعم وهم إذا شكروا زادهم من فضله وجوده وكرمه.

ثمّ يتابع سبحانه ( سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ) الله جلَّ وعزَّ الذي خلق أنواع الأزواج التي في الوجود (كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ ) من نبات الأرض وأنواع النبات ومن الحيوان ( وَمِنْ أَنفُسِهِمْ ) أي من البشر ( وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ) قد يكون من أنواع الجنَّ وغير ذلك.

(وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ ) طبعاً من الآيات البينات الليل والنهار متشكلين من دورة الأرض ومن كرويتها، من دورتها حول نفسها أمام الشمس فإذا بهذه الدورة تنتج الليل والنهار يتداولان أحدهما وراء الآخر في هندسة فلكية دقيقةٍ وعجيبة قدَّرها الله عزَّ وجلَّ بعلمه رتّب فيها الزمان والمنافع لأهل الأرض لجميع خلقه في هذه الأرض.

( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) الآية الثامنة والثلاثون ( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا )أي لإنتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا أي تظلّ تجري حتى قيام الساعة ( ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) ذلك تقديره من قدَّر يقدر تقديراً وهو نوع من هندسة الأمور وإحكامها ( ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) الذي هو الله جلَّ وعزَّ في عزّتهِ وعظمته وكبريائهِ وعلمهِ.

( وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) العرجون العذق الذي يحمل البلحة أو التمر وهو إذا جفَّ تقوّس، يصبح مثل القوس لذلك شبَّهه بالقمر آخر الشهر فإذاً ( وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) الآية الأربعون قوله تعالى: (لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا ) إلى آخر الآية من مقاصد هذه الآية أو إنَّ مقاصد هذه الآية محصورة بالمعنى الظاهري سواءً بالنسبة لشمسنا وقمرنا من حيث أنها لا تدركه ولا تجذبهُ مثلاً إليها أو بالنسبة لكل شمسٍ وكلِّ قمرٍ في سمائنا الدنيا هذا من جهة، ومن جهةٍ ثانية يقصد بها بهذه الآية أن تكون مُوضحة لآية ( وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ سورة القيامة الآية 9) التي هي من أشراط الساعة ومعناها الجمع اللغوي للشموس والأقمار، طبعاً ولقد عرفنا في عصر العلم هذا ولا سيما في علم الفلك، أنَّ في سمائنا الدنيا ملايين الشموس مثل شمسنا وأكبر منها وأصغر، وكذلك مئات الأقمار حول كواكبنا السيارة التي هي أخوات لأرضنا، فكل هذه الشموس والأقمار ينطبق عليها قول الله هذا جلَّ وعزَّ ( لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ ) لا الشمس التي هي إسم جنس لمجموع الشموس كما تقول إنسان فهو إسم جنس لعامة الناس وكذلك القمر فإذاً ( لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ) باعتبار الدورة الدائمة للأرض حول نفسها مشكلة الليل والنهار إلى قيام الساعة ( وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) كل شمسٍ تسبح في فلكها وكل قمرٍ يسبح في فلكه.

ثمَّ قوله جلَّ وعزَّ: ( وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) والفلك المشحون هو السفينة سفينة نوح التي شحنها بالمؤمنين وبما أمره الله عزَّ وجلَّ أن يضع فيها ومن جملة ما وضع من كل زوجين إثنين ( وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ) وقُرئت ذرياتهم، والذرية هنا ذرية البشر التي كانت في أصلاب الرجال، الذرية التي كانت في أصلاب الرجال في سفينة نوح حيث كان الطوفان عاماً عمَّ الأرض كلها.

ثمَّ قوله تبارك وتعالى: ( وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ) أي من مثل الفُلك المشحون أي علمناهم قوانين صناعة المراكب مراكب البرِّ والبحر وهذا معنى (مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ).

( وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ ) وإن نشأ الله عزَّ وجلَّ إذا شاء يغرقهم فلا منقذ لهم ولا مغيث ( ولا هم ينقذون ) أي من الغرق إذا شاءه الله لهم الآية الرابعة والأربعون ( إِلا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ) وما إبقاؤهم وما نبقيهم ( إِلا رَحْمَةً مِّنَّا ) رحمة من الله وليتمتعوا ( إِلَى حِينٍ ) أي إلى حلول أجل كل واحدٍ منهم.

( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) وإذا نُصِحوا وُعِظوا بأن يقال لهم ( اتَّقُوا ) خافوا ( مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ) ما أمامكم من الآخرة ومن الساعة ومن الحساب ( وَمَا خَلْفَكُمْ ) من الدنيا وقضاياها أي كفّوا عن أنفسكم غضب الله وعذابه بالإيمان به وبتوحيده وبطاعته لعلكم ترحمون.

( وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ ) وما يرون من معجزةٍ من آثار عظمة الله في الأرض وفي هذا الكون إلا هم يعرضون عنها ويديرون ظهورهم إليها.

( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ).

( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا ) أي أعطوا من فضول أموالكم للمستحقين أخماساً وزكوات ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) إلى آخر الآية يقولون هازئين ( أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء اللَّهُ أَطْعَمَهُ) يهزؤون بالذين يقولون ما قال الله إنه يرزق من يشاء بغير حساب ويقدر أي يعطي بقدرٍ قليل وهو سبحانه ابتلى الأغنياء بالفقراء وجعل أقوات الفقراء في ذمة الأغنياء وفي أموالهم وهذه الحقيقة هي التي لم يفهمها الذين كفروا فقالوا ما قالوا.

(وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) الآية الثامنة والأربعون وهم يشككون بقيام الساعة وبيوم الحساب ( فمتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) أيها المؤمنون.

الله عزَّ وجلَّ يقول: ( مَا يَنظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ) (مَا يَنظُرُونَ ) ما ينتظرون إلا صيحةً واحدةً صيحة من صاحب الصيحة النافخ في البوق ( صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ) تُهلكهم تصعقهم وهم يتبايعون يَخِصِّمُونَ يتبايعون في الأسواق.

( فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ) الآية الخمسون فلا يستطيع أحد من البشر أن يوصي بما يريد أن يوصي، لأن الوقت غير كافٍ لأن يوصي ولا حتى أن يتكلم ولا حتى أن يعالج ما بين يديه من أي عمل من الأعمال ( فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ) ولا حتى يستطيعون أن يرجعوا إلى بيوتهم وصدق الله العلي العظيم، وهذا دليلٌ قوي على أن الساعة تقوم، القيامة تقوم والناس يعيشون في ظروفهم العادية، لا أن الساعة ستقوم كما يعتقد الكثير من العلماء ومن الناس أنَّ الساعة ستقوم عندما تنطفىء الشمس وتنطفىء النجوم وذلك بعد المليارات من السنين، والحقُّ أنَّ الساعة تأتي بغتة كما في الكثير من الآيات الكريمات في هذا القرآن المجيد.

( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ).

( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ) الصور أو البوق معلوم ( فَإِذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ ) أي من القبور جمع جدث يَنسِلُونَ أي يخرجون.

( قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) ( قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ) مَن بَعَثَنَا من مواضعنا التي كنا فيها نياماً وقيل أن هذه النومة هي بين النفختين أي لا يفتّرُ عذاب القبر أو عذاب الموقع الذي هم فيه إلا بين هاتين النفختين فيرقدون. وحين يتساءلون هذا التساؤل يقال لهم ( هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) ثمَّ يقول الله عزَّ وجلَّ ( إِن كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ) وهذه الصيحة تحصيل حاصل أنها الصيحة الثانية ( فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ) عند الله تبارك وتعالى يوم القيامة يوم الحشر للحساب.

(فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) الآية الرابعة والخمسون وهذه الآية مثل قوله تعالى في سورة غافر ( الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ سورة غافر الآية 17) إلى آخر الآية يعني لا إمكان لأن يظلم الخلق بعضهم بعضاً كما في الحياة الدنيا هذا باعتبار الظاهر، ولكن الحقيقة أن عدالة الله ورحمته ساريتان في الدنيا والآخرة، وما يلحق الصالحين من الظلم الظاهر ليس عذاباً وإنما هو أذىً يؤجرون عليه في الدار الآخرة ويؤجرون عليه في الدارين.

ثمَّ قوله جلَّ وعزَّ مقارنةً بهؤلاء الذين حقت عليهم كلمة العذاب في الآخرة يقول يصف حال المؤمنين الصالحين الأتقياء ( إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ) فِي شُغُلٍ منشغلين عن هموم الدنيا وعن كل هم وهم بين الفكاهة والفاكهة هذا معنى فاكهون ( هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِؤُون ) أزواجهم من الحور العين ( فِي ظِلالٍ ) واضحة ( عَلَى الأَرَائِكِ ) على المقاعد الوثيرة ( مُتَّكِؤُون) مرتاحون ( لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ) ( لَهُمْ فِيهَا ) في الجنة ( فَاكِهَةٌ ) واضح ( وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ) لهم ما يشاؤون ما يطلبون طبعاً وهم قد هذّبهم الله في الحياة الدنيا فلا يدّعون لأنفسهم  ما لا يجوز أن يكون لهم لا يدّعون لأنفسهم ما هو حقٌّ لغيرهم.

( سَلامٌ قَوْلا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ ) فإذاً ( لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ، سَلامٌ قَوْلا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ ) لهم سلام وما أروع هذا السلام وهذا الجود وهذه الرحمة من الله تبارك وتعالى لهم سلام من الله ( قَوْلا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ ) وما أكرمه وما أرحمه.

(وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ) الآية التاسعة والخمسون أي تميزوا أيها المجرمون عن أهل الجنّة اعتزلوهم، ثمَّ في هذا المعنى كذلك تداخل من معنى آخر هو أنكم كما كنتم تمتازون في الحياة الدنيا تميزون أنفسكم بامتيازاتٍ خاصة عن المؤمنين فامتازوا اليوم كذلك وشتان ما بين هذا الإمتياز في الآخرة بين إمتياز أهل الجحيم وبين إمتياز أهل الجنّة.

( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) الآية الستون. الله عزَّ وجلَّ يقول: ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ ) ألم آخذ عليكم عهداً يا بني آدم ( أَن لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ) (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ سورة الأعراف الآية 172 ) إلى آخر الآية أخذ عليهم عهداً أن لا يعبدوا الشيطان أن لا يطيعوه وحذَّرهم منه تحذيراً شديداً بقوله ( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) شديد العداوة واضح العداوة بيّن العداوة ( وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ) أي اعبدوا الله وحده لا شريك له فهو أهل التقوى وأهل المغفرة، اعبدوني حقَّ عبادتي فإن الله أهل لأن يعبد وهو أهل التقوى وأهل المغفرة وهو الذي بيده الخير وهو وحده على كل شيء قدير فعبادتكم لله شرفكم في الدنيا والآخرة ( هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ) الصراط السويّ الذي لا تعقيد فيه والمؤدي إلى رضا الله ورضوانه ونعيمهِ الدائم.

( وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ) الآية الثانية والستون ولقد أضل الشيطان منكم عدداً كبيراً جداً ( أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ) تفكرون وتتأملون وتنظرون في الأدلة الدالة على الله وعلى عظمته وعلى كبريائه وعلى مالكيته للكون وعلى حاكميته للخلائق ( أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ) بأنَّ الشيطان ضعيف وأنَّ الشيطان مخلوق وأن الشيطان مفسدٌ فاسد مفسد ( أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ، هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) الآية الثالثة والستون فما دمتم انحرفتم عن عبادة الله وعن طاعته وما دمتم لؤمتم بعدم شكركم لله على نعمه وعلى كرمه وعلى وعوده فإذاً دونكم جهنم (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) في الحياة الدنيا ولا تصدقون بها.

فإذاً نتابع بإذن الله قوله تعالى للذين أطاعوا الشيطان ونسوا الله تبارك وتعالى قوله: ( هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ، اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ) اصلوها اليوم أي الزموها فهي حظكم في الحياة الآخرة وذلك بسبب كفركم في الحياة الدنيا (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) نختم على أفواههم لكي تتكلم عنهم بقية جوارحهم، وقد قلنا في شرح آيات غير هذه أن الحساب يتم على أساس الصوت والصورة وأنَّ في الكون كاميرات آلات تصوير وتسمُّع كونية كما أنَّ في داخل كلِّ إنسان تصوير وتسمّع وهذا معنى قوله جلَّ وعزَّ (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور سورة غافر الآية 19).

ثمَّ يقول تبارك وتعالى في الآية السادسة والستين ( وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ) أي لو نشاء لجعلناهم عمياً يطلبون طريق النجاة وهم لا يبصرون والآية التي بعدها ( وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ ) على مكانتهم أي في مكانتهم في مكانهم  ( وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَاهُمْ ) المسخ إما قردة وإما خنازير أو ما شابه ذلك.

 ( وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ ) الآية الثامنة والستين ( وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ ) أي ومن نُطوّل عمُرهُ نُصيّره بعد القوة إلى الضعف وبعد زيادة الجسم إلى النقصان وبعد الجدّة والفتوة إلى البلى هذا معنى (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ ) أفلا يتفكرون أفلا يتأملون.     

( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ ) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ أي وما جعلنا له موهبة الشعر كان (ص) لا يحسن الشعر ولا يحسن حفظهُ (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ ) فإن هو إلا وحيٌ يوحى ما كان يتنزل عليه من القرآن الكريم إن هو إلا ذكرٌ من الله تنـزيلٌ من الله وهو قرآن مبين قرآن واضح طبعاً هذه الآية التي قرأناها ( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ ) هي الآية التاسعة والستون.

ثمَّ بعدها ( لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ) الآية السبعون (لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا ) أي مؤمناً لأن الكافر كالميت بل أقل من الميت ( وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ) أي يقع عليهم وعد الله ووعيده بالعذاب وجوباً مناسباً لكفرهم.

نتابع قوله تبارك وتعالى: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ) الآية الواحدة والسبعون ( أَوَلَمْ يَرَوْا ) ألم يرَ الناس ( أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا ) مما خلقنا والأيدي هنا بمعنى القدرة وبمعنى القوة لأن كلمة يد في اللغة العربية تستعمل بمعانٍ عدة وليست هذه الجارحة التي نعرفها فقط وهنا يقول تبارك وتعالى ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا ) مما ابتكرناه مما أبدعناه بقدرتنا وبعلمنا ( أَنْعَامًا ) والأنعام هي أنواع الإبل أي الجمال والبقر والغنم (  أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ) أو متمكنون من ملكها مسخرة لهم.

الآية الثانية والسبعون ( وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ) والحقيقة أنَّ التأمل في هاتين الآيتين أو في هذه الآيات بشكلٍ عام مما يدهش الإنسان، أنَّ هذه الإبل الجمال بأحجامها الكبيرة يستعملها الصغير من الناس فينيخها ويذللها ويحمّلها ما يحمّلها ويجعلها ركوباً ويحمل عليها الأثقال ويقودها حيث يشاء وينتفع بلحمها وبلبنها وبمنافع جمّة لها، كيف استطاع هذا الإنسان وهي أكبر منه حجماً وأشدُّ منه قوةً أن يجعلها مسخرة، ليس الإنسان هو الذي فعل ذلك بل الله تبارك وتعالى هو ذللها له وسخرها له وذلك قوله ( وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ ) قوله قبل أنَّه خلقها لهم للناس ثمَّ قوله ( وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ) كما قدّمنا ( وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ ) الآية الثالثة والسبعون وكم لهم فيها من المنافع التي عددنا بعضها ومشارب ينتفعون بلحمها وبألبانها وأصوافها وأوبارها وحتى بعظامها إلى آخر ما هنالك من منافع في هذه الأنعام وكلها فضلٌ وعطاءات ونعم من الله ( أَفَلا يَشْكُرُونَ ) على هذه النعم قُتِلَ الإنسان ما أكفره إن كان لا يشكر الله على نعمه وعلى جوده وعلى كرمه.

( وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ ) نعوذ بالله ونستجير بالله (اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ ) ينتصرون بهم لعلهم ينصرونهم آلهة أصناماً حجرية أو خشبية أو آلهة من البشر أو أصناماً بشرية وهناك طبعاً ليس فقط العبادة عبادة أهل الشرك لا تكون فقط لأصنام الحجر وإنما تكون كذلك لأصنام البشر وأصناف البشر من زعامات وقيادات حتى من أولياء حتى بعض أولياء الله الصالحين جعلهم بعض الناس آلهة يتعبدون لهم ويدعونهم ويستجيرون بهم فإذاً (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ) الآية الرابعة والسبعون.

الله عزَّ وجلَّ يقول ( لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ ) أن هؤلاء الآلهة المزعومون لا يستطيعون نصر الذين يتعبدون لهم ويدعونهم والواقع أن هؤلاء العابدين ( هُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ ) هم الذين يخدمون أصنامهم الحجرية أو آلهتهم من البشر هم الذين يخدمونهم ويتجندون لهم ويحرسونهم بينما هؤلاء لا يستطيعون لهم نفعاً ولا ضراً.

 ( فَلا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ) الآية السادسة والسبعون ( فَلا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ) يا محمد فلا يحزنك تكذيبهم لك وإتهامك بالسحر ولا يحزنك قولهم يا وليَّ الله الذي تدعوا إلى الله في أي زمانٍ وأي مكان ( إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ) الله عزَّ وجلَّ يعلم بسرهم وبعلنهم يعلم بما يقولون في الظاهر وما يسترون في الخفاء.

( أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ) الآية السابعة والسبعون أو لم ينظر الإنسان إلى خلق نفسه ( أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ) مجادل مخاصم كثير الخصومة كثير الجدل.

( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ) الآية الثامنة والسبعون ضرب الإنسان مثلاً عارضاً عظامه أو رفاتهُ أو عظام الذين ماتوا أو رفاتهم يعطي عليها مثلاً بأنها تتفتت أو بأنها بالية ويتعجب منها أمام الناس يقول من يحيِي هذه العظام وهي رميم أو وهي رِممٌ بالية، الله عزَّ وجلَّ يقول لمحمد (ص) ويقول لكل وليّ من أولياء الله ( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) الآية التاسعة والسبعون فقل يا وليّ الله يحييها يحيي هذه العظام الذي أنشأها أول مرة خلقها أول مرة وإعادة خلقها أهون عليه لأن الإعادة أهون من الإنشاء ومن البدء فإذاً ( يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) بدقائق كل خلق وبتفاصيله وبمصيره كيف يكون وإلى أين يصير.

( الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ) الآية الثمانون الله ( الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا ) كانت العرب يستعملون بعض أنواع الشجر في اقتداح النار، ومن أبرز أنواع الشجر هذا الذي كانوا يستعملونه يتخذون منه زناداً لقدح النار هو شجر المرخ والعفار وعندهم من الأمثال كل شجر فيه نار ومجد المرخ والعفار، فإذاً من العجب العجاب أنَّ هذا الشجر الطريّ النضر الذي قد يكون يقطر ماءً أحياناً إذا قُدِح بعضه ببعض ضُرب بعضه ببعض اقتدح ناراً واستعملت هذه النار في بقية الوقود.

فإذاً الله ( الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ، أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ).

 إذاً ( أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ) وخلق السماوات والأرض أعقد بكثير من خلق الإنسان، علماء الفلك اليوم يذكرون لنا عن السماوات والنجوم وعن أبعادها ما يدهش وما يذهل وعن حركاتها في مجراتها وعن اتجاهاتها وكيف تلف وكيف تدور وكيف يحملها نظام الجاذبية الكوني ما يدهش العقول فخلق السماوات وتركيبها الله الذي خلق هذه السماوات وما فيها من المجرات ومن النجوم ومن الكواكب التي تدور حول نجومها أليس هذا الله العظيم الخالق البارىء المصور بقادرٍ على أن يخلق مثلهم مثل هؤلاء البشر؟ ( بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ) الذي يخلق خلقاً بعد خلق بعد خلق.

( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) الآية الثانية والثمانون وهذه الآية من عجائب الآيات المخبرة عن قدرة الله تبارك وتعالى وعن عظمته وعن قدرته التي لا تحاول ولا تطاول فهو ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) وليس بالضرورة القول النطق أو أن يقول فبمجرد أن يريد الله شيئاً يقول في آيات أخر ( وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ سورة القمر الآية 50) فإذاً يخلق ما يشاء ساعة يشاء بالسرعة التي لا يستطيع حتى تخيلها البشر وقد توصل البشر إلى معرفة حالات من السرعة، من السرعة الضوئية حالات مدهشة وقد علمهم الله أن يتوصلوا إليها وإنما أبقى عنده ما لا يستأهل البشر أن يعلمهم إياه أبقى عنده من العلم العظيم المكنون ما سيرى بعض آثاره الناس يوم القيامة ويوم الكشف ويوم الحساب فإذاً ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) في مواضيع الكون وفي مواضيع الوجود وفي مواضيع أهل الأرض من الخلائق ولا سيما من البشر في قضاياهم وفي أمورهم وفي سياساتهم وفي أرزاقهم وفي ابتلاءاتهم وفي عقوباتهم  وفي ما لا نستطيع ذكره ولا ما نستطيع احصاءه (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) الآية الأخيرة الثالثة والثمانون (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ )  تنزّه سبحانه، تنزّه عن أن يُظنّ بقصوره، أو أن يظنّ بنقصٍ في قدرته، أو أن يظنّ بنقصٍ في علمه، أو أن يظنّ في تخلفٍ عن وعده أو وعيده، فسبحانه عن الخلائق تنزّه عن الخلق عن جميع الخلائق في السماوات العلى وما تحت السماء الدنيا سبحانه ( الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ) كل شيء في هذا الوجود جملة وتفصيلا هو بيد الله تبارك وتعالى، هو مالك الملك وهو الحاكم أليس الله بأحكم الحاكمين ( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) بقية الآية وإليه مصير الخلائق، ومصير هذه البشرية في تاريخها من بدايتها إلى نهايتها. سبحانك اللهم وبحمدك إغفر لنا وتب علينا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.   

شارك