{ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ } ، لا للنبي ولا لمخلوق غيره :

{ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ } ، لا للنبي ولا لمخلوق غيره :

        هم ، أي المسلمون ، آنذاك ، لعلهم اعتمدوا على نبوة النبي (ص) وعلى وعده العام بالنصر على المشركين . وباعتمادهم عليه (ص) اعتبروه الحصن والملجأ والمعقل الذي لا يضام ولا يرام ولا يحاول ولا يطاول ، ونسوا الله عزَّ وجل ، الذي هو وحده المعتمد والحصن والملجأ والمعقل الذي لا يضام ولا يرام ولا يحاول ولا يطاول . فحاسبهم سبحانه على الإعتماد على غيره وهو المُعْتَمَد ، وعلى الإعتقاد بكفاية غيره وهو الكافي . وحكم عليهم بهذا الدرس التاريخي ليكونوا عِبْرَةً لأنفسهم وعِبْرَةً لغيرهم في مسار التاريخ إلى قيام الساعة .

وهذه واحدة في عمق الحدث .

        ولعلهم كذلك اعتمدوا على حقهم بالنصر ، حتى ولو عصوا ولو أخطأوا، كونهم  مسلمين لله . فهم يطالبون الله سبحانه ـ بغير استحقاق ـ بحقوقهم المظنونة عنده ، فعلَّمهم بخذلانه لهم أدب الإعتقاد ، وأنه ليس لأحد حقٌّ على الله سبحانه . وإن كان هو تعالى جعل على نفسه حقوقاً للمؤمنين ، فإنَّ ذلك بتفضُّلٍ وتكرُّمٍ منه ورأفةٍ ورحمةٍ . وإلاَّ فالحقيقة أنه جلَّ شأنه خلق الجميع من العدم ، وتفضَّل عليهم  بنعمة الوجود ، ثم ببقية النعم التي يتميز بها البشر . ولولا أن رحمته تسبق على المؤمنين غضبه لما ترك على ظهرها من دابة ، ولذلك وبهذه المحاكمة التي رأيناها ، وسنراها بعد في الآيات  ، وبإصدار هذه الأحكام  ، يكون سبحانه قد تفضَّل عليهم وعلى من يأتي بعدهم من الناس ، بعلمٍ عميقٍ وتربية عالية تليق بأنصار الله ، وبحاملي رسالته إلى العالمين .

 

وهذه ثانية في عمق الحدث .

         وأما الثانية في عمق الوقائع فهذه : لعل النبي (ص) إذا لم يكن داخله شيء من الظن بعدم بشريته ، فقد داخل الآخرين ، حتى ظنوا به بعض الألوهة ، واعتقدوا بأنه حيث يمسح بيده ، تمرع الأرض خصباً ، وتنبت زرعاً ، وتبرىء جراحاً ، وتشفي أمراضاً ، وتحيي وتميت ، وتنصر وتخذل على مستوى أفراد الناس ومجاميعهم ، وكل ذلك بدون الله عزَّت عظمته ، وبدون إذنه ، وحتى مع نسيانه ونسيان ذكره تبارك وتعالى عما يشركون .

        والحق يقال ، إن هذه الحسابات هي لباب العلم الحقيقي الذي أراد الله أن يعلِّمه ، وقد علَّمه لعباده . ورغم ذلك كله ، فإن أكثر الناس ، حتى من أدعياء العلم الديني ، يظنون في الأنبياء والأئمة والأولياء ، أُلوهية تخرجهم عن بشريتهم ، ويعتقدون معها أنهم ينصرون ويخذلون ، ويحيون ويميتون ، وينسون أن هؤلاء الأنبياء والأئمة والأولياء ، منهم من تفرَّق عنه أتباعه بعد أن أسلموه لعدوِّه ليعذِّبه ويصلبه ، ومنهم من انهزم عنه جنده حتى استفرد به الأعداء ، وجرح كما جرح رسول الله محمّد (ص) وكسرت رباعيته ( السن التي قرب الناب ) وهو أعز المرسلين . ومن الأئمة والأولياء من أُوذِي شديد الأذى هو وأتباعه ومنهم من قتل وما أكثر من قتل من الأئمة ومن أولياء الله . فعلام لم يستطع النبي (ص) أن يرد عن نفسه حجراً رُمِيَ به فشجَّه في وجهه الشريف ؟ وعلام لم يستطع استكمال النصر لجيشٍ هو قاده بنفسه ، بعد أن نصره الله في جولة حاسمة محقِّقاً له فيها  وعده سبحانه ، ثم بسبب مباشر من معصية بعض الجند ، إذا بهذا الجيش ينهزم شرَّ هزيمة ، ويحاول رسول الله (ص) الصعود في الجبل فيقع لشقِّه ؟ وعلام لم يرد الأئمة عن أنفسهم  القتل بالسيف أو بالسم أو بالمرض أو بأية وسيلة  أو سبب من أسباب القتل أو الموت ؟ فما داموا هكذا لا يستطيعون أن يردوا عن أنفسهم ولا عن أتباعهم وهم أحياء ، فكيف يطمع بهم ويرجى منهم الإحياء أو الإماتة أو الشفاء أو النصر على الأعداء بعد أن ماتوا أو قتلوا أو حتى إذا كانوا أحياءً يرزقون ؟

        أفلا يمكن أن يكون هذا الوجه ، كذلك هو المراد مع جملة الوجوه والعِبَر ، التي جعلها الله بليغة في وقعة أُحُد ، حتى لا ينساها الحريصون على الفهم والعلم  وصحة الإعتقاد وسلامة الدرب والولاء الذي لا بديل عنه لرب العالمين ؟ بلى ، والعقل والنص والسيرة والإجماع ، مؤيدات لذلك بقوة الحجة وسطوع البرهان .

        هذه بعض الوجوه التي هي وَمَضاتٌ من أنوار التفسير القرآني ، المكنونة في الكلمات وما بين الكلمات . ولكي نتأكد من { إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ } كما قال سبحانه ، وليس هو لنبي ولا إمام ولا لمخلوق من دون الله ، فلنقرأ  في حنايا وقعة أُحُد وبين كلمات الآيات ، ولنعد ونتأمل بدهشة وبخشوع عميق فيما نحن بصدده من الآيتين الكريمتين المذكورتين آنفاً : { إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ …} ، لنرى مدى أفضال الله على عباده في عمر الدهر،منذ تلك الواقعة ،بما أظهر لهم من عِبَرِها،وبما أنزل إليهم من آيات بينات لتكون لهم مرجعاً في كل حين وكل زمان .

        ففي الوقت الذي كان رسول الله (ص) مشغولاً بالدفع عن نفسه ، وبضعة فدائيين معه مشغولين بالدفع عنه وعن أنفسهم ، كان بقية المسلمين يصعدون  الجبل لا يلتفتون إلى أحد ورسول الله في مؤخرتهم يدعوهم إلى الرجوع والثبات ومناهضة المشركين . ذلك قوله تبارك وتعالى : { إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ }  أما قوله سبحانه : { فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } فمتعلق بحمراء الأسد ، وهي المكان الذي وصل إليه المسلمون  في اليوم الثاني  متعقبين أهل الشرك .

        وذلك انه حين انصرف رسول الله  (ص ) من أُحُد مساء السبت ، فبات تلك الليلة في المدينة هو وأصحابه ، وبات المسلمون يداوون جراحاتهم . فلما صلىَّ رسول الله (ص) الصبح يوم الأحد ، أمر بلالاً أن ينادي  أن رسول الله يأمركم بطلب العدو ، ولا يخرج معنا إلاَّ من شهد القتال بالأمس … ودعا رسول الله (ص) بلوائه وهو معقود لم يحل ، فدفعه إلى علي رضي الله عنه ، وخرج القوم 

 

وهم ما بين  مجروح وموهون ومشجوج ، حتى عسكروا بحمراء الأسد ( مكان من المدينة على بُعد عشرة أميال ) فأوقد المسلمون هناك نيراناً عظيمة ، حتى ترى من المكان البعيد وتوهم كثرة أصحابها .

        ومرَّ بهم  معبد بن معبد الخزاعي ( وكان يومئذ من مشركي خزاعة ) ثم تجاوزهم ومرَّ على المشركين  ولهم زجل وزهو بالنصر الذي لاقوه في أُحُد ، وهم يأتمرون بالرجوع إلى المدينة للقضاء على المسلمين ، وصفوان بن أمية ينهاهم . فلما رأى أبو سفيان معبداً قال : ما وراءك يا معبد ؟ فقال ويحكم ! إن محمّداً قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقاً فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط … فأدخل الله بذلك رعباً عظيماً في قلوب المشركين ، وهبوا مسرعين عائدين إلى مكة . وأقام النبي (ص) في حمراء الأسد : الإثنين والثلاثاء والأربعاء ، ثم رجع إلى المدينة .