كلمة في العقل في القلب

كلمة في العقل في القلب

        إن لفكر التوحيد عند أهل العرفان  شرائط وضوابط ، يرفع الله تعالى بها وبنسبها ، كلاًّ حسب جهاده ، وأهليته ،  ويجعل له نوراً  يمشي به في الناس ، ويؤتيه أسراراً من الذكر ، تقيه شر ما يُرَى وما لا يُرى ، وتكون له عوناً على دنياه وكنوزاً من الباقيات الصالحات في دار الخلود .

        وليقر في الأذهان أن التوحيد مسؤولية عظيمة ، وأنه أسمى معرفة يتشرف بها العقل البشري ، لذلك  نلمح وبإيجاز إلى بعض الرموز الخاصة  بركني الطهارة والصلاة .

        ففي ركن الطهارة نرى معراجاً  يبدأ بسر التخلية ، وسرُّ سرِّها التجريدُ ، وسِرُّها المستسر التنـزيهُ ، والسِرُّ المُقَنَّع بالسرَّ التنـزيهُ من التنـزيه والتقييدُ.

        أما الركن الثاني  وهو الأعظمُ ، فهو محصور بالصلاة  ، وسرُّه التجليةُ ، وسرُّ  سره التفريدُ ، وسره المستسر التوحيد ، وسره المقَّنَّعُ بالسر التنـزيهُ عن التوحيد والتقييد .

        وهنا نفهم بعضاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله ـ الصلاة  معراج المؤمن ـ ولكل ذلك شروح تُطْلبُ من مظانها ، وخاصة من أهل  العرفان ، زاد الله بهم الأمة نفعاً وعرفاناً . مع أهمية الإشارة  إلى أنه يبقى عندهم من الأسرار ما لا يذاع . ومن هنا ، المعروف  عن الإمام زين العابدين  عليه السلام أنه كان يقول (*) :

إنـي لأكتـمُ من علمي جـواهـرَه     كــي لا يَرى  الحقَّ  ذو جهـل فيفتتنـا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

(*)      عن كتاب الحقايق في محاسن الأخلاق للفيض الكاشاني قدس سره أورد الأبيات كما ذكرناها، ولكن في كتاب التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق للدكتور زكي مبارك أوردها مسقطاً البيت الثاني  هكذا :

             يا رب جوهر علم لو أبوح به           لقيـل لي أنت ممن يعبـد الوثنا

            ولاستحل رجال مسلمون دمي          يرون أقبح ما  يأتونـه حسنـا

            إني  لأكتم من علمي جواهره          كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا

 

وقد تقـدم فـي هـذا أبو حسن          إلى الحسـين ووصى قبـله  الحسنا

يا رب جوهـر علمٍ لو أبوحُ بـه         لقيـل لـي أنت ممن  يعبدُ الوثنـا

ولاستحل رجـال مسلمون  دمي               يـرون أقبـح ما يأتونـه حسنـا

        وفي كتاب الحقايق للفيض الكاشاني (**) أورد ما يلي :

        ـ وعن السجاد عليه السلام أنه قال : والله لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله ، ولقد آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بينهما ، فما ظنكم  بسائر الخلق . إن علم العلماء صعب مستصعب ، لا يحتمله  ( يتحمله خ ) إلاّ ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان . قال وإنما صار سلمـان من العلمـاء لأنه امرؤ منـا  أهـل البيت،  فلذلك نسبتـه إلى العلماء .

        ـ أراد عليه السلام (***)  ، أهل التوحيد والعلم ، والمعرفة  والحكمة  لا أهل بيت النسـوان والصبيان ، والأهل والأولاد  ، وفي الحديث النبـوي أيضاً : ” لو علم أبو ذر ما في بطن سلمـان من الحكمة لَكَفَّرهُ وفـي روايـة لقتلـه ” .

        وفي أكثر من مصدر ، عن أمير المؤمنين عليّ عليه السـلام  ، سألـه كميل بن زياد  عن الحقيقة ، فقال  عليٌّ عليه السلام  : مالـك والحقيقة ؟ قـال : أولست صاحب سرِّك ؟ قـال بلـى ،  ولكن يرشـح عليـك ما يطفح مني ، ثم أجابه عمّا سأل .

        وفي رواية أخرى عنه عليه السلام :

        ـ الناس ثلاثة : فعالم رباني ،  ومتعلم على سبيل نجاة  ، وهمج رعاع  ، أتباع كل ناعق ، يميلون مع كل ريح  … إلى أن قال : هاه ! إنَّ ههنا لعلمـاً جمَّاً ـ وأشار إلى صدره ـ لو أصبت له حملة ..  بلى  ، أصيب  :

 

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(**)     ص 12 / دار الكتاب العربي  . 

(***)    هذا التعليق للفيض الكاشاني في نفس السياق  .

 

* لَقِنَـاً غيرَ  مأمون عليه ..

* أو منقاداً لحَمَلَةِ الحق ليس له بصيرة في أحنائه (*) ، ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهه . لا  ذا ، ولا ذاك .

* أو منهوماً باللذة ، سلس القياد للشهوة ..

* أو مُغْرَى بالجمع والادخار ..

        أقرب شبهاً بهما الأنعام السائمة ، كذلك يموت العلم بموت حامليه .