لا تدعو مع الله أحدأً

لا تدعوا مع الله أحداً …

        وفي أن أي وليّ من أولياء الله ، لا يضر ولا ينفع إلاَّ بعناية من الله وتوفيق من الله ، وإذنٍ من الله ، وتسديد منه سبحانه ، وأنه لا يجوز أن ندعو مخلوقاً من دون الله ولا أن نناديه ولا أن نناجيه ، قوله تبارك وتعالى :

       { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا  وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا . قُلْ إِنَّمَا أَدْعُوا رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا . قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا }P(1) P.

وواضح معنى الآية الأخيرة ، قل يا محمّـد ، أنك لا تملك لهم ضَرّاً ولا نفعاً ، فالله سبحانه هو المالك لك ولهم ، بيده ناصيتك ونواصيهم .

وكذلك في وجـوب أن لا يُدْعَى مخلوق من دون الله ، قوله تبارك وتعالى :

{ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ . إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ }P(2) P.

والتوجّه بالدعاء لعباد الله ، أو طلب النجدة ، أو المساعدة منهم ، أو قضاء الحاجات، نجده أكثر ما يكون عند اليهود والنصارى  ، ناهيك عن أصحاب الديانات الوثنية في أقطار الأرض . وللأسف أيضاً ، نجده عند كثرة من عوام المسلمين ، حيث يقدّمون على ذلك ـ على إمكانية أن يستجيب المخلوق الوليّ ، لـمن يدعوه ـ أدلة ً ، فيها من ابتلاء الله لهم ولسمّاعهم العجب العجاب .  فكلما دعا داع عبداً من عباد الله ، نبيّاً كان أو إماماً أو وليّاً ، وأجيبت حاجته كان الله سبحانه وتبارك وتعالى ، هو المجيب وليس عبـده الصـالح . ويفسّـر هذه الأمـور بجلاء ، هـذه الواقعـة التي يقبـل  معانيها

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الجن ، الآيات ( 18 ـ 21  )  .

(2) سورة فاطر ، الآيات ( 13 ـ 14 )  .

القرآن الكريم ، إذ نحن ملزمون ، بعرض كل حديث على القرآن الكريم للتأكد من سلامته :

        عندما صنع السامريّ عجلاً لبني إسرائيل ، سجد له الفريق الذي طلب إلـهاً مجسّماً يعبده ، وتردّد آخرون ، فأخذ العجل يخور ، فحسم المتردّدون أمرهم وسجدوا مع الساجدين. وكان أن رجع موسى من ميعاده مع ربّه تبارك وتعالى ، ونسف العجل في البحر ، وابلغ أمر الله  سبحانه  بأن يقتلوا أنفسهم تكفيراً عـمّا وقعوا فيه . وبعد أن هدأ غضبه ، أخذ يفكر في الأمر من بدايته ، حتى وصل إلى أن العجل كان يخور ، فمن أين الخوار ؟! وسأل ربّه تبارك وتعالى قائلاً : يا ربِّي أما العجل ، فصنعة السامريّ وساعده بنو إسرائيل ، وأما الخوار فممن وهو الأمر الذي  فتنهم  أيما فتنة ؟ قال له تعالى : منِّي يا موسى لأزيد في فتنتهم وإضلالهم ، بعد الذي أبديت لهم من نعمي ورحمتي وآياتي ، فأبوا إلاَّ أن يعبدوا إلـهاً مزعوماً غيري .

        فإذا كان بنو إسرائيل ، في ذاك الزمن ، قادهم خيالهم الفاسد ، إلى صناعة عجل معدني ، نصبوه وعبدوه ، فإن هذا الخيال بعينه ، ما زال موجوداً في هذا الزمان ، وإنما بشكل متطور ، تطورت معه كذلك نسبة الكفر ، والإقبال على ما هو مادي ومجسّم . لكأن أكثر الناس في التاريخ ، يرتـاحون إلى الكساح ، ويفضلونه على التحليق وبذل الجهد فيه ، لمعرفة الحق الأزليّ الأبدي . لذلك نجد أكثر الناس من أصحاب الـملل ، استبدلوا تماثيل بشرية ، بتلك الحيوانية . والذين ترقوا في كفرهم أكثر فأكثر ، استعاضوا عن التماثيل الحيوانية والبشرية ، بأولياء  لله يعبدونهم أحياءً أو أمواتاً . ومن هنا قوله فيهم عزّ شأنه :

       { أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا }P(1) P.

 

 

 

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة الكهف ،  الآية  102   .

        وغاية الأمر أن يكون الله من وراء القصد في أتباعهم  أولياء الله ، بأن لا ينسى المتولي لعبد من عباد الله ، نبيّاً كان أو وليّاً أو إماماً ، أو عبداً صالحاً ، أو أحد والديه أو كليهما ، أنه إنما يتولّى عبد الله هذا ، لأنه منيب  إلى الله ، داع إليه سبحانه . فإذا كان نبياً فلأنه يدعو إلى الله  الذي لا إلـه إلاَّ هو الواحد الأحد ، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، وإن كان  إماماً وصيّاً أو وليّاً فالأمر كذلك . يضاف إلى ذلك وجوب الحذر الشديد من الشرك الخفيّ . ويكون ذلك بأن يتذكر الإنسان دائماً أن الله سبحانه هو الحيّ القيوم ، السميع البصير ، وهو وَحْدَهُ على كل شيء قدير : قوله تعالى :

       { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ }P(1) P.

       وقوله عزّ شأنه :

       { مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا }P(2)P.

        وبعد ، أفلا يستحي المخلوق أن يدعو غير الله ، والله أقرب إليه من حبل وريده ، أقرب إليه من دمه الجاري في أعراقه ، أفلا يخجل الإنسان أن يكون الله ربّه العظيم أقرب ما يكون إليه ، ثم يصيح ويستنجد بعبد من عباد الله ، حيّاً كان أو ميتاً ، سامعاً أو غير سامع كأن يقول يا فلان أدركنا ، ويا تمثال أرزقنا ، أو يا وليّ أو يا نبيّ أو يا شفيع انصرنا واكفنا .