معنى تأويل القرآن

معنى ( تأويل القرآن )  :

        بعد أن رأينا معنيين من المعاني الثلاثة ، لكلمة ( تأويل ) في القرآن الكريم ، وهما تأويل الرؤى(1) ، ارتكازاً على تفسير رموزها ، ثم تأويل الأحداث والوقائع  ارتكازا على استنباط أسبابها وملاحظة نتائجها . فقد بقي علينا استكشاف المعنى الثالث القرآني ، وهو معنى  ( تأويل القرآن ) ، وبذلك نكون قد  استكملنا البحث حول ذلك المفتاح النير الكريم ، الذي يفتح مغاليق كثيرة ، دفعة واحدة في كتاب الله . ذلك المفتاح ، هو  (معنى التأويل وكيفيته في القرآن ) . هذا ، وإن من أصل الأصول العبادية ، معرفة أن كل ذلك واقع ضمن الهيمنة الإلـهية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)       جمع رؤيا وهي مما يراه النائم .

        فما معنى ( تأويل القرآن )  ؟

        قال تعالى في أول سورة الزخرف :

       بسم الله الرحمن الرحيم  حـم(*)  وَاْلكِتَـاـبِ المُبيـنِ(*) إنَّا جَعَلْنَاهُ قرْآناً عَرَبياً لعَلَّكُمْ تَعْقِلوُنَ(*) وَإنَّهُ فِي أمِّ الكِتَـاـبِ لدَيْنَا لعَلِيٌ حَكِيمٌ (*) .

        فما قضية هذا ( الجعل ) في قوله تعالى : ” إنا جعلناه قرآناً عربياً  ؟ ” إن كلمـة ( جعلنـاه )  هـي إشـارة إلـى      ( الكتـاــب المبين ) في اللوح المحفوظ فوق عالم الناسوت وعالم الملكوت .

        الدلالات القرآنية تفيد أن هذا ( الكتـاــب المبين ) بلغة كونية غير لغات أهل الأرض :

       { ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا في السَّمَاءِ والأَرضِ إنَّ ذلكَ في كِتَاب ٍ إنَّ ذلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ . سورة الحج الآية 70 } .

        وفي معنى الجعل ، فإنه سبحانه قد يجعل الشيء العظيم بسيطاً ، والصعب سهلاً ، والبعيد قريباً ، وما فوق العقل يُعْقَلُ بعضه ،  وقد يعكس هذه الأمور .. وبرحمة منه للعالمين . جعـل  (الكتاب المبين ) والذي هو فوق مستوى الإنسان ومستوى عقله ،  قرآناً ميسَّرا  :

       { ولَقَدْ يَسَّرْنَا القُرآنَ  لِلذّكْر  ِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر } .

وقال سبحانه وتعالى في الآية السابعة من سورة آل عمران :

{ هُوَ الذَّي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَـاـب مِنْهُ آيَـاـتٌ مُحْكَمَـاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَـاب وأُخَر مُتَشَـاـبهَـاتٌ فَأمَّا الّذينَ في قُلُوبهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغَاءَ تَأْويلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إلاَّ اللهُ والرَّسِخونَ في العِلْمِ يَقولونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَرُ إلاَّ أُولو الألْبَابِ } .

       

وقال سبحانه في سورة يونس الآيات 38 ـ 39  :

{ أمْ يَقولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأتُوا بسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم  مِنْ دُونِ اللهِ إنْ كُنْتُمْ صَــاــدِقِينَ. بَلْ كَذَّبُوا بمَا لَمْ يُحِيطوا بعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأويلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الذينَ مِنْ قَبْلِهمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـاـقِبَةُ الظَّـاـلِمِينَ }.

وقال عز شأنه في سورة الأعراف الآيات 52 ـ 53  :

{ وَلَقَدْ جِئْنَـاـهُمْ بِكِتَـاـبٍ فَصَّلْنَـاـهُ عَلَى عِلْمٍ  هُدَىً وَرَحْمَةً لِقَوْم ٍ يُؤْمِنونَ. هَلْ يَنْظُرونَ إلاَّ تَاْويلَهُ يَوْمَ يَأتِي تَأويلُهُ يَقولُ الذينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتَ رُسُلُ رَبِّنَا بالحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أو نُرَدّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِروا أنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرونَ } .

        وهكذا نرى أنفسنا ، لكي نجيب على سؤال ( ما معنى تأويل القرآن ) ، في مواجهة هذه الآيات الكريمات ، التي ما زالت شغلاً شاغلاً ، لكثرة من المفكرين والعلماء منذ القرآن المجيد . ولكن يبدو بوضوح ، أن الله سبحانه وتعالى ، شاء لها أن يكون  تفسيرها  وحل رموزها ، أي تأويلها ، من حصة هذا العصر ، وعلى أيدي علماء ، ممن يجتبيهم الله ويتفضل عليهم  من علماء هذا القرن الخامس عشر الهجري ـ العشرين الميلادي .

        وحيث أن أَعْقَدَ المسائل هي في الآية السابعة من سورة آل عمران  ، لذلك بعد التأمُّل فيها نستنتج :

أولاً    : ما المقصود بـ ( المُحْكَم ِ)  في القرآن الكريم  ؟  علمـاً   أن هذه اللفظة وردت فيه مرتين فقط  ،  مرة  في  هذه  الآية  الكريمة ، السابعة من سورة آل عمران . والثانية في قوله تعالى  :  {فإذَا أُنْزِلَــتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا القِتَالُ رَأيْتَ الَّذينَ  فـي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إليكَ .. سورة محمد آية 20 } .

ثانياً    : ما ( المتشابه ) في القرآن الكريم ؟  وقد وردت هذه اللفظة بضع مرات فيه ، إلا أن المعنى الموافق لما في الآية السابعة من سورة آل عمران ، هو في قوله عز وجل :

{ اللهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَديثِ كِتَاباً مُتَشَـاـبِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الّذينَ يَخْشَـوْنَ رَبَّهُـمْ ثُمَّ تَليـنُ جُلُودُهُمْ  وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْر ِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يَضْلِلْ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ . سورة الزمر الآية 23 } .

        فتتفرع عن هذه الآية ، ربطاً وثيقاً بكلمة (  متشابهاً )  كلمــة ( مثاني )  ، فنجد أنفسنا ملزمين  بهما معاً  إضافة إلى الآية السابعة من سورة آل عمران ، فَيَرِِدُ عندنا ، وبالضرورة ،  سؤال جديد ، هو  :

ثالثاً    : ما ( المثاني )  في  القرآن  الكريم ؟ وما معنى : { اللهُ

 نَزَّلَ أحْسَنَ الحَديث ِ كِتَاباً مُتَشَـاـبهاً مَثَانيَ } ؟ .

رابعاً   : من هم الراسخون في العلم وما أدوارهم في (التأويل )

          منذ القرآن الكريم وإلى قيام الساعة ؟ .

خامساً : من هم الذين في قلوبهم زَيْغٌ ، الذين  يتبعون مـا تشابه

         من الكتـاـب ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ؟ .

        ولكي نجيب على هذه الأسئلة كلها ، نلفت إلى أننا لم نعتمد فيها الترتيب  كما أوردناها هنا ، وذلك لاضطرارنا للتعامل مع آيات أُخَر ، ربطاً ومقارنةً واحتجاجا .. مما يقتضيه اسلوب الكتابة في نفس هذا الموضوع  . وما توفيقي  إلاّ بالله الحليم الكريم . بادئين بقول الله عز وجل لرسوله محمد (ص) :

       { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مَنَ المَثَاني وَالقُرآنَ العَظيمَ }

        فما ( المثاني ) بشكل عام  ؟