هل تريد أن تكون من المرزوقين؟

هل تريد أن تكون من المرزوقين ؟

        من البديهي أن كل إنسان يريد أن يكون في سعة من الرزق ، ولكن على اختلاف في مفهوم الرزق وطرق الإرتزاق .

        فالإختلاف في مفهوم الرزق يكون بين المؤمن والكافر من جهة ، وبين المؤمن والموقن ، أو المؤمن والعارف من جهات أخرى .

        أما بين المؤمن والكافر ، فالمسألة واضحة ، هي أن المؤمن يعلم علماً نسبياً حسب درجة إيمانه أن الرزق من الله ، بينما  الكافر  يعتمد  على قـواه  الذاتيـة متعاملاً مع  ما يمكن  أن يتوصل إليه  من القوى والموجودات  الكونية  ليحصل رزقه ،  ظاناً بالنتيجة أن لا علاقة لله عزَّ وجلّ  بالرزق والتوفيق ، وهذا هو كفـر الجحود ، أو أن يكون  غير مؤمن بوجود الله  ، وذلك هو  كفر الإلحاد .

        أما الإختلاف بين أهل الإيمان وأهل اليقين  فيكون في مفهوم الرزق أولاً وثانياً في السبل والأسباب .

        ففي الدرجة الدنيا من الإيمان كلمة الرزق تعني للمؤمن المال والقوت  والملبس والمسكن ورفاه العيش .

        وفي الدرجة العليا يدخل مع المال العافية في الدين والنفس والأهل والولد وسعادة الدارين . واعتماد الأسباب ، وصولاً إلى مسبب الأسباب  .

        أما أهل اليقين ، أولياء الله ، فلهم كذلك مراتب ودرجات ، ومفاهيم  أعلاها أن يسألوا  الله سبحانه بصدق نية وسلامة طوية ، وصفاء نفس  أن يقطع  عنهم سبحانه كل شيء يقطعهم عنه ، وأن يكونوا أهلاً للإجابة . فإذا استجاب تبارك وتعالى ،  كان هو سبحانه  همهم الأوحد .

        أما بخصوص الرزق  واختلاف المفاهيم فيه ، فلهؤلاء وللآخرين ، مؤمنين وغير مؤمنين  ، معانٍ  بين آيتين كريمتين ، الأولى قوله تبارك وتعالى :

       { وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } . [ 60 : العنكبوت ] .

        والثانية قوله عزَّ شأنه :

       { اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }. [ 62 : العنكبوت ] .

        وتتراوح الإفادة من هاتين الآيتين ـ والله الهادي ـ بين إشارتين  في تعاليم الله في قرآنه المجيد :

        الأولى ، قوله تعالى  في كلامه عن مريم عليها السلام :

       { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } . [ 37 : آل عمران ]  

        والثانية قوله تعالى :

       {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} 6]:الإنشقاق[ 

       والناتج  { إِنَّ فِيِ ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } . [ (3 : الرعد )  ـ (1 : الروم ) ـ (42 : الزمر ) ـ (13 : الجاثية ) 2] .

        والخلاصة أن الإنسان  المؤمن مدعوٌّ لفهم الرازق والإرتزاق ، ولفهم ذلك ينبغي أن يحيط علماً بالآية الكريمة ، قوله سبحانه وتبارك وتعالى :

       { أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } . [ 64 : النمل  ] .

        أمَّن يبدأ الخلق ثم يعيده مرَّة أو اثنتين أو ثلاثاً أو سبعاً أو سبعمائة أو أقل أو أكثر أو إلى قيام الساعة .

        وهذا الرزق المنوّه عنه في الآية الكريمة في قوله تعالى { وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ } مطراً من السمـاء ونتاجـاً من الأرض ، للنـاس ، للجماعات ، وكما للجماعـات كذلك للأفراد ، يؤتيه الله سبحانه بعلمـه  ومشيئته وتقديره وقضائه وتسخيره من السماء والأرض .

        وأن هذا الأمر من حيث العلم فالمشيئة فالتقدير فالقضاء والتسخير ، وفي  شمولية ، والإجمال والتفصيل ، لا يقدر  عليه خلق ولو اجتمعوا  له .

        هذا فعل مهيمن .

        ومهيمن إسم ، هو معنى من معاني الإلـه ، ولا إله إلاَّ الله . هذا برهاننا . فإن لم يكن الأمر كذلك  ، فهاتوا برهانكم  إن كنتم صادقين . برهانكم على أن أحداً غير الله مهيمناً يبدأ الخلق ثم يعيده منذ عمر الكون ، ويرزق بعلم ومشيئة وتقدير وقضاء ، مسخراً من وما في السماوات والأرض وعلى صعيد الكـون كله ، وعلى صعيد كل فردٍ مما دق وعظم من جميع ما خلق الله .

 

شارك