هو فضل الله على الناس أم فضل موسى وهارون ؟

هو فضل الله على الناس أم فضل موسى وهارون ؟

        في هذا النصر المؤزَّر لموسى على السحرة ومن ورائهم فرعون والقادة والأمراء والجيش  والشعب وكافة أركان المملكة ، لمن يعود الفضل ، لموسى أم لهارون ؟ وماذا فعل موسى وهارون ؟ وجميع المؤمنين المؤيدين لهما آنذاك ؟ لا شيء أبداً . أما المؤمنون فكانوا ما زالوا في تقية من أمرهم ، يخشون أن يرموا بمجرد تهمة الإيمان بالله واتِّباع موسى أو أخيه . فلا قيمة  لهم عملياً أبداً  . فلا هم يستطيعون ثورة على الطاغية ، ولا حتى يجرؤ أحدهم أن يظهر امتعاضاً من هذا الحكم الطاغوتي . وكذلك موسى وهارون  . كل ما فعلاه أصلاً ، هو الإخلاص لله عزَّ شأنه ، وتصديق وعده ووعيده بيقينية لو أن أحدهما ارتاب معها طرفة عين بقدرة الله ، وحاكميته للكون جملة وتفصيلاً ، لسقط من النبوة والرسالة ، وحتى من درجة  الصديقين والأولياء الصالحين .

        من هنا ، كان طبيعياً أن يكونا مصداقين صدِّيقين لتوجيهات الله وإرشاداته وتنفيذ أوامره سبحانه وتعاليمه . وكافية هي قولته عزَّ وجل :  { اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي . اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى . قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى . قَالَ لاَ تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } . [ 42 ـ 46 : طه ] . كافية هذه { إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } يقولها الله بعزته ومالكيته للكون وسلطانه على الخلق الذين هم جميعاً في قبضته . كافية لأن تجعل من أهل اليقين شجعاناً ولا أشجع ولا أجرأ في المواجهات والمواقف الأشد خطراً وإرهاباً .

        فإذن هو الله وحده القادر القاهر فوق عباده ، الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلاَّ بما شاء  : يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ، يعني ما يضمرون وما يظهرون ، وما فعلوا وما يفعلون وما سيفعـلون . ومضى موسى وهارون  عليهما السلام ، أدَّيا الرسالة . فما هي وظيفتنا الشرعية تجاههما ؟ ليس إلاَّ  المحبة وأخذ العبرة ، والإقتداء  بيقينهما وشجاعتهما  في مواجهة الباطل وأهله ، وانتصارهما للحق وأهله ، وتحدي  الخطر ومواجهة الأهوال ، حُباً بالله وطاعة له سبحانه ، ائتماراً بأوامره وانتهاءً بنواهيه . وأن نـهب له العقول والقلوب والجوارح والأنفس والأبدان ، فهي منه وإليه سبحانه ، وله الحمد وله الشكر حتى يرضى ، ولا حول ولا قوة إلاَّ به تبارك وتعالى عما يشركون وعما يصفون . فهو الباقي بعد فناء كل شيء :

        { قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْـمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } . [ 4 : الأحقاف ] .

        وزيادة في الإعتبار ، وتمعُّناً في الحقيقة ، حقيقة أن الله هو وحده القادر ، الكافي الناصر ، لا أحد أبداً من خلقه دونه . نتأمل بخشوع في آيات أُخر ، تتحدث عن نفس الواقعة ، وإنما بأسلوب معجز آخر من أساليب القرآن الحكيم ، قوله جلَّت عظمته في سورة الشعراء :

        { فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ.وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ. لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ.فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ.قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ.قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُـونَ.فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ.فَأَلْقَى مُوسَى عَصَـاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ.فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ.قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ.رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ.قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُـم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ.قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ } .[38 ـ 50:الشعراء] .

        قبل هذه الآيات ، كما رأينا آنفاً ، قال سبحانه لموسى وهارون : { وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي } وهذا أساس كل سلاح ، وروح كل سلاح ، وكليَّة كل سلاح  ، والله يسبب الأسباب . أفما يعقل الذين يذكرون غير الله وينسونه سبحانه ، منشغلين ليل نهار ، بذكر غيره عزَّ شأنه ، سواء من أوليائه سبحانه أو من أعدائه ، سواء على الأشرطة المسجلة أو في المجالس والمناسبات .

         يا ربنا عفوك … عفوك ورحمتك يا رب العالمين .

        وصور أخرى تتحدَّى كلَّ مشرك ، بأنَّ كل توجُّهٍ بدعاء لغير الله ، وكل استغاثة بغير الله ، وكل لجوء لغير الله ، إثم وباطل ، وبدون طائل ، وليدع الداعون وليستغث المستغيثون ، وليلجأ اللاجئون لغير الله إلى قيام الساعة فلن يستجاب لهم ، وسيظلون من الأخسرين . صور أخرى من خلال هذه الآيات ، عن عظمة الله ومقدرته ، وعزته وجبروته . هي أولاً ، أنه أوقف  رجلين ، لا سلاح لديهما ولا مقاتلة ، أعزَلين إلاَّ من اليقين بالله  والتوكل عليه جلَّ جلاله ، ومما أعطاهما من سلطان الرسالة وقوة الحجة ، في مقابل أُمَّةٍ بكامل عناصرها ، بتاريخها وتراثها وحضارتها وعسكريتها ، وغلَّبهما على هذه الأمة ، المهيمنة على أكثر الأرض المعروفة آنذاك . ثم أخرجهما من تلك الأرض ، ودمَّر على من بقي من أهلها الصنميين ، بعد أن أغرق  مليكها الطاغية الذي أبى إلاَّ أن يكون ربّاً معبوداً ، وجيشه المفتون به ، بين جبلين من المياه ، أمرهما بالإرتفاع  عن اليابسة فارتفعا ، ثم بالإنهدام  على القوم فانهدما . وبُعْداً للقوم الظالمين ، والحمد لله رب العالمين .

        …{ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا}.[ 51: مريم ] .

        هذا كل رصيد موسى عليه السلام { … إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُـولًا نَّبِيًّا } . وكذلك كان رصيد نوح وإبراهيم وغيرهم  من قبله ، وعيسى ومحمّد وغيرهما من أئمة الحق والأولياء من بعده ، سلام الله عليهم  أجمعين . إن كل واحد منهم كان كل ما قدَّمه ، للبشرية  أنه كان مخلصاً وكان رسولاً نبياً ، أو إماماً مجاهداً أو تقياً . وربما تميز بعضهم عن بعض كما قال تعالى : { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ … } . [ 253 : البقرة ] . وحيث أن تكليفنا ـ كما هو تكليف جميع العقلاء ـ هو الدعوة إلى الله ، وليس الدعوة إلى الرسل  ولا إلى مخلوق من دون الله ، فتعرُّضنا للمفاضلة بينهم خروج عن الغاية ، لا سيما وأن الله عزَّ وجل أمرنا بخصوصهم أن لا نفرِّق بين أحد منهم ، قوله تبارك وتعالى :

       { قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ . فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } . [ 136 ـ 137 : البقرة ] .

        كما أرشدنا سبحانه وتعالى إلى أن مجموع هؤلاء الرسل والصالحين والصديقين في تاريخ البشرية ، هؤلاء جميعاً هم أمة كل مؤمن ، قولـه تبارك وتعالى ، بعد أن عدَّد أقطاباً منهم في سورة الأنبياء :

       { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ . وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ } . [ 92 ـ 93 : الأنبياء ] .

        فإذا استطاع امرىءٌ أن يستعرض جميع من أرسل الله ونبَّأ واصطفى ، من الأولين والآخرين ، وأن يطَّلع على أهدافهم وغاياتهم ، ومواقفهم ومجاهداتهم ، وتفانيهم وبذلهم أموالهم وأنفسهم ، فسوف لن يجد إلاَّ خلاصة واحدة بسيطة ، ليس فيها  أي تعقيد ، خلاصةً تستقطب معهم أئمة الحق وأولياء الله الصالحين  في كل زمان ومكان ، هذه الخلاصة ، هي الدعوة إلى الله ، وليس لأحد غير الله :

                فما لكم أين تذهبون ؟ …

        وتسهيلاً على البشرية ، بعد رحلتها الطويلة مع هؤلاء الرسل والأنبياء ، وحتى لا يضطر الناس إلى كثرة الدرس والإطلاع ، وحشد الكتب والآثار ، فقد لخَّص سبحانه للناس ما أرسله وأنزله للبشرية منذ أن أوجدها على هذا الكوكب . فجعل خلاصة الأنبياء والمرسلين ، خاتمهم محمّداً (ص) . وخلاصة ما أنزل عليهم من كتب وألواح ، وشرائع وتعاليم ، في كتاب واحد {…  مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ …} . [ 48 : المائدة ] ، هو القرآن الكريم . فمن اسْتنَّ بسنة محمّد (ص) وأئمة الحق من بعده ، اشتغل بذكر الله وحده ، وجاهد في سبيله وحده ، ودعا إليه وحده ، سبحانه له الحمد وتعالى عما يشركون . ومن اعتمد القرآن ، تدبُّراً وتعلُّماً ، وضبطاً وربطاً لأمور الدنيا والآخرة ، جعل الله له نوراً يمشي به في الناس ، وأصبح من الداعين إلى الله وحده لا شريك له . فإذا هو تحدث عن نبي ، فلكي يدعو إلى وحدانية الله . وإذا تحدث عن صحابي  فلكي يذكر فردانية الله . وإذا تحدث عن إمام حق فلكي يذكِّر بأنه لا إلـه إلاَّ الله ، له الأسماء الحسنى وحده ، وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وحده ، هو غاية  الغايات ، والحبُّ الأعظم ، ومناط كل رجاء ، في سبيله وحده تخاض اللُّجج ، وتبذل المهج . له الحمد وحده أولاً وآخراً ، وظاهراً وباطناً ، هو حسبنا ، وحده الناصر ، ووحده الكافي ، عليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير .