وجهان للحضارة : جميل وقبيح

نحن وحضارة العام ألفين … إلى اين ؟ !

 

وجهان للحضارة : جميل وقبيح :

 

        مـمّا لا شكَّ فيه أن الحضارة  ، بما تعنيه من تقدم وتطوّر مذهل ، في شتّى مجالات النّفس والكون ، قد جعلت الإنسان أغنى بالمعاني ، وأقدر على التحكّم بمعطيات الوجود ، وبالتالي أرفع مستوى ثقافياً ، مـمّا كان عليه الأسلاف من عوام البشر .

        نستثني من ذلك  الملهمين ، كما نستثني احتمال حضارة أو أكثر ، يقال إنها فاقت حضارتنا هذه . ولعلها هي التي  اشار إليها الله عزّ وجلّ قوله :

{ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ . وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُـمْ تَخْلُدُونَ }P(1) P.

ودمّرها لما أن انحرفت عن طاعته وتعاليمه .

أما من الوجهة الإيجابية للحضارة ، فجميل جداً أن تضغط زراً لتضيء المنـزل أو الشارع أو المدينة بنور مريح ، بدلاً من الشمعة أو قنديل الزيت . مع الفارق الكبير ، العملي والنوعي والاقتصادي .

والأجمل منه أن تطير إلى مكـة ، أو تكـرج على الدولاب ، حاجـاً ،

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة الشعراء ،  الآيات ( 128 ـ 129 )  .

فتصل إليها في بضع ساعات  ، أو بضعة أيام . وكذلك إلى أي مكان على هذا الكوكب . وأن تسعد بصحبة عيالك أو أخوانك إن صحبتهم  ، أو تعود إليهم على جناح الشوق ، دون طول غربة وطول فراق .

        ويتكامل الجمال في عينيك  ، ويصبح رافداً للسعادة في قلبك ، عندما تشكر الله … وتقول عندما تقلع بك الطائرة ، أو تندفع بك السيارة :

       { سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ . وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ}P(1)P.

       كل ذلك بدلاً من الوسائل البدائية ، وما كان فيها من كلفة  البدن ، وكلفة الزمن ، وهدر ما بينهما من الطاقات .

        وجميل أن يكون لبيتك سقف ، تنـزلق عليه مياه المطر ، بدلاً من أن تتسرّب عبر السقف الترابي إلى الداخل ، فتختلط بدخان الموقد العتيق ، وتمتـزج بالدموع … التي توشك أن تكون بكاء ، فتنغص بركة الشتاء ، وبركة الحياة . ولو كان لا يجرح في ذلك قول ميسون الكلبية زوجة معاوية :

لَبَيْـتٌ تَعْصِـفُ الأَرْيَـاحُ فِيـهِ       أحـبُّ إِلَـيَّ مِـنْ  قَصْـرٍٍ مَنِيــفِ

وَلَبْـسُ عَبَـاءةٍ  وَتَقَـرُّ  عَيْنِـي       أحـبُّ إلـيَّ مـن لُبْـسِ الشُفُـوفِ

وَعِلْـجٌ مِنْ بَنِـي عَمِّي نَحِيـفٍ       أحـبُّ إلـيَّ مـن عِلْـجٍ مُخِيــفٍ

        إذ أنها لا تلام في ذلك ، وهذا الموقف شبيه ، ولو من طرف الزوج ، بموقف زوجة فرعون ، التي أخبر الله سبحانه أنها قالت ، وقد شاهدت فساد القصر وكفر من في القصر :

        {.. رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّـني مِنْ فِرْعَـوْنَ وَعَمَلِهِ .. }P(2) P.

        وجميل في الحضارة أن تدير مفتاح الكهرباء ، أو الغـاز ، لتطبـخ ،  أو

 

 

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الزخرف ، الآيات ( 13 ـ 14 )   . 

(2) سورة التحريم ،  الآية  11  .

تهيء بالسرعة ما تشاء من طعام وشراب ، وبدلاً من النفخ على الحطب ، الذي يذكرنا بإزعاجه ، جانباً من معنى قول حاتم الطائي لعبده :

أَوْقِـدْ فَـإِنَّ اللَّيْـلَ لَيْـلُ قَـرّ              والريـحُ يَـا وَاقِـدَ رِيـحُ صَـرُّ

إِنْ جَلَبْـتَ ضَيْـفاً فَأنْـتَ حُـرُّ

        وجميل في الحضارة أن تنقّل أصابعك على لوحة صغيرة ، لتحسب  في عمليات رقمية معقدة ، فتحصل على نتائج ، نادراً ما تحتاج إلى مراجعـة ، وذلك في ثوان ، كانت تقتضي في الماضي ساعات طوالاً .

        وكم تشعر بالحيوية والنشاط والسعادة ، وأنت تشكر الله … متمتماً أمام كل جهاز ، أو نتيجة كل عملية يسّرها سبحانه :

       { عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }P(1) P.

       {.. الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ ..}P(2) P.

       ثم تبتسم ابتسامة المشفق الحزين ، على الذين حرموا أنفسهم نعمـة الإيمان : { الّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً } ، فحرموا السعادة الحقيقية ، ولذلك ادّعوا أنها من المستحيلات .

        وجميلةٌ في الحضارة الثلاجة ، والغسـالة الأوتوماتيكية ، وأنـواع المنظفـات … والحمامات التي تذهب بما يستقبح إلى باطن الأرض ، ولا عين رأت ولا أنف شم … جميلةٌ النظافة ، نحصل عليها بالطريقة الآلية بدون عناء ومريحة في الحضارة الدولة العادلة ، ومؤسساتها النظامية ، وإداراتها الفنية المعزّزة بالألكترونيات ، وكذلك الأنظمة المانعة للفوضى  في الناس ، والفوضى في الأشياء … وما أكثر وجوه الجمال في الحضارة . ولو  شئنا أن نعدد لاقتضى الأمر منَّا مجلدات : في مجال ذات الإنسان ، وفي كوكبه السوّاح حول الشمس ، وفي الفضاء ، وفي الفلك .

 

 

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة العلق ،  الآية 5  .                   (2) سورة الأعراف ،  الآية  43  .

        والأجمل من ذلك كله ارتقاء القمر ،  والتنقّـل عليه ، بخفـة  تـوازي ( 1/8 ) ثمن وزن الإنسان  على الأرض ، بما يشبه الطيران ،  فوق  تلالـه وآكامه . ثم التطلّع منه ـ عبر العلم الذي أوصـل إليه ـ نحو جيران أرضنا : المريّخ الأحمـر ، بأقماره ، وزحل  ، بهالاته الشاعرية ، والمشتري عملاق  الكواكب ، هذه وبقية مجموعتنا التي تقودها شمسنا كراع يقود قطيعه ، ولا أحدُ غيرُ الله ، يعرف إلى أين ، والراسخون في العلم . والأجمل أيضاً ، الحلم بارتقائها ، بعضاً أو جميعاً ، وأخذ فكرة عن من حولها ، أو منها ، أو عبرها ، عن الجنة والنار… أفي مجموعتنا الكوكبية هما ، أو في مجرتنا  درب التبانة ، أم في مجرة أخرى معروفة ، أم في مجرة من  اللواتي تراهنَّ المراصد مرة واحدة ، ثم لا تعود تراهنَّ أبداً ؟!  النعيم والجحيم، هل هما في كوننا المرئي ، أم في كوننا غير المرئي من دنيانا هذه ؟!

        جميلةٌ التلسكوبات ، وأجهزة الرادار ، والمراصد ، والجالسون أمام عدساتها ، ولوحاتها الإلكترونية : يراقبون … يدرسون … يسجلون … ينبهرون ، وينبهر معهم العالم ، بما في هذا الكون من أسرار وجمال ، وحسن وروعة ، ومفتحات ومغلقات … تارةً تشعرنا بالسعادة والشوق ، إلى  ما وعد الله به الأبرار ، وتارةً تشعرنا بالرهبة والفزع ، وتغرقنا في التأمّل ، عن النفخ بالصور ، والقيامة ، وأهوال القيامة ، والإنبعاث، من ذلك الذي هو في مفكرة العلماء اليوم : طواحين الشموس والكواكب ، وهي ما أسماه العلم بالثقوب السوداء،ووصفها بأن بعضها ،تهوي فيه مجموعات كوكبية بشموسها ، فتطحنها طحناً ، وهو أمر استنتاجي عندهم ، ولنا نحن أن نستنتج معهم ، أنها أمثلة يضربها الله لنا عن القيامة الكبيرة الكلية الشاملة ، التي عناها بقوله عزّ وجلّ :

       {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ }P(1)P.

 

 

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة النمل ،  الآية 87  .

        والعلماء  يصوّرون  هذه الثقوب على شكل أبواق ، الواحد منها يجذب المجموعة الكوكبية ، جذباً عنيفاً ، يبتلعها ابتلاعاً ، يسحقها سحقاً ، ثم تنبعث من جديد ، من طرفه الآخر ، من الثقب الأبيض ، تنبعث وقد أعاد  خلقها الذي يميت كل شيء ، ليبعثه حياً كما خلقه أول مرة ، قوله عزّ وَجَلّ :

       { إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ{ P(1) P.

       وإذا لم نفهم  الثقوب السود ، فهماً قرآنياً ،  كان في خروجنا من الثقوب البيض استحالات وإشكالات . ومن الإنذارات ، قوله جلّ شأنه :

       أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ، إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُـمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ..}P(2) P.

       جميلةٌ الحضارة ، ومخيفة ، وجميلٌ العلم ، ومخيف …

        يبقى أن الأجمل من هذا كله ، كما السعادة في كمالها واستمراريتها ، أو الأكثر قبحاً ، وأشدّ إرهاباً ، هو عقل الإنسان ، في التواصل معه أو في  هجره ، فمن أين هذا العقل ، وبالتالي هذا الإنسان . وإلى أين ؟!

        بليغ هذا السؤال ، والأبلغ منه الإجابة  عليه ، الإجابة التي تقول ، لا إلـه إلاَّ الله الإجابة التي تضع على الحقيقة  العين والقلب وكل ذرةٍ في الكيان . وقد وضعها ناس ، فسعدوا سعادة الأبد . وما زال ناس آخرون ، يمدّون إصبعهم ، تارةً في عتمة ، وتارةً بين النور والعتمة ، وتارةً في سراب ، وتارةً تحت قنـديل  ديوجين ، الذي كان يسيـر بـه فـي ضوء النهـار ، باحثـاً عـن

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة يونس ،  الآية  4    .

(2)      سورة محمّد  ،  الآيات ( 24 ـ 26 )   .

الحقيقة .  والحقيقة ما هي في عتمة ، ولا هي في الشّك ، ولا هي في سراب ، ولا  هي من  ديوجين في مزحة أو خبال .

        هذه الحضارة  الجميلة ، أرادها لنا الله سبحانه  وتعالى سعيدةً مسعدة . ولكن اشترط على الإنسان أن يعرف خالقه من آثار صنعه ، وكرمه وعظمته . وأن يحترم  النعمة العظمى ، التي هي عقله ، فَيغذِّيه بعلم وهداية وكتاب منير ، أسمع قوله عزّ وجلّ :

       { أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً..}P(1) P.

        وقوله تبارك وتعالى  :

       { طـه   مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى }P(2) P.

        وقوله عزّ شأنه :

       { اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ  الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الْإِنسَـانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }P(3) P.

        وقوله عزّ شأنه :

       { وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }P(4) P.

        وقوله وما أكرمه :

       { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَـةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْـرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ .. }P(5) P.

       ثم تنهال التحذيرات من تشويه وجه الحضارة  :

 

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة لقمان  ،  الآية 20  .              

(2) سورة طـه ، الآيات (1 ـ 2) .

(3) سورة العلق ، الآيات ( 3 ـ 5 ) .

(4) سورة الجاثية ، الآية  13  .

(5) سورة الأعراف ، الآية  32  .

       { كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى }P(1) P.

       ثم :{وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ . أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ }P(2) P.

      

 

 

ثم : قوله جلّت عظمته :

       { قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ }P(3) P.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

       

 

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة طـه ،  الآية  81    .

(2)      سورة الرحمن ، الآيات ( 7 ـ 8 )   .

(3)      سورة النحل ، الآية 26    .