
<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>مفتاح المعرفة &#8211; وفيه شطحات أهل العرفان &#8211; موقع العقل الاسلامي ونهاية العالم</title>
	<atom:link href="https://islamicbrain.org/mf2/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://islamicbrain.org</link>
	<description>موقع سماحة العلامة الشيخ عبدالكريم آل شمس الدين</description>
	<lastBuildDate>Sat, 09 Dec 2023 23:40:52 +0000</lastBuildDate>
	<language>en-US</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=6.9.4</generator>

<image>
	<url>https://islamicbrain.org/wp-content/uploads/2022/10/cropped-android-chrome-512x512-1-1-32x32.png</url>
	<title>مفتاح المعرفة &#8211; وفيه شطحات أهل العرفان &#8211; موقع العقل الاسلامي ونهاية العالم</title>
	<link>https://islamicbrain.org</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>هل الأنبياء كائنون في الدنيا أحياءً بعد موتهم ؟!</title>
		<link>https://islamicbrain.org/%d9%87%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d8%a8%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d9%83%d8%a7%d8%a6%d9%86%d9%88%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%86%d9%8a%d8%a7-%d8%a3%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a1%d9%8b-%d8%a8%d8%b9/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[العقل الاسلامي ونهاية العالم]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 08 Jul 2021 11:38:12 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[هل الأنبياء كائنون في الدنيا أحياءً بعد موتهم ؟!]]></category>
		<category><![CDATA[مفتاح المعرفة - وفيه شطحات أهل العرفان]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://islamicbrain.org/?p=2022</guid>

					<description><![CDATA[هل الأنبياء كائنون في الدنيا أحياءً بعد موتهم ؟! ========================           زعم أحد العلماء أن محمَّداً (ص) &#8220;كان حاضراً في جميع أبعاد الإنسانية ومراحل الوجود &#8221; . فهل يؤيد القران الكريم هذا الزعم ؟ .           قال تعالى : { اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ [&#8230;]]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl" style="text-align: left;">
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">هل الأنبياء كائنون في الدنيا أحياءً بعد موتهم ؟!</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">========================</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          زعم أحد العلماء أن محمَّداً (ص) &#8220;كان حاضراً في جميع أبعاد الإنسانية ومراحل الوجود &#8221; . فهل يؤيد القران الكريم هذا الزعم ؟ .</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          قال تعالى : { اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. سورة الزمر الآية 42 } .</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          في هذه الآية أن الله تعالى يتوفى الأنفس عند الموت ويتوفاها عند نومها ، فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل التي توفاها من النائـم إلى أجل مسمى . هذا ظاهـر القـرآن ـ تفسيراً ـ وهو واضح ومعلوم ، لحجية الظاهر .</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          إلا أن في الآية إشارة ، هي باب إلى تأويلها  بحيث  يصبح المعنى أن الله  تعالى يتوفى الأنفس التي يقضي عليها موتاً نهائياً فيمسكها . ويتوفى أنفساً في منامها موقعاً في أصحابها موتاً حقيقياً ، إلا أنه سبحانه يعيدها إليهم ، أي الأنفس ، ليتابعوا في الدنيا ، في مجتمعهم  قسطاً من العمر ، يرفعهم بعد ذلك إليه سبحانه دون إماتة ثانية ، وفي قوله عن النبي إدريس عليه السلام { وَرَفَعْنَـ<sup>ا</sup>هُ مَكَانًا عَلِيًّا . سـورة مريم الآية 57 } دلالة على ذلك ، وتتضح هذه الدلالة كذلك عن المسيح عليه السلام ، إذ توفاه ثم رفعه إليه . قال تعالى :</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">{ إذ قَالَ اللهُ يـ<sup>ا</sup>عِيسَى<sup>آ</sup> إنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إليَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَـ<sup>ا</sup>مَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ  . سورة آل عمران الآية  55 } .</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">وقوله سبحانه :</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">{ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي  شَكٍّ  مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا . بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا . سورة النساء الآيات ( 157 ـ 158) } .</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          ثم الدليل على أن النبيَّ ينقطع عن الدنيا إذا توفاه الله أو إذا رفعه إليه ، هو في الآيات البينات هذه :</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          { وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَـمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ . مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . سورة المائدة الآيات (116 ـ 117) } .</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          فالشاهد هنا قول المسيح عليه السلام : { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } .</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">وهذا الأمر ينطبق على جميع الأنبياء ، وإلاّ لماذا تخصيص المسيح عليه السلام بقطعه وحده عن الحياة الدنيا .</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">وقد قال تعالى :  { .. وضربنا لكم الأمثال . سورة إبراهيم الآية 45 } وقال سبحانه: { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ . سورة الروم آية 58 } . </span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;"> </span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">وهل يكون النبي حاضراً قبل ولادته في تاريخ البشرية ؟!</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">==========================================================================</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          من العجيب في القرآن الكريم كثرة الآيات التي تنفي هذا الزعم وخاصة عن خاتم النبيين وأعز المرسلين محمَّد(ص) ففي سورة آل عمران آية 44 قوله تعالى مخاطباً محمَّداّ (ص) :</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          { ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } .</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          وفي سورة الأعراف قوله تعالى كذلك يخاطبه (ص) آية 188 : { قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . } .</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          وفي هذه الآية نفي علم الغيب المطلق عن محمّد (ص) وضمنه غيب تاريخ البشرية قبل ولادته الميمونة (ص) . فكيف يكون حاضراً ـ حسـب الزعـم المتقدم ـ : &#8221; في جميع أبعاد الإنسانية ومراحل الوجود . &#8221; ؟!  .</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          أما الغيب الذي كان يخبر به النبي (ص) فهو بتعليم خاص ووحي من الله تبارك وتعالى :{ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}.       </span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          ثم قوله تعالى ينفي علم محمّد (ص) بما يجري عليه وعلى الناس من تدبير الله تبارك وتعالى ومن حكمه وحاكميته :</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">{ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ . سورة الأحقاف الآية 9 } .</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;"> </span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          ثم قوله تعالى : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ . ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ . سورة الزمرالآيات ( 30 ـ31 ) } .</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          الموت العادي معلوم أنه إنقطاع عن الحياة الدنيا ، وفي هذه الآية يتساوى النبيّ وجميع الناس من حيث الإنقطاع عن الدنيا بالموت ، إلاَّ أنَّ الفارق يكون بالكيفية والدرجة من حيث قبض نفس النبيّ أو الوليّ أو الناس على إختلاف عقائدهم وأعمالهم  : { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ . سورة الأحقاف الآية 19 } . </span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          يبقى التأكيد من قبل الله تعالى على عدم حضور النبيّ محمّد (ص) شخصياً &#8221; في أبعاد الإنسانية ومراحل الوجود &#8221; وذلك في آيات ، كنت عندما أقرؤها أعجب من مخاطبة رسوله (ص) بها ، وأتساءل كثيراً عن الغرض من ذلك ، وأبحث في كتب التفسير والتأويل فلا أجد ما يشفي غليلي ، حتى قرأت هذا الزعم المنوه عنه ، وقرأت وسمعت ، أنّّ محمّداً (ص) وبعض أولياء الله الصالحين يطّلعون على أعمال العباد في يوم كذا أو يوم كذا من أيام الإسبوع ، وهم في الحياة الدنيا ، وبعبارة أخرى أنهم تعرض عليهم أعمال تابعيهم ومحبيهم ، فيرفعون عن ذلك تقارير إلى الله عز وجل مما يزيد في أجور هؤلاء المحبين والتابعين ، وما أشبه ذلك من الكلام الذي يطول شرحه عندهم وتفاصيله ونتائجه .</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">وهذه الآيات الكريمات هي :</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">أولاً : في سورة يوسف محدثاً رسوله محمّداً (ص) عن إخوة يوسف إذ يمكرون بأخيهم ، وقوله تعالى إنك يا محمّد لم تكن مع هؤلاء أبداً وهم في تلك المرحلة من مراحل الوجود :</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ. وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ . سورة يوسف الآيات (102 ـ 103) } .</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;"> </span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">ثانياً :  في سـورة القصص ، كذلك لنفس الغرض وهو علم الله العظيم ، بأنه سيأتي زمان ، تشوه فيه الحقائق وينصرف فيه الناس عن قوة حضور الله وإحاطته بالأمور وحاكميته دون شريك في السماوات أو في الأرض وهيمنته على الوجود جملةً وتفصيلاً ماضياً وحاضراً ومستقبلاً ، إلى قوة حضور غيره من المخلوقين أنبياء أو أولياء أو صالحين ،  &#8221; في أبعاد الإنسانية ومراحل الوجود &#8221; . وهذه الآيات هي التالية ، كذلك مخاطباً بها محمّداً (ص) عبده ورسوله :</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأََمْرَ وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ . وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ . وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ . سورة القصص الآيات (44 ـ 46 ) } .</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          ودفع هذه الشبهة لا يغض من شأن رسول الله محمّد (ص) ولا ينزله من عليائه التي رفعه الله إليها عبر خلقه العظيم وجهاده الكبير ، ولا من مكانه المحمود الذي سيبعثه الله فيه حيث يحمده عليه الأولون والآخرون . وفي محمّد (ص) تؤلف المجلدات وفي مدحه تنشأ الدواوين . إلاَّ أنَّ الحقَّ أحقُّ أن يقال ، ولا سيما إذا كان هذا الحق مشرقاً في القرآن الكريم .</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          هذا من جهة ، ومن جهة ثانية ، فإننا بعدما آتانا الله عز شأنه من العلم ، وبعدما نوّر قلوبنا بأنواره وأنوار كتابه المجيد ، فإننا نخشى ، إن نحن كتمنا ما علّمنا سبحانه ولم نظهره للناس ، أن نقع تحت وطأة نذيره في الآية الكريمة قوله تعالى :</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاّعِنُونَ . سورة البقرة الآية 159 } . </span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          فحرصاً على رضاه سبحانه ، وحرصاً على نجاتنا من سخطه ورجاء أن يثوب إلى رشدهم إخوان لنا علماء ، وينقذوا الأمة من هذا الخطر الكبير الذي يشدها دائماً وأبداً إلى الأسفل ، ويعيقها عن نهضتها من بؤرة الهزيمة في جميع جبهات الحياة ، عنيت بهذا الخطر المدمِّر : الشرك الخفي . مستقلاً أن أكتب في جنب الله وحرصاً على توحيده ولو بدمي . فلبيك اللهم لبيك ، ولو كنت أعلم سلفاً أني سأتلقى ردود فعل غاشمة ، من العامة وبعض الخاصة ، وكالعادة ، ولا سيما من أدعياء الحفاظ على العقيدة وأتباعهم الإمَّعات .</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          وفدىً لرضاك ما تبقى لي من الفكر والعمر والطاقات ، وما بي من نعمة فمنك يا أرحم الراحمين ، عاملاً بقولك مشتاقاً إليك في الواصلين :</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: 14pt;">          { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ . سورة فصلت الآية 33 } . </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: left;">
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>دروس حوزوية تزوِّر القرآن</title>
		<link>https://islamicbrain.org/%d8%af%d8%b1%d9%88%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d8%b2%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d8%b2%d9%88%d9%91%d9%90%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-2/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[العقل الاسلامي ونهاية العالم]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 08 Jul 2021 11:43:58 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[دروس حوزوية تزوِّر القرآن :]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://islamicbrain.org/?p=2032</guid>

					<description><![CDATA[دروس حوزوية تزوِّر القرآن : ===============             لعلَّ هذا الموضوع هو أخطر المواضيع التي نالت وما زالت تنال من عقيدة التوحيد ، هذه العقيدة التي على أساسها يقبل إيمان الفرد أو إيمان الأمة أو لا يقبلان . والتي على أساسها بني الإسلام العظيم دين رب العالمين .           والموضوع  هذا ، هو تزوير أساس [&#8230;]]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl" style="text-align: center;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>دروس حوزوية تزوِّر القرآن :</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: center;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>===============</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>          </strong>لعلَّ هذا الموضوع هو أخطر المواضيع التي نالت وما زالت تنال من عقيدة التوحيد ، هذه العقيدة التي على أساسها يقبل إيمان الفرد أو إيمان الأمة أو لا يقبلان . والتي على أساسها بني الإسلام العظيم دين رب العالمين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          والموضوع  هذا ، هو تزوير أساس التوحيد ، من حيث نقل الحقوق والحقائق التي هي لله وحده ، إلى فريق من عباده ، مهما كان شأن هذا الفريق ودرجته بين المخلوقين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          وحقيقة هذا الموضوع ، أن عجيبة من عجائب قلب الحقائق تدرَّس في الحوزات الدينية ، لطلبة يصبحون ، في كل جيل ، القادة الدينيين ، أي القادة الحقيقيين لأمـة الإسلام ، فهم يحملون التزوير الذي تعلموه إلى الناس ، كل الناس . وإذا كان أساتذة الحوزات أصلاً ، لم يلتفتوا إلى حقيقة هذا التزوير ، وكذلك طلابهم الذين أصبحوا ويصبحون قادة ، فمن البديهي أن لا يلتفت كذلك عامة الناس . والأدهى من ذلك ، أن العامة فضلاً عما عندهم من السطحية والفقر في الدين وضيق الأفق والجهالة في جواهر العقيدة . وفضلاً عن أنهم أعجز من أن يحققوا أو يدققوا في الأمور الفكرية والإجتهادية التي تقدم إليهم ، فهم يتعصبون للكارثة ، هذه التي تجتاح عقيدة التوحيد ، طبعاً هم تعلموا هذا التعصب ، والتمسك الشديد ببعض الأمور التعصبية  تقليداً لشيوخهم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          أما الحكاية ، فهي تفسير آية أو آيات ، هي من أخطر وأوضح الآيات القرآنية التي تدعو إلى اتباع الله أصلاً وأصالة ، فقد حوَّلها المحرفون تحت عين الشمس وتحت أنوار الله الكاشفة وأنوار كتابه الكريم إلى دعوة إلى الأئمة عليهم السلام ، حيث عطَّلوا حق الله سبحانه في توحيده هو ، وجعلوه حكراً على الأئمة الذين هم برآء من هذا التزوير .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          وهذه هي الآيات الكريمات التي عطلوها وقلبوا معانيها ، قوله عزت عظمته :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          <strong>{ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلْ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ . قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ . </strong>سورة يونس الآيات ( 34 ـ 35 <strong>) </strong><strong>} .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          وقبل أن أذكر التزوير الخطير لجواهر الآيات ومحورها الذي هو التوحيد . أفسِّرها ، فهي بسيطة أي غير مبهمة ولا معقدة من حيث تركيبها ووضوح معانيها :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          أما قوله تعالى : <strong>{ .. هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ .. } </strong>فهو سؤال بديهي إستنكاري محرج لجميع أهل الشرك ، سواء كانوا يشركون بالله أوثاناً أو بشراً ، زعماء دين أو زعماء سياسة ، أو ممثلين لمراكز قوى في حياة البشرية . والتحدي الواضح ، هو أنه لا أحد يستطيع أن يدَّعي لمخلوق أنه يخلق من العدم كما خلق الله هذا الوجود بعناصره الكثيرة ومنها هذا الإنسان ، نبياّ كان أو إماماً أو صالحاً  في الصالحين ، أو غير ذلك  ممن اختاروا الشرك والكفر والعناد لرب العالمين . وهذه تفيد باختصار أنه لا إلـه إلاَّ الله المتميِّز بألهانيته ، والتي هو بها سبحانه القادر المطلق والعالم المطلق والحاكم المطلق . وكأنما هذه الآية الكريمة تمهيد للآية التي بعدها ، والتي فيها تقرير الحقيقتين الكبريين ، الأولى أنه هو وحده سبحانه دون جميع خلقه يهدي إلى الحق دون أن يحتاج لهداية أحد . والحقيقة الثانية المترتبة عليها وهي أنه إذاً هو وحـده أصالة يجب أن يُتَّبع ، فاتِّباع غيره بدون هديه هو وبدون أمره هو وبدون إرشاده هو يؤدي إلى الهلكة ، وأية هلكة هي التأبيد في نار الجحيم . هذا هو معنى الآية الثانية <strong>{ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ &#8230; } </strong> والجواب القطعي  أنه لا ليس أحد من الشركاء ولو كانوا في زعمهم أنبياء أو أئمة ، فلا أحد منهم يستطيع أن يهدي إلى الحق وهو بعد بشر ، ولن يكون إلاهاً ابدا . هو سبحانه قال لعظيمهم محمّد (ص)  : <strong>{ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا </strong>. سورة الكهف الآية 110 <strong>} .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          فقوله تعالى <strong>{ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ .. } </strong>يعني محمّد (ص) بشر مثل بقية البشر ، يضل ويهتدي  ، فإذا عصمه الله ، وقد عصمه ، فإنما يهدي بما يوحي إليه الله سبحانه ، وهكذا الأئمة المعصومون عليهم السلام هم بشر كبقية البشر ، وهم في أحسن حالاتهم  ليسوا أفضل من محمّد (ص) ، فهم لن يستطيعوا أن يهدوا أحداً إلا بعد أن يهديهم الله . فماذا جرى حتى قلبوا هذه الحقيقة في الكتب التي تدرَّس في الحوزات الدينية ، حيث جعلوا قوله تعالى : <strong>{ .. قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ .. } ؟  </strong>جعلوها حكراً على الأئمة (ع)  وأنهم هم  يهدون إلى الحق من دون الله <sup>(*)</sup> . أما قوله سبحانه <strong>{ .. أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى .. } </strong>وهو سبحانه يقصد بها جميع ما خلق من الملائكة والجن والإنس  وفيهم الأنبياء والأئمة والأولياء ، جعلوها فقط للعوام من النـاس <strong>{ فما لكم كيف تحكمون } ؟! .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong><sup>(*) </sup></strong><strong>كتاب التربية الدينية  ـ دراسة منهجية لأصول العقيدة الإسلامية . الصفحة </strong><strong>(</strong><strong>60 ـ 61</strong> ) .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          وليس عبثاً ، ومعاذ الله ، أن يُتْبِعَ سبحانه هاتين الآيتين بقوله عـزت عظمتـه : <strong>{ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ . </strong>سورة يونس الآية 36<strong> } . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          وفيما يلي أدناه النص الحرفي الوارد في الكتاب الآنف الذكر صفحة 60 ـ 61 :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          ومن الآيات القرآنية التي تفرض أن يكون الإمام عالماً بالشريعة علماً كاملاً قوله تعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>          </strong><strong>{ </strong><strong>&#8221; أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتَّبع ، أمَّن لا يَهدِّي إلا أن يُهدَى ؟!.. فما لكم</strong> <strong>كيف تحكمون ؟! &#8220;</strong> سورة يونس آية 35<strong> } </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">يخاطب الله تعالى الناس باسلوب الاستفهام ، فيقول لهم : أيهما أحق أن يقتدي بسيرته ،  ويرجع إليه في معرفة الشريعة الإمام الذي يهدي إلى الحق ( وهو العالم بالشريعة علماً كاملاً ) .. أم الامام الذي لا يهدي إلى الحق ، وإنما يحتاج إلـى أن  يهديه غيره إلى الحق ( وهو الذي لا يعرف الشريعة معرفـة تامة ) ؟! .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          وإنما وجَّه الله تعالى هذا الخطاب إلى الناس باسلوب الاستفهام لينكر فيه سبحانه على الناس : أن يقتدوا بالامام الذي لا يعلم الشريعة علماً كاملاً ، وليفرض عليهم أن يقتدوا بالامام العالم بالشريعة علماً كاملاً ، لأن الإمام العالم بالشريعة علماً كاملاً أعرف بالحق .. ولذا عقب ـ تعالى ـ خطابه الكريم هذا بقوله .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          <strong>{ </strong>&#8221; فما لكم كيف تحكمون ؟ .. &#8221; <strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          كيف تحكمون بأنه يجوز الاقتداء بالامام الذي لا يعرف الشريعة معرفة تامة ، وأنتم تعلمون بأن مثل هذا الامام الذي لا يعرف الشريعة معرفة كاملة ، لا يطمئن الناس إلى أن يقتدوا به لانه يخطأ في تعليم الشريعة وتبليغها ، وفي تطبيقها وتنفيذها .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">قال الله سبحانه مخاطباً رسوله محمّداً صلى الله عليه وآله :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>*        { قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنْ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ . </strong>سورة سبأ الآية50 <strong>}</strong> <strong>.</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>*        { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى . وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى . </strong>سورة الضحى الآيات (6 ـ 7<strong>)</strong><strong>}. </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>*        { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا . وَأَنَّـهُ لَمَّا</strong> <strong>قَامَ  عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُـوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ  لِبَدًا . قـُلْ إِنَّمَا  أَدْعـُو رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحـَدًا . قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكـُمْ ضَرًّا وَلاَ رَشَدًا . قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ  أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونـِهِ مُلْتَحَدًا . </strong>سورة الجن الآيات <strong>( </strong>18 ـ 22 <strong>) </strong><strong>} .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>*        { قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شـَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ  الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ  يُؤْمِنُونَ . </strong>سورة الأعـراف الآية 188 <strong>} . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>*        { قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ  مِنْ  دِينِي  فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكـُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا</strong> <strong>وَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ . وَلاَ  تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ</strong> <strong>. وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . </strong>سورة يونس الآيات ( 104 ـ 107 <strong>) </strong><strong>} .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>          </strong>هذه الآيات ، كما تؤكد بشرية محمّد رسول الله (ص) كذلك هي تؤكد عبوديته لربه وتبعيته له واهتداءَه بهديه ، وفقره إليه ، وكذلك هي بديهةً ، تؤكد بشرية الأئمة عليهم السلام  وعبوديتهم وتبعيتهم لربهم ، واهتداءَهم بهديه وفقرهم إليه . وبالتالي هي سنن الله فيهم  وفي الناس أجمعين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          نعم <strong>{ .. لِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ . </strong>سورة الرعد الآية 7<strong> } </strong>هادٍ مرسلٌ من الله أو مكلف من قبل الله تبارك وتعالى ، ليهدي الناس إلى الله ،  وهو يستحيل أن يكون هادياً إلا بعد أن يهديه الله عز وجل . وإذا كان رسول الله محمَّد (ص) أعلى مقياس بين الهداة الذين أرسلهم الله أو كلفهم ليهدوا الناس ، فقد أكَّد الله سبحانه أنَّ محمَّداً (ص) لا يمكنه أن يكون مستقلاً عن رعاية الله وتوجيهه وتسديده كما رأينا في الآيات الآنفات وفي آيات أخر . مثل قوله تعالى يخاطبه في بعض المناسبات :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          <strong>{ وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً . إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا. </strong>سورة الإسراء الآيات ( 74 ـ 75<strong> ) </strong><strong>} . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">أو قوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          <strong>{ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسـِرِينَ . </strong>سورة الزمر الآية 65 <strong>} . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>          </strong>فإذا كان محمّد صلى الله عليه وآله ، هو المقياس الأعلى بين الهداة ، فمن البديهي أن يكون الأئمة عليهم السلام ، وقد  جعلهم الله خلفاءَه أو أوصياءَه (ص) ، في أحسن حالاتهم مخاطبين بما خاطب به سبحانه رسوله الأمين (ص) . فراجع الآيتين الآنفتين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          بقي أنه قد يدَّعي علينا أحد ، حيث اعتبرنا رسول الله محمّداً صلى الله عليه وآلـه أنه المقياس الأعلى بين الهداة في تاريخ البشر ، والإدعاء يستند إلى بعض الآيات من مثل قوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          <strong>{ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً . </strong>سورة النساء 125 <strong>} . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">أو قوله عزت عظمته مخاطباً محمّداً (ص) :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          <strong>{ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ . </strong>سورة الأنعام الآية 161 <strong>} . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          فنقول تكفي آية العهد الذي أخذه الله تعالى على الأنبياء أن ينصروا خاتمهم ويؤازروه ، لتزيل من الأذهان ما قد يعلق بها من تدني منزلة محمَّد صلى الله عليه وآلـه عن رتبة نبيّ الله إبراهيم عليه السلام ، فالآية وإشارات كثيرة غيرها في القرآن الكريم تؤكد سيادة محمّد (ص) وإمامته لجميع النبيين والمرسلين عليهم السلام . وهذه الآية الكريمة :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          <strong>{ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ . </strong>سورة آل عمران الآية 81 <strong>} . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          هذا ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>يُدبِّر الأمر من السماء إلى الأرض</title>
		<link>https://islamicbrain.org/%d9%8a%d9%8f%d8%af%d8%a8%d9%90%d9%91%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%b1-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%85%d8%a7%d8%a1-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b1%d8%b6/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[العقل الاسلامي ونهاية العالم]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 24 Nov 2023 19:00:32 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[مفتاح المعرفة - وفيه شطحات أهل العرفان]]></category>
		<category><![CDATA[يُدبِّر الأمر من السماء إلى الأرض]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://islamicbrain.org/?p=8517</guid>

					<description><![CDATA[يُدبِّر الأمر من السماء إلى الأرض سورة السجدة الآية 5 &#160; بين العرفان التقليدي والعرفان العلمي :           المعرفة بالله جل شأنه لها قواعد تعبدية  يتناقلها أهل العرفان والصوفية ، حتى إنهم جعلوا لها مناهج مكتوبة أو شفوية يعلِّمها الواصلون للسالكين والسالكون أو المهاجرون إلى الله تعالى للمريدين ، وهؤلاء للمبتدئين الذين يراودون هذا العلم [&#8230;]]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl" style="text-align: center;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>يُدبِّر الأمر من السماء إلى الأرض</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: center;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>سورة السجدة الآية 5</strong></span></p>
<p>&nbsp;</p>
<h2 dir="rtl" style="text-align: justify;"><strong><span style="font-size: 14pt;">بين العرفان التقليدي والعرفان العلمي :</span></strong></h2>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          المعرفة بالله جل شأنه لها قواعد تعبدية  يتناقلها أهل العرفان والصوفية ، حتى إنهم جعلوا لها مناهج مكتوبة أو شفوية يعلِّمها الواصلون للسالكين والسالكون أو المهاجرون إلى الله تعالى للمريدين ، وهؤلاء للمبتدئين الذين يراودون هذا العلم العالي  والمقدس .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          إلا أن هذه القواعد والمناهج ، ولو كانت تؤدي غالباً إلى نتائج مقبولة ، فيها الروحانية ، وبعض النورانية المريحة والمسعدة نسبياً ، إلا أنها أصبحت شبه مغلقة دون المجتمع العالمي ، والثورة العلمية التي باتت تسمي الأرض كلها قرية ، ذلك بسبب تواصل القارات التي كانت لآلاف السنين تفصل بينها وبين سكانها مجاهل المحيطات والصحاري والجبال التي كان اجتيازها من المعجزات .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما وقد بلغت ثورة التواصل ، عبر الأجهزة الكثيرة والمتنوعة والمدهشة ، من فتوحات الكمبيوتر ، إلى الهواتف النقالة ، إلى الأنترنيت &#8230; إلى الفضاء والأقمار التي ضيقت مساحة الأرض وكشفت مجاهلها ، فضلاً عن ألوف الوظائف المنوطة بها ، ما هو معلن منها وما هو في عداد الأسرار .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          إلى فتوحات علم الفلك المذهلة ، مواكباً أسرار الذرة والرياضيات والفيزياء وميكانيك الكم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والتغيرات المفاجئة وغير المألوفة في الكون ، من فتحات الأوزون والغيوم الحرارية ، والإزدياد المتسارع في حرارة الأرض ، مما يسبب الاضطرابات المناخية العنيفة ، فتصحُّر يزحف في مناطق كانت بالأمس القريب واحات خضراء وغابات وبساتين ، وفيضانات في مناطق قلما كانت تعرف الفيضانات .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          إلى شح ٍ وتناقص مطَّرد للمياه العذبة ، التي يقولون معها إن العطش كذلك يزحف إلى أهل الأرض عامة ، مما سيسبب حروباً وتزاحماً على مصادر المياه ينغص حياة المتزاحمين وحياة الناس أجمعين ، إلاَّ من رحم ربك ربُّ العالمين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          لذلك كله ، مما ذكرنا ومما لم نذكر ، احتساباً للوقت الذي أصبح كذلك معه الربانيون والقرآنيون أكثر مسؤولية . لذلك ينبغي على المتصدين للعرفان الإلـهي ، منطلقين من القـرآن الكريم مهاجرين إلى الله جلَّت عظمته ، معرضين عن مجريات الكون ، وحالة المخاض التي يمرُّ بها العالم في قرنه العشرين وما بعده ، ينبغي عليهم أكثر من أي وقت مضى في تاريخ البشرية ، أن يواجهـوا بقرآنهم هذا الكريم وهذا العظيم ، مجريات الكون ، ويتصدوا لمعرفة أسرارها وأسبابها الإلـهية ، والتي يحكي عنها بأبلغ الكلام وأقوى الحجج وأسطع البراهين ، قرآننا هذا الذي { لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ . سورة فصلت الآية 42 } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وباختصار شديد ، فإن معظم ما يحدث من السماء إلى الأرض في هذه الأيام ، هو من أشراط الساعة ، التي نبَّه الله إليها الخلائق في كتابه هذا المجيد ، والذي لا كتاب له غيره تحت هذه السماء الدنيا ، فيه كلامه ، وفيه أخباره ، وفيه معرفته ، وفيه كشف  أسرار هذا الكون .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وكما أنه لن يتم فهم القرآن في معزل عن مجريات الكون ، كذلك لن يتم فهم الكون في معزل عن ينابيع النور ، والكشف ، ومعرفة أسرار الوجود ابتداءً وانتهاءً وما بين الإبتداء والإنتهاء ، وبعد ذلك كله  التخليد إما في السعادة الأبدية وإما في العذاب الأبدي .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ذلك بأن النص القرآني ، هو النص الإلـهي الوحيد الصافي الخالص من أي إدخال عليه أو أي تحريف كما حصل للكتابين  المنزلين التوراة والإنجيل . حيث  أن الأوَّل كتبـه عزرا كبير الأحبار ، ( واسمه في القرآن عزير ) كتبه أثناء السبي في العراق ، بعد أن كان  نبوكد نصَّر قد أحرق جميع نسخ التوراة وهدم الهيكل في بيت المقدس وسبى جميع اليهود الذين كانوا بفلسطين ، إلى بابل في العراق ، حيث ظلوا هناك مائة سنة ، بعدها عطف عليهم بتأثير من أمه اليهودية قورش الملك الفارسي ، فبقي بعضهم في العراق ورجع البعض الآخر إلى فلسطين ، ليبكوا على أنقاض الهيكل الذي كانوا وما زالوا يعبدونه من دون الله .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وحيث أن الثاني ، أي الإنجيل ، قد أصبح خمسة أناجيل يعارض بعضها بعضاً ، حيث يصعب فيها فصل الإلـهي عن غير الإلـهي .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          لذلك ذكر الله تبارك وتعالى أن القرآن المجيد ، معترف ببعض ما فيهما مهيمن عليهما ، وقد اعتبرهما في النص القرآني كتاباً واحداً . قال سبحانه مخاطباً رسوله محمّداً (ص) :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ . سورة المائدة الآية 48 } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وما يهمنا من جملة مضامين الآية ، هو المعرفة اليقينية بأن القرآن الكريم متفوق على الكتابين المذكورين تقدُّمية ً وتفرداً في حقائق التوحيد وأسرار التوحيد ، نذكر الآن تَميُّزَهُ في أكبر مجالين يشمـلان عامة النشاطات البشرية : التشريع والعلم <sup>(*) </sup>كشفاً  ومواكبة .</span></p>
<h2 dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>نموذج عن التدبير الإلـهي في التشريع :</strong><strong><u>  </u></strong></span></h2>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          <span style="font-size: 12pt;">فهو ، أي القرآن الكريم ، يقر للملتين اليهودية والنصرانية ببعض التشريع وبعض الحقائق التي سلمت من تحريف الكلم عن مواضعه ، حيث قال سبحانه : </span></span><span style="font-size: 12pt;"><strong>{ .. يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ .. </strong>سورة النساء الآية 48 وسورة المائدة الآية 13 <strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وباختصار شديد ، فإن الشرائع في التوراة فيها قسوة وتشدُّد ، مما جعل أتباعها بين قتلة بما يتوهمون أنه سيف العدالة،  وبين متفلتين من شريعتهم وأحبارهم ، واقعين في فوضى الفكر والكراهية والجريمة . وبذلك التقى الفريقان على بغض كل من هو غير يهودي ، وبالتالي على الإفساد في الأرض وقد تختصر هذه الآية الكريمة نظرتهم للذين آمنوا أي للمسلمين وكذلك نظرة النصارى ، وهي قوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ . </strong>سورة المائدة الآية 82<strong> } </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>(*)        تعرضنا في كتابنا &#8221; العقل الإسلامي &#8221; لأهم المواضيع  العلمية ربطـاً  بالقرآن الكريم ، وكذلك في هذا الكتاب . فراجع . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">أما الشرائع في الأناجيل ـ على اختلافها ـ فقد جاءَت تصحيحية لما أفسده اليهود في الشريعة ، جاء بها السيد المسيح عليه السلام  ، فأتت سهلة متراخية ، وفي أقصى درجات التسامح ، ولكن الغرب لاحقاً ، ومعظمه مسيحي جنح إلى التفلت والإنحلال الخلقي وتفكك الأسر والمجتمع ، وشيوع  العلاقات  المحرمة ، حتى وتشريعها وتقنينها  سواء بين الذكر والأنثى ، أو بين المثلين ، الأمر الذي تتشدد في تحريمه جميع الملل . ولقد نتج عن كل ذلك  كوارث ليس أقلها أمراض الإيدز وانتشار الجريمة  بين المراهقين وحتى الأطفال ، فضلاً عن الموازين الجائرة فيما بينهم وفي نظرتهم إلى العالم . حيث تحوَّلت هذه الحضارة ، إلى قنبلة ، كأنما موقوته ، تكبر وتتضخم ، وقريباً ستنفجر وتدمر نفسها وما يمكِّنها الله من تفجيره وتدميره في أنحاء العالم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">و<strong> { إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ . </strong>سورة الفجر الآية 14 <strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه . </strong>سورة الزلزلة الآيات ( 7 ـ 8 ) <strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولكي أعطي  دليلاً ـ كذلك مكثفاً ومختصراً ـ على قسوة اليهودية المؤدية للكراهية والإفساد ، وعلى تفريط المسيحية المؤدي إلى التفلت والإنحلال وعدم العدالة . ثم إنزال القرآن بعدهما على محمّد (ص) ليكون ـ بما أنزل عليه الله ـ حدَّ اعتدال بين إفراط اليهودية وتفريط النصرانية . أعتمد ثلاث حالات متقابلات في موضوع واحد ، هو حدُّ الزِّنى في كل ملة من هذه الثلاث .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ففي التوراة ، حدُّ الزنى هو الرجم بالحجارة حتى الموت للرجل وكذلك للإمرأة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولا حدَّ له في النصرانية ، لقول المسيح عليه السلام عندما أتاه الفريسيون ومعهم الناس ، بزانية أشهدوا عليها ، فقال: &#8221; من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر &#8221; ، وقيل ان الله تعالى جعل أمامه مرآة يرى فيها خطاياهم ، إذا هم أقدموا على رجمها ، فيدينهم بها . فعطَّل بذلك قسوة الرجم ، بالرحمـة والتسامـح ، حيث سحبـت هذه القاعـدة فيما بعد ـ خطأ ـ على الأزواج الزناة ، ففقد الزوج المتضرر بزنى زوجته حقه ، وكذلك فقدت الزوجة المتضررة بزنى زوجها حقها .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، إذ أنَّ اللطف والتسامح والحرية غير المنضبطة  ، حوَّلت المجتمعات الغربية وبعض المجتمعات الشرقية ، عن طريق العدوى ، إلى بؤر فساد وفجور ، وانحلال ، وجرائم أخلاقية ، حتى شاهت حتى القوانين وشاهت النفوس  وشاهت القلوب والوجوه . ونتج عن ذلك ، الظلم والاستبداد والغرور بأسباب القوة  المدمرة ، تحت عناوين هشة وكاذبة ، تتستر بها مافيات الحكم في العالم ، من مثل الديمقراطية والعدالة والحرية &#8230;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما الإعتدال في القرآن الكريم الذي ضبط المجتمعات الإسلامية بنسبة عالية جداً ومميزة ، في جميع الجبهات الأخلاقية ومنها العلاقة الجنسية ، التي حصرنا فيها برهاننا ، فقد جاء في القرآن الكريم حكم الله تبارك وتعالى قوله :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . </strong>سورة النور الآية 2<strong> } </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          هذا هو النص القرآني الإلـهي  .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقد تلت هذا الحكم الإلـهي أحكاماً أخرى ، أتت في سياقه وكأنما فيها تعجيز دون كشف واقعة زنى تستوجب إيقاع العقوبة . وهذا التعجيز يختص بالإشهاد على الزانيين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولنستعرض الآيات البينات ، قوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُون . إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ . وَالْخَامِسَ</strong><strong>ـ</strong><strong>ةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ . وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ . وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ . وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ</strong> . سورة النور الآيات ( 4 ـ 10 ) <strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ففي الإشهاد على اثنين لإيقاع الحد عليهما ، ينبغي أربعة شهود ، فإذا جاء واحد يشهد على واقعة زنى أو اثنين أو ثلاثة ، جلد الجميع كل واحد ثمانين جلدة ، وردَّت شهاداتهم فيما بعد في أي حال من الأحوال ، ووصموا بالفسق وهو ما يقابل في لغة القانون ، إخراجهم من الحقوق المدنية ، إلاَّ أن يكونوا أربعة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والملفت جداً في الآية ، الثامنة ، قوله تعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ } </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">     هذه الحال ، إذا رماها زوجها ، كما هو مفصل في الآيات . فيمنع عنها العذاب أن تقول أربع مرات :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أشهد بالله إنه من الكاذبين فيما رماني به ، وتسمي زوجها ، وتقول في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وفي واقعة لعان أقامها رسول الله محمّد (ص) قال لها بعد الخامسة : &#8221; ويلك إنها موجبة إن كنت كاذبة &#8221; أي ان غضب الله واقع عليك لا محالة ـ أن كنت كاذبة  .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وصحيح أن رسول الله (ص) أضاف الرجم على أسوأ صور الزنى . وذلك أن يكون كلاهما محصنين ، أو أحدهما محصناً فالرجم هو العقوبة على المحصن ، يعني الذي له زوج أو التي لها زوج .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومن البديهي أن تفصِّل السنة المطهرة ، هذا الموضوع إلى صور ،  فجعلت الرجم للمحصن المسافح ، والجلد لغير المحصن ، ذكراً كان او أنثى  ، وأن يكونا حرين ، أما إذا كانا من الرق أحدهما أو كلاهما فنصف الحد . وكل ذلك وبالضرورة ، بتعليم من الله تبارك وتعالى .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومن لطائف فقه السنة المطهَّرة ، أن المحكوم بالرجم رجلاً كان أم امرأة ، يوضع بحفرة ، ثم يأتي طائفة من المسلمين ، ـ والطائفة  ، قد تكون رجلاً واحداً فما فوق ـ كذلك في فقه اللغة ـ ثم يؤتى بالرجم ـ  فإن تمكن المرجوم أثناء ذلك من الهرب فيخلَّى سبيله .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وفضلاً عن كل ذلك  ، فقد استنَّ رسول الله (ص) الرجم ، بعد تشدُّدٍ غريب وعجيب ، في وصف الشهود للواقعة ، فإذا كان فيها أدنى شك أو شبهة  ، فيرفع الحد ،  وكذلك في اعتراف الفاعل ، إذا لم يكن عليه شهود . ووضع ذلك قاعدة شرعية فيها متنفسات عجيبة مؤدية إلى رحمة الله ، وهي [ درء الحدود بالشبهات ]  .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومن كان حريصاً على التبسط في هذا الموضوع ، فليراجع السيرة  النبوية المباركة ، ولست أذكر اكثر من حالتين فقط أوقع فيهما النبي الكريم حدَّ الرجم : إحداهما على رجلين يهوديين شهد عليهما قومهما بالزنى ، محكِّمين بذلك رسول الله (ص) فنفذ فيهما حكم الرجم على شريعة موسى (ع) . والثاني قضية مالك بن عنز الذي جاء يعترف مختاراً عند رسول الله (ص) ، فأكثر النبي الكريم الأسئلة عليه ، لعله يجد شبهة في إقراره فيدرأ عنه الحد ، وإذ أصرَّ الرجل على اكتمال خطيئته ، وهو يعلم طبيعة الحد ، فأوقعه النبي (ص) عليه ، بعد أن أفهمه أن ذلك يحط عنه العذاب والسؤال في الآخرة  ، فمضى قرير العين بصدقه إلى رحمة ربه .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومن الأهمية بمكان ، أن أذكر قضية رجم اليهوديين ، لما فيها من الدلالات على قبح تعامل اليهود مع حكم الله ، ومحاولة التهرب منه والإلتفاف عليه وكيله بمكيالين ، وحتى كتمان هذا الحكم عن الناس :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          في تفسيره لآية :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ . </strong>سورة المائدة الآية 41 <strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أورد الطبرسي في مناسبة نزولها ما يلي <sup>(*)</sup> :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          &#8221; قال الباقر (ع) وجماعة من المفسرين أن امرأة من خيبر ذات شرف بينهم زنت مع رجل من أشرافهم وهما محصنان فكرهوا رجمهما فأرسلوا إلى يهود المدينة وكتبوا إليهم أن يسألوا النبي عن ذلك طمعاً في أن يأتي لهم برخصة فانطلق قوم منهم كعب بن الأشرف ، وكعب بن أسيد ، وشعبة بن عمرو ، ومالك بن الصيف ، وكنانة بن أبي الحقيق وغيرهم فقالوا : يا محمّد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ما حدُّهما فقال وهل ترضون بقضائي في ذلك ؟  قالوا : نعم ! فنزل جبرائيل بالرجم ، فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا بهِ . فقال جبرائيل إجعل بينك وبينهم إبن صوريا ووصفه له ُ ؟ فقال  النبـي  هل</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>(*)        انظر &#8221; مجمع البيان في تفسير القرآن &#8221; للطبرسي . م2 ج6 ص94 منشورات دار مكتبة الحياة ـ بيروت . لبنان .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">تعرفون شاباً أمرد أبيض أعور يسكن فدكا يقال لهُ ابن صوريا ؟ قالوا نعم ! قال فأيّ رجل هو فيكم ؟ قالوا أعلم يهودي بقي على ظهر الأرض بما أنزل الله على موسى (ع) . قال فأرسلوا إليه ففعلوا ، فأتاهم عبد الله بن صوريا فقال لهُ النبي : إني أنشدك الله الذي لا إلـه إلاَّ هـو الذي أنزل التّوراة على موسى ، وفلق لكم البحر وأنجاكم وأغرق آل فرعون ، وظلّل عليكم الغمام وأنزل عليكم المن والسّلوى ، هل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن قال إبن صوريا نعم ، والذي ذكرتني بهِ لولا خشية أن يحرقني رب التوراة إن كذبت أو غيرت ما اْعترفت لك . ولكن أخبرني كيف هي في كتابك يا محمَّد ؟</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          قال إذا شهد أربعة رهطٍ عدول انهُ قد أدخلهُ فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليهِ الرّجم ، قال إبن صوريا : هكذا أنزل الله في التوراة على موسى . فقال لهُ النبي فماذا كان أول ما ترخصتم بهِ أمر الله ؟</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          قال : كنا إذا زنى الشريف تركناه ، وإذا زنى الضّعيف أقمنا عليهِ الحدّ ، فكثر الزنى في أشرافنا حتى زنى إبن عم ملك لنا فلم نرجمه ، ثم زنى رجل آخر فأراد الملك رجمهُ فقال لهُ قومهُ لا ! حتى ترجم فلاناً يعنون إبن عمه . فقلنا تعالوا نجتمع فلنضع شيئاً دون الرَّجم يكون على الشريف والوضيع ، فوضعنا الجلد والتّحميم ، وهو أن يجلدا أربعين جلدة ثم يسوَّد وجوههما ثم يحملان على حمارين ، ويجعل وجوهما من قبل دبر الحمار ويطـاف بها ، فجعلوا هذا مكان الرَّجم ، فقالت اليهود لابن صوريا ما أسرع ما أخبرتهُ بهِ ، وما كنت لما أتينا عليك بأهل ولكنك كنت غائباً فكرهنا أن نغتابك . فقال أنهُ أنشدني بالتوراة ولولا ذلك لما أخبرتهُ بهِ فأمر بهما النبي فرجما عند باب مسجدهِ وقال : أنا أول من أحيا أمرك إذ أماتوه . فأنزل الله فيه : &#8221; يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير &#8221; قام ابن صوريا فوضع يديه على ركبتي رسول الله ثمّ قال : هذا مقام العائذ بالله وبك أن تذكر لنا الكثير  الذي أمرت أن تعفو عنه ُ ، فأعرض النبي عن ذلك . ثم سألهُ إبن صوريا عن نومهِ فقال : تنام عيناي ولا ينام قلبي : فقال صدقت وأخبرني عن شبه الولد بأبيه ليس فيهِ من شبه أمهِ شيء أو بأمهِ ليس فيه من شبه أبيهِ شيء ، فقال أيهما علا سبق ماء صاحبهِ كان الشبه لهُ : قال قد صدقت : فأخبرني ما للرجل من الولد وما للمرأة منهُ . قال فأغمي على رسول الله طويلاً ثم خلي عنهُ محمرَّاً وجههُ يفيض عرقاً فقال اللحم والدمّ والظفر والشحم للمرأة ، والعظم والعصب والعروق للرجل . قال له صدقت أمرك أمر نبي ، فأسلم إبن صوريا عند ذلك وقال من يأتيك من الملائكة ؟ قال جبرائيل ! قال صفهُ لي ! فوصفهُ النبي (ص) فقال أشهد أنهُ في التوراة كما قلت ، وأنَّك رسول الله حقاً فلما أسلم إبن صوريا وقعت فيه اليهود وشتموهُ ، فلما أرادوا أن ينهضوا تعلقت بنو قريظة ببني النضير فقالوا  يا محمّد ! إخواننا بنو النضير أبونا واحد وديننا واحد ونبينا واحد إذا قتلوا منا قتيلاً لم يُقَد ؟ وأعطونا ديتهُ سبعين وسقاً من تمر ، وإن كان القتيل امرأة قتلوا بهِ رجلاً منا ، وإذا قتلنا منهم قتيلاً قتلوا القاتل وأخذوا منا الضعف مائة وأربعين وسقاً من تمر ، وبالرجل منهم رجلين منا ، وبالعبد الحر منا وجراحاتنا على النصف من جراحاتهم فاقض بيننا وبينهم &#8221; فأنزل الله في الرجم والقصاص الآيات &#8220;. </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          هذه هي واقعة رجم اليهوديين بأمر النبي محمّد (ص) تنفيذاً لحكم التوراة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          إلا أن في آخر القصة عبارة أوردها المفسِّر الطبرسي ، هي :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          [ فأنزل الله في الرجم والقصاص الآيات .. ]</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والحقيقة ، أنها شبهة قال بها أحد الصحابة ، زاعماً أن الله تعالى أنزل في الرجم آية ، ثم نسخها الله حكماً وتلاوة . وقد رفض المسلمون هذا الزعم بالإجماع ، لأن التلاوة لا تنسخ .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>نظرة في التشريعات الثلاثة : </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          تحت عنوان ، أن الله سبحانه <strong>{</strong> <strong>يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأَرْض</strong><strong> } </strong> نلاحظ كيف أنه جلَّت عظمته ربَّى البشر بمنطق العقل والحكمة ، أي بنفس منطق العقل والحكمة الذي علمهم إياه ، ليربوا به أنفسهم  وأولادهم جيلاً بعد جيل .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وفي جملة مقاصده تبارك وتعالى ، أن يرفعهم ويدرِّجهم من مراحل البدائية ، التي فيها ظلام الجهل والشرك والوثنية وما ينتج عن ذلك من قسوة واستسلام لحكم الغرائز ، إلى كمال الإستنارة بالعلم الإلـهي ، أي بمعرفته هو تبارك وتعالى .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومن الأدلة على ذلك تعليمه لأمة الإسلام بقوله :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ . </strong>سورة الحديد الآية 16 <strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فالله عز وجلَّ أنزل على قوم موسى أحكاماً تلائم واقعهم الزمني وتركيبهم الثقافي والنفسي والإجتماعي . ولكنهم بمرور الزمن هم تشدَّدوا وقسوا على أنفسهم وكذلك على الآخرين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وكان الله سبحانه ناظراً إلى أمرهم بدءاً ونهاية واعداً إياهم بإرسال المسيح (ع) وبعده محمّد (ص) خاتماً للتعاليم والرسالات .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فبعث المسيح عليه السلام ، يصـدم قسوتهم باللين والرحمة ، ويصـدم شركـهم وعبادتـهم للهيكل من دون الله ،( وقولهم ) إن عزيراً ابن الله أي &#8221; عزرا &#8221; عندهم ، بالدعوة إلى توحيد الله  ونصرة الله . فاستجاب له الحواريون مؤمنين برسالته ونبوته ، منتصرين لله جلَّت عظمته ، واحداً لا شريك له .  مما أغاظ الفريسيين ، بعد أن فضح نفاقهم وكَلَبهم على الدنيا وتزويرهم لأحكام التوراة ، فانتفضوا عليه ، وائتمروا به ليقتلوه ، وقد شرعوا بذلك عن تصور وتصميم . ولكن الله تعالى أنجاه من لؤمهم وحقدهم ورفعه إليه كما هو محقق في القرآن الكريم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          قال تبارك وتعالى ، مخبراً عن هذه الحقبة بطولها وعرضها بين المسيح (ع) وبني إسرائيل ، ببلاغة هذه الآية واختصارها العجيب ؛ حيث تدعو لنصرة الله والإنتصار بتوحيده :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>          { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ . </strong>سورة الصف الآية 14 <strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فكانت مصداقية الآية الكريمة واضحة تماماً ، حيث غلَّب الله تعالى المسيحيين على أعدائهم اليهود الذين لم يؤمنوا بالمسيح عليه السلام وبأنه النبي الذي وعدهم به الله في التوراة والذي أرسله لينقذهم من الضلالة والغواية والعمى الذي هم فيه . غلَّب الله المسيحيين على اليهود إلى قيام الساعة  .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولكن اللين والرحمة والوداعة التي أرسل بها المسيح عليه السلام . حولتها الأجيال المسيحية اللاحقة عن مقاصدها الإيجابية ، واستعملتها فيما بعد كغطاء لكثير من المفاسد ، ضربت أولاً في أركان الكنيسة وتحت ثياب الكهنوت ، وزعمت الألوهة للمسيح عليه السلام .  مما أدخلها في بدع ٍ انتجت فيما بعد البروتستانتية التي تحللت من أخلاق المسيح وتعاليمه ، والتي طبعت أميركا بهذه الحضارة الزنديقة التي تحاول اليوم أن تقود بها العالم ظلماً وقهراً وبهمجية أين منها جنكيز وهولاكو وتيمورلنك .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وإضافة إلى البروتستانتية التي أفرزتها حروب طويلة ودامية بين المسيحيين  أنفسهم ، فإن المسيحية تفرقت في مذاهب كثيرة يعادي بعضها بعضاً .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقد جمِّدت الحالة الروحية في المسيحية  انطلاقاً من قوانين وتشريعات وضعية وتعسفية كانت تصدر عن الكنيسة ويغذيها اليهود ، الذين استطاعوا أن يربوا بعض أولادهم على الإزدواجية بين الدين اليهودي والدين المسيحي ، كاتمين يهوديتهم مزايدين على المسيحيين بتعصب كاذب للمسيحية ، مما جعلهم يتمكنون من بلوغ أعلى الرتب الكهنوتية ، التي توصلوا من خلالها إلى الكرسي البابوي .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وبالحقد اليهودي المتأصل فيهم على المسيح الذي كانوا وما زالوا ينعتونه بالكذب والدجل وينعتون أمه القديسة مريم عليها السلام كذلك ، طاعنين في شرفها وأخلاقها ، استطاعوا أن يشوهوا الدين المسيحي ، ويضيعوا المسيحيين عن حقيقة الرسالة التي بعث الله بها عيسى بن مريم  .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وهكذا  استطاعوا  أن يمنعوا كل تقدم علمي أو ثقافي أو أخلاقي في القارة الأوروبية كلها ، مما أدخل هذه القارة بجميع دولها ذلك العصر ، في ليل دامس من الجهالة والأميّة ، والطبقية ، التي في رأسها السلطة ورجال الكهنوت ، ثم عامة الشعب الرازح  تحت وطأة استلاب حقوقه والفقر والضياع .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقد زاد من تفاقم الأمر في العصور الوسطى  هذه التي استمرت بضعة مئات من السنين ، عقوبات الإحراق بالنار ثم بالمقصلة ، ولا سيما للعلماء والباحثين ، ولكل من يجاهر برأي علمي أو تحرري أو نقدي ، وذلك  منذ القرن الثاني عشر وما بعده . وقد نصَّ القانون الصادر عن المجمع الديني المنعقد في مدينة ( ورون ) على أن جزاء  الهراطقة الخارجين على الدين هو الإعدام بالمقصلة . ثم جاء البابا جيورجيوس التاسع ، ووضع محاكم التفتيش بقوانينها التي تتنافى بقسوتها ورهبتها كلياً مع تعاليم المسيح عليه السلام  وذلك في سنة 1233 للميلاد ، وفي هذه القوانين ، أن يحرق بالنار كل من يدان بالإعتقاد بعقيدة تخالف الدين المسيحي ، طبعاً حسب تحريفهم وتشويههم لهذا الدين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وكانت لهذه المحاكم سلطة واسعة في التحري والتفتيش  حتى في البيوت والمدارس ، وكانت عقوباتها الصارمة بانتظار أي طالب يتجرأ على سؤال غير مألوف أو خارج عن القواعد الدينية التي هم وضعوها .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          في هذا الوقت كانت تتقدم وتتوسع الحركة العلمية في العالم الإسلامي ، متميزة بحرية البحث والمناقشة حتى لو تعارضت  مع مذهب أو رأي ديني ، وحتى في أحلك فترات الحكم في التاريخ الإسلامي كأيام بعض الخلفاء العباسيين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولو أن النقد الذي وجهه مثلاً ، الإمام الصادق (ع) وهدم به نظرية بطليموس في الأرض والنجوم وعلم الفلك ، تصدى له باحث من أوروبا في تلك العصور ، لكانت عقباه الإعدام والإحراق بالنار  .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وهناك قول سائد ومعروف ، هو أن أسس الحضارة العلمية في الغرب اليوم إنما نقلوها من الشرق الإسلامي وحتى لا نقع في الإسهاب نذكر على سبيل المثال لا الحصر ، أرجوزة ابن سينا في الطب ، التي نقلت إلى الغرب ، ووضعت لها ترجمة باللاتينية . وقلَّ من لم يحفظ أو يقرأ الترجمة لهذا المرجع بين أطباء الغرب في تلك الفترة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومن الشائع الثابت ، أن الإمام الصادق (ع) كان على علم بخواص الأشياء مفردة ومركبة . وأنه درَّس علم الكيمياء في مدرسته قبل اثني عشر قرناً ونصف ، وقد اشتهر من تلامذته في هذا العلم ، هشام بن الحكم المتوفي (199هـ) وله نظرية في جسمية الأعراض كاللون والطعم والرائحة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومن تلامذة الإمام الصادق الذين اشتهروا ببراعتهم في الكيمياء والعلوم الطبيعية ، جابر بن حيان الصوفي الطرطوسي الذي ألَّف ودوَّن خمسمائة رسالة من تقريرات الإمام (ع) في الكيمياء والطب .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقد أكبر المؤلفون منزلة جابر ، وعدُّوه مفخرة من مفاخر الإسلام ، ولا بدع فإن من تزيد مؤلفاته على ثلاثة آلاف كتاب ورسالة في مختلف العلوم ، انتقلت كلها إلى الغرب لَجدير بالتقدير والإكبار .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وصحيح أن هذه الفتوحات العلمية ، نقلت إلى الغرب فشكلت الأساس للنهضة في أوروبا ، إلا أنها ويا للأسف ، كانت نهضة ، كما نراها اليوم ، مادية مفرغة من روحانية المسيحية وروحانية الإسلام . حيث عمل اليهود وما زالوا يعملون ، بمنتهى الحقد ، ليس فقط على أتباع هذين الدينين ، وإنما الحقد على كل من هو غير يهودي ، وهم ـ في تقريراتهم  التي أصبحت معلنة ـ قد  وضعوا خططاً لتدمير البشرية حيث ما وجدوا ، لعلهم يحيِّدون  هم أنفسهم ، ويصبحوا أسياد هذا الكوكب .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولا يخيفنَّ هذا الأمر أحداً من أنصار الله ، لأن الله كتب عليهم الذل والمسكنة ثم السُّقوط من علوهم الكبير الذي صاروا إليه ، وجعل نهايتهم على أيدي عباد له سبحانه أولي بأس شديد ، وعسى أن يكون ذلك قريبا .</span></p>
<h2 dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>يدبِّر الأمر من السماء إلى الأرض </strong><strong>ـ طبعاً ـ مروراً بأمريكا .</strong> </span></h2>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          في جملة ما يدبره الله تعالى من أعالي السماوات إلى جميع الكرات الأرضية على اختلاف أحجامها في الكون ، هذا الكوكب أو الكويكب الصغير ، الذي هو أرضنا ، وفيها القارات الست المعروفة ، وبينها البحار والمحيطات ، التي تشكل حوالي ثلثي مساحتها .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولن أتحـدث الآن عن تدبيره سبحانه لجملة هذا الكويكب ، ومن فوقه أبراج السماء ، والفلك الذي تعبت فيه أرقام وأدمغة الرياضيين والأجهزة العملاقة ، ولا عن تدبير الرزق وتأمين العدالة والحرية والكفاية ، لوحوش الغابات الهائلة ، والمحيطات البعيدة أغوارها ، والصحاري المترامية أطرافها ، ولا عن فتحات الأوزون ، أو انشقاقات السماء او انفطارها ، كما هو خبر القرآن ،  ولا عن الغيوم الحرارية ، التي  طفقت تذيب القارة الجليدية في القطب الجنوبي  ، لترفع منسوب البحار ، وتغرق أوروبا وصولاً إلى نيويورك وشواطىء الهند والصين ، ولا حتى عن البشر في القارات الأربع المتعبة ، التي تتلظَّى وتتكوَّى وتتلوَّى ، تحت جحيم وطغيان ووحشية إنسان القارة الخامسة أمريكا .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          إذن أريـد ،  بإذنه تبارك وتعالى ، أن أتحدث عن أمريكا .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولن أتحـدث عن كل أمريكا . فنصفها الجنوبي بائس فقير محكوم بغطرسة الشمال .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أريد أن أتحدث عن هذه الأمريكا الغنية بالمال والقوَّة  الأخطبوطية ، والتي  إسمها الرسمي : الولايات المتحدة الأميركية . غير متعرض لتاريخها الأسود الدمويَّ ، حيث أن سكانها اليوم أتوا كباحثين عن الذهب ، فقط عن الذهب ، والبحث عن الذهب  يقتضي ولعاً بالدنيا دون الآخرة ، وبأساً إجرامياً ، لا يوقفه دين ولا إيمان ولا شيم ولا قيم ولا أخلاق . فذبحوا السكان  الأصليين ، الهنود الحمر ، وأقاموا مكانهم حضارتهم  الزنديقة . هذا هو أصل حكام أمريكا وشعوب أمريكا اليوم ، أي أنهم حَفَدَة أولئك المجرمين ، وكما في الحديث &#8221; الأصل دسَّاس &#8221;  أو العرق دسَّاس &#8221; .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أكتب الآن ، بُعيد تدمير برجي التجارة العالمية في نيويورك ، في 11 أيلول 2001 م ، ومع البرجين ، وفي نفس الوقت ، تدمير جانب من البنتاغون ـ مقر القيادة العسكرية الأميركية في واشنطن ، عاصمة أميركا .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          في هذه الأيام ، أي بعد تدمير هذه الرموز العملاقة  في أميركا . أعلنت أميركا الحرب . مستنفرة حلفها الأطلسي ببوارجه وغواصاته التي تملأ البحار ، وطائراته التي تغطي مساحات من السماء وبمخزونها ومخزون  انكلترا من الرعب النووي والبيولوجي والكيميائي . وكذلك مخزون روسيا ، وبقية الخزانات التدميرية في العالم ومعها خزان إسرائيل . لتشن بكل ذلك حرباً على من ؟!  ـ صدِّق أو لا تصدق  ـ . ولكن هذه هي الحقيقة ، لتشنَّ أو ليشنوا بذلك كله حرباً ضروساً على أضعف وأفقر وأبأس الدول في العالم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          طبعاً ، امتلأت الصحف الحرة ، بالتنديد ، وما أقلها ، وشهرت الأقلام الحرة ، في وجه عمالقة الحرب هؤلاء ، مهاجمة ومتحدية ، ومناقشة ، ومستغربة . وفي كل سبيل حق يكتب مفكرون شجعان ، ويتكلم بعالي الصوت قادة وساسة أحرار ، في جميع أجهزة العالم ، وفي الشعوب الشريفة الحرة ، مظاهرات ، واحتجاجات ، وشهداء في الأنظمة القمعية ، وكل  ذلك . لم يزحزح أميركا عن عدوانيتها ، ولا عدوانية من تقودهم طوعاً أو كرهاً . بل زادت لتهدِّد دين الإسلام ، والعرب والمسلمين ، تحت كل كوكب ، ومعها أفعوانان عالميان : في الغرب إنكلترا وفي الشرق إسرائيل .</span></p>
<h2 dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>حقائق إلـهية تحكم الوقائع :</strong></span></h2>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">         <span style="font-size: 12pt;"> طبعاً فيما كتبت آنفاً ، لعلي لم أزد شيئاً ذا أهمية كبيرة على ما يكتب أهل الحق  الغاضبون الثائرون ، المستعدون حتى للإستشهاد دفاعاً عن الناس والأوطان والعدالة والحرية .</span></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولكن بالمنطق الروحاني ، الذي زاغ عنه أهل الأرض في هذا العصر ، إلاَّ القلة النادرة ، أكتب مبشراً أهل الإيمان الأحرار ، الذين لا يشركون بربهم الرحمان شيئاً . ومنذراً عبيد الدنيا وعبيد أميركا ، الذين  نسوا الله ، وألَّهوا المال ومظاهر القوة حيثما كانت في الأنظمة المتجبرة الطاغوتية وقادتها ، بالرغم من أنهم خونة لربهم ولشعوبهم وللإنسان وحريته وشرفه واستقلاله .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          مبشراً أنصار الله ومحبيه والمتحصنين بآياته وبعزته وبقوة وجوده معهم أينما كانوا ، ولو قامت قيامة الحروب عليهم أو على من دونهم ، بأشكالها المتقمصة بالرعب والمتلبسة بالموت الملوَّن . فإن الله قادر أن يحميهم ويحفظهم سالمين  سعداء ، حتى في الدنيا ، إذا كان شاء الله استكمال آجالهم ،  وإلا فليكونوا شهداء سعداء ، فموتة في شرف ، وفي رضىً من الله ورضوان ، أفضل بما لا يقاس ، من حياة الجبناء ، البائعين  دينهم وشرفهم وأوطانهم وشعوبهم ، للقادة الطواغيت .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          مذكراً بقول الله لأنصاره :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">{ .. وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ .. . سورة الحديد الآية 4 } </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وبقوله جلت عظمته للخونة من أعدائه وأعداء دينه وأعداء الإنسانية :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { ..لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ . سورة الأنبياء الآية 43}.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وصدق الله ، ومن أصدق من الله قيلا ، ومن أصدق من الله وعداً ووعيدا ! &#8230;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولأفصِّلنَّ بإذنه عزَّت عزته ، بآية الكرسي وما حولها ، عن أمريكا وبقية أعداء الله . نعم ! .. ومطبقاً آيات القرآن على مصاديقها ، لأنه هكذا القرآن في كل عصر ، وإلى قيام الساعة وبعدها أيام الجحيم أو أيام النعيم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          قلت نعم ! .. متعجباً ومتحدياً الكثرة الهائلة من المثقفين المعوَّل عليهم في  الملمات ، ممن أحترم أقلامهم النخيَّة ، ونفوسهم الأبية ، ولكن آسفاً لضيق آفاقهم ، بخصوص الفكر الديني والمعارف الحقيقية عن الله ، وعزته ، وقوته ، وحاكميته وهيمنته على الوجود ، وإحاطته بكل شيء .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          إذ أن منهم من لا يعتقد بحاكمية الله في الدنيا ، ولا بثوابه فيها وعقابه ، ولا برعايته وحفظه وصيانته من جهة ، ولا ببطشه الشديد وانتقامه من جهة ثانية ، ولا بأنه قائم على كل نفس ، ولا بأنه الأول والآخر والظاهر والباطن وأنه بكل شيء عليم ، بكل شيء ،  مما دقَّ وصغر وكبر وعظم . ومن الأشياء التي شاءَها ، أجزاء الإنسان ، من دماغه إلى قلبه ، إلى آخر ذرة أو جزيء ذرة من ذراته ، وبرئيس الولايات المتحدة ورؤساء البلاد المسعورة بشبق الحرب على الآمنين والمستضعفين ، وكذلك بالرؤساء الإمَّعات الخونة ، وكذلك بالأتباع الجبناء ، وكذلك بالشجعان بالحق ، وكذلك بالصارخين في وجه الباطل ، وكذلك بالمستشهدين  في سبيل عزته ، أسياد شباب الجنة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما الآي ، التي وعدنا بها ، فقوله تبارك وتعالى وهو من المشهورات :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">1 ـ      { اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ .. } يعني الحاكم الفريد للكون دون مساعد ولا شريك ، والألوهة لا تتجزأ ، فلا أحد من خلقه له حظ منها ولا بمقدار . حي لا يمـوت ، قائم على كل نفس ، وعلى كل شيء .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">2 ـ      { .. لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ .. }  لاينام ،  ولا  يعتريـه أدنى سهو ٍ ولا أدنى غفلة ، ذلك كمال اليقظة  والإحاطة بالأمور ، ظواهرها وأسرارها وأسرار أسرارها .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">3 ـ      { .. لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ .. } يعني مـا في الوجود ، غيوبه وشهوده ، ما نعلم منه ، وما لم يحط مخلوق بعلمـه ، وله أميركـا وحاكمـوها ، ولـه أدق مقوماتها ، وله إنكلترا وروسيا التي كانت لأميركا ندَّة  ، ولكن لكثرة ما تنكرت لله ، هزمتها أمريكا وداست شرفها وكرامتها ، وما زالت  تتآمر على تجويعها ، إمعاناً فـي إذلالها . وله أيضاً ـ أي لله ـ  بنـو إسرائيـل الذيـن يتقلبون  كالأفاعي  ويغتذون  بدماء البشر ، واليابان  التـي خرجت  بوثنيتها لتنصر أميركا عدوتها اللدودة سابقاً .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ولله  جميع  الدول  والشعوب ، ومصـر والاردن  و .. ولبنان وسوريا ، وفلسطين &#8230;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وأنت وأنا ،  لله ، العالم كله لله . هذا بعض معنى هذا الجزء من الآية : {.. لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ..}.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">4 ـ      { .. مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ<sup>(*)</sup>.. } ولا أحد من المخلوقين يستطيع أن يتوسط  لمخلوق آخر بشيء  ينفعه عند الله إلاَّ إذا أذن لأحدٍ سبحانه بذلك ، فيكون هو الشفيع سبحانه والمخلوق  شفيع بالتبع . فمن رجـا  أمراً  فـلا يوسِّطنَّ بينه وبين الله أحدا ، لأنه ليس بينه وبين مؤمـن صادق الإيمان حجاب .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">5 ـ      { .. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ .. } يعلم ما بين ايدي سكان السماوات وسكان الأرضين من كل جنس  ولون ، يعلم نواياهـم وخططهـم وسلوكهـم وماذا سيفعلـون ، ومصائرهـم ، وكما فـي السماوات هو إلـه كذلك  في الأرض هو إلـه . قال تعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">{ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأََرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ . سورة الأنعام الآية 3 } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقال سبحانه :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">{ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ . سورة الزخرف الآية 84 } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">(*)<sup>          </sup>في كتابنا &#8221; دعوة إلى الله &#8221; عقدنا فصلاً مسهبـاً عن موضـوع الشفاعة . فمن أراد الإستزادة فليراجع . </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">6 ـ      { .. وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ .. } هذه الحضارات وما ظنَّ الإنسان أنه ابتـدع فيها ما ابتـدع ، منذ الأبجدية الرمزية إلى الصوتية .. إلى جزيئات الذرة ، إلى الأقمار الآلية ، إلى زيارة الكواكب ، إلى أساطيـل أميركا وحلفائها ، البحرية منها والجوية ، إلـى دبابـة الميركافا الإسرائيلية ، إلى الصاروخ الذي هتكها  وأذلها بأسراره وناره ، إلى ما لا يحصى ولا يعدُّ من  فتوحات علمية في الأرض وكذلك في السماء ، فجميع ذلك ، وما سيزاد عليه ، هو من علم الله ، ومن أسرارعلمه ، ولولا أنه شاءَها للبشرية ، لما استطاعت أن تتقدم  أنملة هـي حِكْمَتُه ، وهو قدره وهو قضاؤه الذي لا يناقش .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">             {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ . الأنبياء 23 }</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">لا ظالماً ولا مزاجياً ، وإنما جباراً علـى الجباريـن ، حرَّاقاً على الحرَّاقين ، بناره في الدنيا وبناره في الآخرة ، رحماناً ورحيماً بالمؤمنين الصِّديقين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">             { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ . الأنعـام 18 } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          إذاً .. ما شأن الأفغان ؟ وما شأن طالبـان ؟ وقبلهما مـا شأن أمريكا عنده سبحانه ؟! &#8230;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          بعونه تعالى ، وبإرشاده وتسديده ، نبدأ بتقويم شديد الإختصار ، لهذه الأمريكا . فنجعل الحديث عنها تحت ثلاثة عناوين :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          1ـ أميركا في ضلالاتها ، 2ـ أميركا المقهورة المعذبة ، 3ـ أميركـا الجنكيزية ( نسبة إلى جنكيزخان ) .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><u>فأولاً :</u></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ضلالات أميركا التي فاقت كل حد ، على جميع المستويات الأخلاقية والإنسانية . وبلا أخلاقيتها ولا إنسانيتها تحكَّمت مدة قرن تقريباً من الزمان بأكثر من نصف العالم ، حتى إذا ابتلاها الله بإسقاط الإتحاد السوفياتي وجعله من خدمها وأتباعها ، أصبحت تتحكم بكل العالم ، وأدوات تحكُّمها الرهيبة ثلاث : قوة المال ، وقوة السلاح الإرهابي ، وسفالات المخابرات .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ورغم أن الله سبحانه خزاها في مواقف ومواجهـات كثيرة وعلى أيدي شعوب حرة ، نذكر منها على سبيل التذكير لا الحصر : فيتنام . كوبا . إيران الإسلام &#8230; إلا أنه مع ذلك أبقاها ، مختارةً ، تمارس إجرامها الأخلاقي الداخلي ،  وإرهابها في الخارج  . وضمـن هـذه المعـادلة القرآنيـة المدهشـة ، قوله تعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">{ قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَانُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا. سورة مريم الآية75 } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقبل أن أتكلم في الدلالات المشرقة في الآية ، والتي من مصاديقها الأكيدة ، هذه الأمريكا . أقدِّم ، بقصة الخزي الأخلاقي السافل والقبيح ، والتي كان بطلها ، رمز أمريكا ورئيسها آنذاك : بيل كلنتون .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          يأنف قلمي ولو من بعض تفاصيل  علاقتـه باليهوديـة لوينسكي &#8230;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فرمز أمريكا هذا ، ورمز بنات أمريكا تلك ، بعد أن برأت المحاكم العليا الأمريكية ساحتهما ، ولقد رضي الشعب الأمريكي بهذه التبرئة ، بل وفرح بها . سيكون هذان الرمزان بعد ذلك وبالضرورة ، قدوة لجميع الأمريكان ، ولا سيما الجيل المراهق ، من ملايين الطلبة شباباً وفتيات : نعم ! لقد شُرِّع الزنى في أميركا ، وبشخص رمزها ورئيسها ومحاكمها العليا وقضاتها العباقرة &#8230;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومن المفارقات الملفتة كذلك ، أن هذا الرئيس الرمز لأمريكا ، هو أول من وعد في حملته الإنتخابية . بتشريع الشذوذ الجنسي في الجيش الأميركي ، الذي كان ما زال يعتبر ـ لزوماً ـ أنظف مؤسسة في الحضارة المتلاطمة في تلك البلاد الغنية الشاسعة . وطبعاً ، فقد وفى بوعده بعد نجاحه ، بالرغم من بعض الإعتراضات الباهتة من بعض القادة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          يومها ، وقبل أن تبرىء ساحته المحاكم ويبرىء ساحته الشعب الأمريكي ، وأثناء المحاكمات . كنا نروي لجلسائنا قصة عن المجوس ، واعتبرناها معياراً لموقف الشعب الأميركي من كلينتون ولوينسكي .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ففي الأثر التاريخي ونقلاً عن أئمة أطهار ، جعلت الجزية على أهل الكتاب إذا لم يسلموا ، والسيف أو الإسلام لأهل الشرك . وقد عومل المجوس معاملة أهل الكتاب . فكيف هم أهل كتاب ؟ وأي كتاب ؟ فقيل :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          كان لهم كتاب منزل ، فزنى أحد ملوكهم بعد أن خمر ، فتداول بذلك الأقطاب ، وتداول بذلك الشعب فأنكروا عليه ذلك لمقامه ، ولزوم عفته وشهامته ، كونه الرمز والقدوة ، ثم رضوا بفعلته ، وثبتوه في حكمه وملكه . فغضب الله على أمة المجوس بأجمعها ، ورفع الكتاب الذي كان سبحانه أنزله عليهم ، من بين ظهرانيهم . ثم أهلك أمة المجوس ، إلا القليل القليل لحكمة ٍ منه سبحانه .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          كنا نعقِّب كل مرة بعد أن نروي هذه القصة ، وقبل إصدار الحكم النهائي من المحاكم ومن الشعب على رئيسهم ، بأنه إذا أدين وعزل ، وإذا أنكر شعبه الكبير فعلته ، أطال الله عمر أميركا ، وأطال ابتلاء الأحرار بحضارتها الزنديقـة المعقدة . وإذا برَّأته المحاكم وبرَّأه شعبـه ورضي بفعلته ، فإن الله سبحانه غاضب ومدمدم على أمريكا لا محالة &#8230;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والذي حصـل ، أنهم رضـوا بخيانة رمز أمريكا لربه ولشعبه . وانتظرنا وترقبنا &#8230; ولم يطل الإنتظار والترقب ونحن نشهد كل يوم ، طغيان أميركا وظلمها وقمعها للشعوب من العراق إلى فلسطين إلى البلقان ، إلى لبنان ، إلى كوريا &#8230; وغيرها وغيرها تحت كل كوكب . حتى هزَّ انهيار أبراجها وعاصمتها العالم  . فقد قصم الله ظهرها في عقر دارها .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولم يدعها الله سبحانه تسترجع أنفاسها ، فقد أرسل جراثيم أبابيل <sup>(1) </sup> ، أقضت وما زالت وستبقى ، والله أعلم ، تقض مضاجع رؤسائها وشعبها المتوج بتمثال الحرية ، الحرية الجنسية والطاغوتية وإرهاب الشعوب الفقيرة والبائسة والمستضعفة .</span></p>
<h2 dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>ثانياً : أميركا المقهورة المعذبة :</strong></span></h2>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">ـــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">          <span style="font-size: 12pt;">نعم ، شاهدنا بأم أعيننا ، وبعيون قلوبنا وجراحنا ، في الشرق الأوسط ، وفي أنحاء العالم  شهدنا سقوط تمثال الحرية  والديمقراطية العفنة ، من عليائه ومن تعاليه ، ليغرق في وحول برجي التجارة العالمية في نيويورك وتصدُّع البنتاغون في واشنطن ، وزعزعة البيت الأبيض فيها ، وهروب رئيسها منها ،  لفترة ، ليعود بعد هروبه إلى عاصمة العالم هذه يهدد منها الأشباح ، تحت وطأة أنهم هم أذلوا أميركا التـي كانـت يومـاً / بزعمها /  فوق البشر .</span></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>(1)<sup>          </sup>الجمرة الخبيثة . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومع كل ذلك ، ما اعتبر وما ارعوى ، والله لا يهدي القوم الظالمين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما قوله تبارك وتعالـى ، في سياق آيـة الكرسي  التي ما زلنا في ظلالها  :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>{ .. وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأََرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ . }</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>          </strong>فمعناها أنه سبحانه شمل حكمه الكون جملة وتفصيلا ، بحيث لا تفوته ذرة في السماوات أو في الأرض ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ، إلاَّ وهي تحت سلطانه ، لا شيء في الوجود خارج سلطانه .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما قوله تعالى : <strong>{ ولا يؤده حفظهما } </strong>فمعناه لا يتعبه أدنى تعب حفظ هذا الملك ، وهذه الأكوان ، وهذه الخلائق ، بأصنافها وأخبارها ، ومنها هذا الإنسان ، كل إنسان ، إذا شاء حفظه وكل جزء وجزيء فيه ، طبعاً ويحفظ الدول والأنظمة كلاً ضمن حساباته وحكمته سبحانه . فلماذا إذاً لم يحفظ سيدة هذا العالم الأرضي أمريكا ؟! &#8230;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          قالى تعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ . إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ . وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ . وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ . الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ . فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ . فَصـَبَّ عَلَيْهـِمْ رَبُّكَ سـَوْطَ عَذَابٍ . إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ</strong> . سورة الفجر الآيات ( 6 ـ 14 ) <strong>}</strong> <strong>.</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          هذا هو الجواب ، ضمن حروف هذه الآيـات .  فالقرآن الكريم لم يجعله الله سبحانه ليقف أولوا الألباب فقط عند حروفـه . بل ليتعدَّوا حروفه ، ويقرأوا ما بين حروفه ، ويـروا أمريكا هذه ،  بعيون هذه الآيات ، وفي عمق دلالاتها ، وأن في جملـة مقاصد هذه الآيات في تاريخ البشرية ، هذه الأمريكا وأحلافها الذين هم أولياء الطاغوت .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          لذلك نقول للمسلمين  في أقطار الأرض ، وللعالم أجمع إقرأوا كتاب الله هذا العظيم وتدبروه ، ينجيكم من جحيم الدارين الدنيا والآخرة . وما نزَّله الله سبحانه ليكون حكراً على المسلمين بل هو للعالمين ، فليقرأوه ، وليفقهوه وليغتنموه قبل أن تدمِّرهم أمريكا فيمضون خاسرين خائبين غير شهداء .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومعاً ، لنرى رأي الله تعالى في أمريكا عبر هذه الآيات التي هي أول سـورة الفجر .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فأنت لو بدَّلت في الآيات فقط إسم المكان وإسم الأمة التي ضرب بها المثل ، لوجدت أميركا وإنكلترا وإسرائيل وغيرها يتحركون ضمن حروف الآيات ، ويتحركون وسيتحركون تحت انصباب سوط العذاب ، الذي صبَّه الله على عاد إرم وثمود وفرعون ذي الأوتاد .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ثالثاً : حكام أمريكا أم خلفاء جنكيزخان<sup>(1)</sup>  ؟! &#8230;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وفرعون ذي الأوتاد ، أشبه ما يكون به ، بوش الأب ، أو بوش الإبن ، أو أي رئيس للولايات المتحدة الأميركية في عصرنا الحاضر .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما أوتاد فرعون ، فهي ذات مصداقين : الأول أنها أوتاد حقيقية كان يربط بها الذين يعذبهم ويذلهم ويسلب حرياتهم . والمصداق الآخر ، هم الولاة والرؤساء الذين يزرعهم في قطاعات الناس والقبائل ليجبوا له الضرائب ويتحكموا قاهرين بمن تحت أيديهم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولم يتغير شيء بالنسبة لأمريكا والطغاة رؤسائها ، سوى أن الدنيا كبرت واتسعت بازدياد أعداد البشر والثورات الصناعية والتكنولوجية وغيرها ، وبدلاً من أن تربط أمريكا أشخاصاً ، فهي قد ربطت شعوباً مستضعفين ، تعذبهم تارة بالسلاح وتارة بالتجويع سارقة أموالهم وثرواتهم ، ودائماً بسـلب حرياتهم . وينبهر أشباه الرجال فيهم بحضارتها الزنديقة ..</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، بدلاً من أن تزرع ولاة وزعماء قبائل ، فهي قد زرعت أنظمة ، تارة دموية أفعوانية فاجرة كإسرائيل في الشرق الأوسط ، وتارة أنظمة قمعية كأكثر الأنظمة العربية . وتارة دبلوماسية ميكيافيلية رقطاء كإنكلترا في الغرب ، إضافة إلى الأنظمة المخابراتية التي أصبحت جميعها ، في العالم ـ إلاَّ من تحصَّن بعزة الله ـ تابعة ، طوعاً أو كراهية ، لـ C.I.A   المركزية في أميركا .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وهل أفاد أميركا كل هذا ؟! أبداً ، لا هي ولا أتباعها ، فجولة الباطل ساعة . وجولة الحق إلى قيام الساعة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومن ضمن جولة الحق ، الآيات التي نحن بصددها .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما مجمل معانيـها الإنطباقية على حضارات اليوم ، فهي أن <strong>( عاد إرم ذات العماد ، التي لم يخلق مثلها في البلاد ) </strong>، كناية عن حضارة عمرانية فاقت جميع الحضارات المادية مما مضى ومما بقي من عمر الزمان على هذا الكوكب . وإذاً تشبهها في الجانب العمراني حضارة الغرب في القرن العشرين وما بعده .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وأما حكاية <strong>( ثمود الذين جابوا الصخر بالواد )</strong> فهي لون حضاري آخر مدهش ، من أمثلته أن أهل تلك الحضارة المادية أيضاً ، استطاعوا أن يقطعوا الصخور الصلبة بسهولة فائقة ، تشهد عليها آثار رائعة من أعاجيب النحت والبناء والأحجار الضخمة جداً والمنقولة من مكان ، ربما بعيد ، إلى آخر . من هذه النماذج المدهشة ، القلعة الموجودة  في بعلبك ـ لبنان .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وأما الحضارة الفرعونية فالكلام عنها كثير ، وهي كذلك كانت حضارة مادية ، وإنما أبرز شيء فيها عند الله عز وجل ، هو ما أبرزه في الآيات الكريمات . هي ظلم الفراعين ، وفسادهم وإفسادهم ، وقد لخَّص الله عزت عزته ، لخَّص الحكم وحيثيات الحكم الذي نفذه فيهم شاملاً لهم في الدنيا والاخرة ، بكلمات باهرات ، قوله تعالى ، بعد أن أدانهم بمادية حضاراتهم :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>{ الذين طغوا في البلاد . فاكثروا </strong> <strong>فيها الفساد .</strong> <strong>فصبَّ عليهم ربك سوط عذاب . إنَّ ربك لبالمرصاد } . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومن أروع الإختصارات لاتصال العذاب واستمراره ، بين الدنيا والآخرة ، هذا الإعجاز اللغوي <strong>{ فصَّب عليهم ربك سوط عذاب } </strong>، كناية عن السوط ، أثناء الجلد المبرِّح فيه ، لا ينفك عنهم صاعداً هابطاً دون توقف ، في العذاب الأدنى الدنيوي ، والعذاب الأكبر الأخروي المخلَّد .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما قوله عز شأنه : <strong>{ إنَّ ربك لبالمرصاد } </strong>فهي أكثر استدعاءً لمنتهى الإعجاب ، فاسمعي يا أميركا ، يارؤساء ويا شعب ويا عالم : إن ربك لبالمرصاد ، يعني حاضر ناظر ، لا يفوته شيء مما تخفون ومما تعلنون ، وهو يمهل ولا يهمل ، وهو الصبور ، وهو الحليم الكريم ، الرحمان الرحيم ، وهو المنتقم الجبار ، الذي إذا غضب لا يقوم له شيء .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وإني لأرى غضبه سبحانه وقد هوى على أميركا ، بادئاً بأبراجها ، رمز عزتها وغطرستها وماديتها ، منتشراً في ساحاتها وأجوائها ، سوطَ عذاب ٍ ، لن يفوته أي ظلاَّم أو جبار أو متغطرس ٍ ، أو  عدو لدين الله وعباد الله فيها ، أو في أوتادها في العالم ، من تابعين وعملاء وجبناء .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>ختام لآية الكرسي وما حولها :</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          بعد آية الكرسي التي كنا في ظلالها آنفاً ، ورد مباشرة ، قوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ </strong>سورة البقرة الآية 256<strong>} .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وبعده قوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ</strong><strong> . </strong>سورة البقرة الآية 257 <strong>} . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>          </strong>وقبل أن أتعرض لبعض التفصيل في الآية الكريمة ، أذكِّر بأننا ما زلنا ضمن العنوانين الفرعيين لكتابنا ، وهما العرفان الذاتي والعرفان العلمي العملي . مفضلين العلمي العملي ، على الذاتي ، خشية الوقوع في الرهبانية في هذا الأخير ، إذ لا رهبانية في الإسلام .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فقوله جل شأنه : لا إكراه في الدين &#8230; الآية ،  إلفات إلى الأدلة المجملة في آية الكرسي <strong>{ الله لا إلـه إلاَّ هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم .. </strong>إلى آخرها <strong>}</strong> بعد الأدلة والبراهين المفصلة في عموم كتابيه العظيميـن : القـرآن والكون  .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فبعد ثبوت الأدلة على وجود الله ووحدانيته وحاكميته وتدبيره للكون جملة وتفصيلا ، وبعد إنزاله تعاليمه التي هي لإسعاد الإنسان إذا عمل بها ، وإذا تخلى عنها انزلق إلى أودية العذاب . بعد ذلك ، جعل الإنسان مخيراً بنسبة عالية ، تتناسب مع فردانيته سبحانه وعزته وجلاله ، وإحاطته بالكون ظاهره وباطنه وبكل شيء فيه ، ولا يتناهى الكلام عن قدرته وعن أسمائه الحسنى وأمثاله العليا ، ولو ملأنا جوف الكون كتباً نثراً وشعراً عن آياته ، فكيف بالكلام عن ذاته القدسية التي بنورها كانت الأكوان  وقامت العوالم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فإذاً خيَّر الإنسان بنسبة عالية ، وليس كلياً ، رحمة بالإنسان ، لأن هذا المخلوق ، كجميع خلـق الله ، يستحيل عليه أن يقوم وحده لأن أصل قيامه ووجوده ، وحياته ومصيره ، إنما هو بالله سبحانه ، فإذا لجأ إلى الله ألجأه ، وإن تباعد عن الله ، أغراه سبحانه بالرجوع  وبرحمته ، فإن أصرَّ مستكبراً معانداً هوى في الظلمات كما سنرى في الآيات  .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وفي معنى قوله تعالى : <strong>{ لا إكراه في الدين }</strong><strong> .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">قوله عز شأنه :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر والله غني عن العالمين } .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">         </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وهذا الذي ذكرناه يقودنا إلى فهم بقية الآية الكريمة ، قوله تعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>{ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم } .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          لأن ما ذكرناه مستفاد منها ومن عامة تعاليمه سبحانه .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما الطاغوت ، فقد حكى عنه رسول الله محمّد (ص) عندما سئل عن قوله تعالى : <strong>{ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت } </strong>قال (ص) : الطاغوت هو كل ما دون الله ، وقوله هذا (ص) يلقي ضوءاً كذلك على مقولته المشهورة : &#8221; أصدق كلمة قالتها العرب ، هي قول لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل &#8221; .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          هذا إجمالاً . أما في شيء من التفصيل والخصوصية  ، فكلمة طاغوت ، واضح أنها مشتقة من طغى يطغي ، فهو طاغ ٍ وهو وهي طاغية . وطاغوت يذكر ويؤنَّث .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومن هنا ، عند أهل العرفان العلميين العمليين ، أن أميركا طاغوت ، وحلفاؤها على الباطل ، وأوتادها في العالم ، هم طواغيت ، لأنهم هم كذلك عند الله جل جلاله .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وهكذا فـ <strong>{ قد تبين الرشد من الغيِّ ، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم } .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والعروة الوثقى ، هي رباط متين في حبل متين ، تذكرنا بقوله تعالى : <strong>{ واعتصموا بحبل الله جميعاً } </strong>. أما قوله تعالـى <strong>{ لا انفصام لها } </strong> فليحول به دون احتمال أحد ، أن هذا الرباط قد ينفصم ، أي ينقطع ، فإن الإيمان به سبحانه والإعتصام بعزته وبكتابه الذي هو حبل بين السماء والأرض ، هو ضامن  سبحانه له أن لا ينقطع فذلك هو حبل الله المتين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما قوله <strong>{ وهو السميع العليم }  </strong>أي لا يفوته شيء من المعاني والأصوات بدرجاتها ولغات الخلق في السماوات والأرض ويعلم السرَّ وأخفى .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وخلاصة القول عن الإيمان بالله والكفر بالطاغوت ، أو الولاء لله ، والولاء للطاغوت ، هي في الآية التي أسلفنا عنها كلاماً مسهباً في هذا الكتاب . ونريد الآن ، بإذنه تعالى ، أن نطبقها على مصاديقها المعاصرة لنا ولأهل الأرض ، بعد أن انتقم الله من أميركا بأول ضربة تفكيكية لسلطانها وجبروتها وتحكمها بعباد الله المستضعفين ، وذلك بتاريخ 23 جمادي الآخرة 1422 هـ الموافق 11 أيلول 2001 م .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فقوله تبارك وتعالى : <strong>{ الله ولي الذين آمنوا } </strong>يعني الذين تستعديهم أميركا وتتهمهم بالإرهاب ، وهم أشرف فئات البشر ، لأنهم ثوار يقاومون ويقاتلون دون حقوقهم ومقدساتهم ، يستثنى منهم فقط  الذين يكفرون بالله ، أو يشركون به أحداً سبحانه ، وكذلك كلُّ خوَّار جبان لا يثق بقوة حضور الله , ولا بحاكميته ، ولا بأنه سبحانه ينصر من ينصره ويخذل من يخذله .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">والجبان وإن كان على درجة من الإيمان ، فهي درجة دنيا ، وإيمانـه مختـرق : <strong>{ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ . </strong>سـورة الأحقـاف الآية 19<strong> } .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>          </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فالمؤمن بشكل عام ، هو الموحد الصديق المصدق  بآيات الله ووعده ووعيده ، وهو المقاوم أعداء الله  أينما كانوا ، سواء كان بقلمه أو بمواقفه ، أو بسلاحه ، أو بقلبه وذلك أضعف الإيمان .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فالمؤمنون الذين تستكمل فيهم شرائط الإيمان ، يتولاهم الله تعالى ، برعايته  وتسديده وحفظه ، ويدرجهم في مدارج النور ، أي الفهم والعرفان والإسعاد ، ويخصهم بمعرفته ، ويؤهلهم لعبادته ، ويهيِّم قلوبهم لإرادته ، ويجتبيهم لمشاهدته ، ويفرِّغ قلوبهم لحبه &#8230; ذلك من درجات النور ، في معنى قوله تعالى في بقية  الآية الكريم <strong>{ .. يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ .. }  </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وفي مواجهة أمريكا وأحلافها وأتباعها من الطواغيت ، يرزقه إحدى الحسنيين وما أجلَّهما : النصر على أعداء الله أو الشهادة في سبيله قدِّس إسمه ، وهل أجلُّ من ذلك وأجمل في مصائر البشر ؟! &#8230;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وأما قوله تعالى  : <strong>{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فالمعادلة المعاصرة النسبية هنا ، هي : أن تكون مع أميركا الطاغوت الأكبر وبقية حلفائها الطواغيت . فإن كنت كذلك ، وأنت في الأصل مؤمن، فإن الله تعالى يخرجك من نور إيمانك الفطري ، من النور القدسي الذي فيه سعادة الدارين ، إلى الظلمات ، وهي كذلك درجات ، وكل درجة هي لون من العذاب الذي قال الله تعالى في بعض أنواعه :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ  الذِّكْرَى . سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى . وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى . الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى . ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا</strong> . سورة الأعلى الآيات ( 9 ـ 13 ) <strong><sup> </sup></strong><strong>} .</strong></span></p>
<h2 dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>أفغانستان </strong></span><span style="font-size: 14pt;"><strong>بين أميركا وطالبان وقوات التحالف الشمالي :</strong></span></h2>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">أفغانستان ، تلك البلاد الجافة ، التي معظمها مناطق جبلية يبلغ بعض ارتفاعاتها فوق 5000 متر . وهي بعد جبال هملايا وقمة أفرست<sup>(1)  </sup>من أعلى جبال العالم . تبلغ مساحتها حوالي : (636،267) كلم<sup>٢</sup> ، وعـدد سكانـها حوالـي  : (<strong>&#8230; &#8230; 19)</strong> ، يحدها من الغرب إيران أي الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، ومن الشرق والجنوب باكستان ، ومن الشمال ما كان يعرف بجمهوريات الإتحاد السوفياتي .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong><span style="color: #008000;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong><span style="color: #008000;">(1)<sup>          </sup>جبال هملايا في شبه القارة الهندية ، وهي سلسلة جبال أعلاهـا قمة أفرست ويبلغ إرتفاعها 8848 م وهي أعلى قمة في العالم .</span></strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وأفغانستان من أفقر بلاد العالم وأكثرها جدباً وأكثر مناخات العالم قساوة ، ويتميز شعبها على بؤسـه ، وربطـاً بهذه الطبيعة الصعبة بالشجاعة  وطول النفس والصبر على التحمل .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>قوانين إلـهية تحكم العالم :</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong><strong>          </strong>وكأنَّ الله عز وجل وضع هذا الشعب في هذه البقاع من الأرض وجعل بنيته وتركيبه ، كبنية جبال أفغانستان وتركيبها . وطبيعته كطبيعتها ، ليكون مشغلة ً وصخرةً كأداء ، تتحطم عليه القوتين العظميين في الأرض ، الإتحاد السوفياتي وأميركا ، وقد حصل . وتحطمت قرون السوفيات بمساعدة السلاح والخطط الأميركية من جهة ، وبالمال العربي والإسلامي المقدم  لأميركا من جهة ثانية ليكون في جملة مكاسبها العظيمة في خسران الإتحاد السوفياتي وخروجه مهزوماً هارباً من أفغانستان  .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والآن ، وقعت أميركا في الفخ الإلـهي ، وأخذت تنطح هذه الصخرة الأفغانية ، لتتحطم عليها قرونها عاجلاً أو آجلاً ، لا فرق .  وإنما ستتحطم بإذن الله تعالى ، ولعلًّ ذلك ليكون مؤشراً على نهاية أميركا ، كما كان مؤشراً على نهاية الإتحاد السوفياتي كدولة عظمى من الوجود .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وليس معنى هذا ، أن تسْلَم أفغانستان .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فالحقيقة أن هناك معادلات إلـهية وقوانين ، تكاد تعجزعن فهمها العقول العادية ، حتى وقد ترفض حيثياتها وتغضب من عرضها والمقارنة بها ، ولكن لا يعجز عن إدراكها أولوا الألباب الذين اختصهم الله بمعرفته ، أو ببعض معرفته واستلهام قوانينه .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقبل أن أعطي مثلاً أو أكثر عن القوانين التي عنيت ، أنبِّه إلى عدم جواز المقارنة مع الوقائع التي أوذي  فيها أو ظلم أنبياء الله ورسله في تاريخ البشر ، من قتل بني إسرائيل المزعوم لرسل الله ، وأقول المزعوم ، لأن الخبـر يعني أنهم عزموا وصمموا ، فكتب عليهم أنهم قتلوا ، ولو لم يكونوا  قد نفذوا فعلاً بشخص أي رسول ، لأن الله سبحانه كان عند شروعهم بالتنفيذ ، يرفع رسوله ، ويشبه لهم بمجرم ٍ يستحق القتل فيقتلونه . ومن أصدق  من الله قيلا ، قال سبحانه :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ</strong> . <span style="color: #008000;"><strong>سورة يونس الآية 103</strong></span> <strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وليس في القرآن الكريم أي خبر صريح عن أن أحداً قتل رسولاً لله بشخصه .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وأما القول عن زكريا (ع) أنه اختبأ في جذع شجرة فنشرها بنو إسرائيل بالمنشار فقتل فيها ، وأن ولده يحي (ع) قتل وقطع رأسه وقدِّم على صينية إلى يغي من بغايا إسرائيل ، وأن المسيح  (ع) قتلوه وعلقوه على الصليب ، وكذلك الكلام عن قتل غيرهم من رسل الله سلام الله عليهم . فكل ذلك هراء ليس فيه أية إشارة في أي نص ٍ في القرآن المجيد . وأما نسبة ذلك إلى أحاديث أو روايات ، فهي مردودة بالقرآن الكريم ، وهي إما شبهات أو إسرائيليات . وخسأ بنو إسرائيل يخادعون الله وهو خادعهم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما أولياء الله الصديقون الأبرار ، بلى ، فقد ابتلاهم الله تعالى بالشهادة ، فضلاً عن الأذى والظلم الذي يلحق الأنبياء والمرسلين . ابتلاهم وابتلى بهم أعداءَه سبحانه ، من كفرة وفجرة ومنافقين . وقد جعلهم الله رموزاً للبشرية ، ومنائر يهتدى بها بعد كل رسول من رسل الله جل جلاله . وليست فتنة صفين وما قبلها ، والتحكيم الجائر ، ونزوات المرتدين فيها ببعيدة ، وكذلك ليس ببعيد زلزال كربلاء .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وإني تمثلت بكل هذا ، لأقول إنه لا يقاس عليه ، لأنَّ في حكمة الله ومقاصده فيه ، دروسه وعبره ، استثناءات عن القواعد العامة التي وعدنا بعرضها ، كمعادلات وقوانين إلـهية ، تعني الناس من غير الرسل ، وغير أولياء الله المنتجبين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما المعادلات والقوانين التي يتحرك ضمنها البشر عامة فيهلك ضمن مقاصدها وأسرارها من يهلك ، ويصاب من يصاب،  وينجو برحمة من الله من ينجو . فهي كثيرة نذكر منها ثلاثة نماذج ، هي بالضرورة من كتاب الله وكلام الله مجِّد اسمه.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">أولاً قوله تعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ <span style="color: #008000;">. سورة الأعراف الآية 96</span></strong> <strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وثانياً قوله تعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>{ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ </strong>. سورة النحل الآية 112 <strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وثالثاً قوله تعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ </strong>. <strong><span style="color: #008000;">سورة فصلت الآيات (30 ـ 31)</span> } </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فأين نذهب بهذه الآيات التي هي تقارير من الله وأحكام ؟ وكيف نتعامل معها ؟ وهل يجوز أن نتجاوزها ونهملها ؟ ونحن إن فعلنا ذلك ، نكون قد خرجنا من دين رب العالمين ، أو على الأقل نكون قد عصيناه ، وحشرنا  أنفسنا  مع  الفسَّـاق  أو الملاحدة أو المنافقين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          إلاَّ أن في القرآن الكريم سورة <sup> </sup>البروج <sup> </sup>ربما ينسحب بعض مضمونها على الفريق الحيادي في أفغانستان ، أي الفريق الذي لم يقع في فتنة الإقتتال الداخلي ، أو فتنة الإئتمار بأمر الطاغوت الأمريكي ، أو فتنة جلب البلاء للإسلام والمسلمين ، بسلوك هو أقرب إلى الإنسان الحجري ، منه إلى انفتاح الإسلام على الأرض والسماوات ، وأخلاق الإسلام السامية ، ومقاصده الشريفة النبيلة ، التي يستطيـع أن يعيش في ظلالها جميع أهل الأرض ، بحرية حقيقية ، وديمقراطية صادقة ، وكفاية ، بل ورفاه في عيش كريم .</span></p>
<h2 dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>بين حضارة طالبان وحضارة امريكا وحلفائها :</strong></span></h2>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span><span style="font-size: 12pt;">          طالبان سفَّهت الأخلاق الإسلامية ، وجهَّلت العلم ، وخنقت الحرية باسم الإسلام . وشوهت وجه الإسلام الرسالي المحمدي العالمي البريء والجميل .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما أسوأ صورة في أفغانستان ، فهي هذه : أميركا تحلق بآخر وأدهى ما توصل إليه العلم الجهنمي من قاذفات قنابل ، تزن كل واحدة بضعة أطنان ، تزرعها فوق شعب أفغانستان، كما يبذر الفلاح القمح في حقله ، وشتان بين زرع القمح ، وزرع النار التي تذيب حتى الحديد ، في سقوف بيوت الأفغان ، علماً أن أكثر سقوفهم ما زالت من تراب .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وتحت هذه البيوت ، وبينها ، يدفن بين الموت والحياة ، أطفال وأطفال ، ونساء وشيوخ ، لا ذنب لهم إلا أنهم مسلمين  . فلا هم من طالبان ، ولا هم من القوات المشتركة أو قوات التحالف الأفغاني ، الذي يزحف تحت غطاء من الجحيم الأمريكي ، ليقتل أفغانيين مسلمين مثله ، وحقد الفريقين الأفغانيين على بعضهما ينهش قلوبهم ، وتكتمل الصورة ، بحقد أعظم ، وسم أنقع ، وغضب ناري شيطاني تصبه أميركا على الأطفال ، وتصرح وتقول : لئلا يكبر هؤلاء ويصبحوا إرهابيين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما السورة التي ذكرناها وهي ( سورة البروج ) ، وأما مضمونها الذي من مصاديقه الفريق الحيادي البريء في أفغانستان وفيه آلاف الأطفال الذين يعانون هم وأهلهم من الجوع والبرد والتشرد والهول والفزع ، وكل ذلك كمقدمـات للموت السريع أو البطيء :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">فقول الله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ . النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ . إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ . وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ . وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ . الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . سورة البروج الآيات(4 ـ 9) } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والاخدود ، حفرة كبيرة جمع فيها حطب كثير وأشعلت فيها نار هائلة . وملخص القصة التي وردت عن فحـوى الآيات ، أن قوماً من اليهود ، نقموا على قوم من النصارى . فقط لأن هؤلاء النصارى آمنوا بالسيد المسيح عليه السلام وبما جاء به من الدعوة إلى توحيد الله تبـارك وتعـالى . فاعتقلوهم جميعاً بما فيهم النساء والأطفال الأبرياء  ، وعرضوهم على النار المذكورة ، وخيَّروهم  بين أن يرجعوا عن الدين الجديد الذي دانوا به ، وبين إلقائهم  في تلك النار ، وهذا  من البلاءات الكبيرة في تاريخ الإيمان بالله وبوحدانيته ، وقد تكرَّر مثله في التاريخ السابق ، وما زال يتكرر مثله في التاريخ الحديث والمعاصر ، وهذا نمط مثله واضح فاضح في أفغانستان .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والجدير بالذكر في نتيجة هذه القصة التاريخية ، أن أولئك النصارى ، تحدُّوا اليهود بإيمانهم بالله وبرسوله ، وارتضوا بالنار الدنيوية هذه ، التي لا يدوم عذابها إلا لحظات ، هذا إذا كان فيها عذاب ، وإلا فالمرجو ، أن يكون الله جلَّت عظمته ، قد جعلها عليهم كنار إبراهيم ، برداً وسلاماً .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          المهم أن هؤلاء المؤمنين ثبتوا على إيمانهم فألقوهم تباعاً في النار مع أطفالهم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وفي القصة هذه أمر يطيب لنا ذكره ، وليس هو على الله بعزيز ، وهو أن امرأة تحمل رضيعها وهو ابن بضعة شهور ، فأخذتها عليه شفقة ، تكون عادة حتى عند قساة القلوب ، فكيف هي عند أم ٍ على فلذة كبدها . فترددت ، وأرادت أن تتراجع عن إيمانها ، فقط حرصاً على وليدها ، واليهود أمامها يتجبرون ويتوعدونها بحرقه معها . فما كان إلا أن نطق الطفل الرضيع : تقدمي يا أمي ، فإن الله سيجعل هذه النار علينا برداً  وسلامـا ـ أو كما قال ـ فتقدمت ، موقنة برحمة الله ولم تدع لليهود فرصة فتنتها عن دينها .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فقتل أصحاب الأخدود في أفغانستان الذين أشعلوا جحيم النار فيها بين الأرض والسماء ، فقتل أصحاب الأخدود ، النار ذات الوقود ، إذ الأمريكان &#8221; عليها قعود &#8221; مشرفين على الحرب هذه  المتوحشة الضارية ، قعود بالدم البارد في عواصمهم وعواصم العالم يديرون حرباً ، تكاد لا تصدق ، بين أقوى وأغنى دول العالم مجتمعة ، وبين هذه الدويلة البائسة الفقيرة ، أفغانستان :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ }</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وما نقمت دول العالم المتحالفة على الشر ، والتي تلهب أحقادها وتتلاعب بعقولها دولة الصهاينة وامتداداتها السرطانية في العالم وخاصة في أميركا . وما نقمت دول الشر هذه إلا أن يؤمـن الحياديـون الأبريـاء في أفغانستان وفي غير أفغانستان { بالله العزيز الحميد . الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } . الله شهيد على ما يفعلون  يسجِّل عليهم كل حركة وكل نفس ، وكل نية تتبيَّت في السر ، أو تفضح من خبثهم في العلانية :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ . سورة النحل الآية 26 <sup> </sup>}  .</span></p>
<h2 dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>القيامة على الأبواب والناس يرجون النصر من عند غير الله . والله معهم أينما كانوا وهو على كل شيء شهيد .</strong></span></h2>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">لمحات عن العالم في ظل الآيات الثلاث :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ـــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          الآيات التي قلنا إن البشر في تاريخهم إلى قيام الساعة يتحركون ضمن حروفها ، وهذه مقدماتها للتذكير :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">1 ـ      ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض &#8230; والقذائف والألغام ،  طبعاً  ليسـت بركات من السماء والأرض .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">2 ـ      وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة &#8230; فكفرت &#8230; فألبسها الله لباس الجوع والخوف &#8230; والقرى والمدن سيَّان .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">3 ـ      إن الذين قالوا ربنا الله ثم  استقامـوا تتنـزل عليهـم        الملائكة ألاَّ تخافوا ، ولا تحزنوا نحن  أولياؤكـم فـي الحياة الدنيا &#8230; يعني إن الذين يقولون ربنا الله ، دون أن يستقيموا ، لا تتنزل عليهم الملائكة ، أي رحمة الله وعونه وبركاته ، لا في الدنيا ولا في الآخرة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما الكلام عن القيامة ، وأنها على الأبواب ، فقد عقدنا فصلاً عنها وعن أشراطها المتحركة ، التي يواكب بعضها بعضاً ، والماثلة للعيان ، في كتابنا &#8221; العقل الإسلامي &#8221; <sup>(1)</sup> فراجع .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وهذه لمحات سريعة جداً عن العالم ، منذ الإسلام ، بين السلب والإيجاب :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ـ         العهد الميمون لنبوة محمّد (ص) رسول الإسلام ، لإنقاذ البشرية من جاهلياتها وظلامهاالدامس ، إلى سعادة القلوب المؤمنـة الموحدة ، والعقول المستنيرة بنور الله ، النور الذي بنيت به حضارة الإسلام ، حضارة دين رب العالمين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">(1)        صدرت منه الطبعة الثانية عن دار الأضواء . بعد أن نفذت الطبعة الأولى .  </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ـ         عصر ما سمي بعصر الخلفاء الراشدين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ـ         العصر الأموي ، وبحسبك من سلبياته التاريخية  ،  أنـه انحـرف  انحـرافاً عـن الإسـلام مروعـاً ، إذ  كان &#8221; ميكيافيللي &#8221; <sup>(1) </sup>. ذلك العصر ومؤسسه معاوية بن أبي سفيان ، إبن هند آكلة الأكباد <sup>(2) </sup>. ثم إبنه يزيد الذي زلزل التاريخ الإسلامي ، بقتله حفيد رسول الله (ص) وسيد شباب أهل الجنة  الحسين بن علي (ع) مع ثلة من أهله وأصحابه ، في وقعة كربلاء .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومن أبرز ما كان في العصر الأموي ، عداء الأمويين وحقدهم على بني عمومتهم الهاشميين . وهم عشيرة رسول الله محمّد (ص) والتنكيل بهم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          إلا أن بقعة بيضاء في عصر بني أمية ، عبَّرت عن حقيقة الإسلام الحضاري ، نسبياً ، أصدق تعبير .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فقد عرف الشرق والغرب ، في دراستهما للتاريخ الإسلامـي ، أن عهـد عمـر بن عبـد العزيز ، أحد الخلفاء الأمويين،  قد أعطى انطباعاً عن الحاكم ، وعن اختياره لجهازه البشري ، بنظام الشورى ، وعن عامة الناس  في أيامه ، بأن الإسلام ، وليس غيره ، كنظام إلـهي ، يستطيع أن ينعم بظله أهل الأرض  ، وهم مكفيون آمنون سعداء .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ونحن هنا نورد رواية أحد المستشرقين ، عن هذا العهد ، كمراقب موضوعي يهمه معرفة الحقيقة عن الإسلام ، يقول :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ورث عمر بن عبد العزيز الخلافة ، وليس في بيـت المال ، درهم ، فقد كنسه من كانوا قبله . ومعلوم أنه أصبح على رأس دولة مترامية الأطراف ، لها جيشها وموظفوها ، ومؤسساتها ، فأسقط في يده ، وبادر يستعين بالولاة في الأمصار، وقد كتب إليهم أن مدُّونا ما استطعتم بالمال . وهنا وقعت مفارقة عجيبة ، أن الولاة أيضاً وقعوا في حيرة ، فإن مصادر المال الذي كانت توفره الجزية من الكتابيين ، وخصوصاً النصارى ،</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">قد انقطعت ، إذ حبَّاً بسمعة الخليفة العتيد عمر بن عبد العزيز أخذ النصارى يدخلون في دين الله الحنيف ، دين التوحيد ، زرافات ، ووحدانا .&#8221; فما العمل يا أمير المؤمنين &#8221; ؟! &#8230;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">(1)<sup>          </sup>&#8221; ميكيافيللي &#8221; هو أحد رؤساء الوزارة في إيطاليا ، ألَّف كتاب الأمير ، ليكون دليلاً للحاكم ، وكان أبرز ما فيه من مساوىء نظرية &#8221; إن الغاية تبرر الوسيلة &#8221; وقد اعتمدها فيما بعد جميع قادة الغرب . </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">(2)<sup>          </sup>حاولت أن تأكل قطعة من كبد حمزة بن عبد  المطلب  بعد إستشهاده فما استطاعت ازدرادها . </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وأخذ ذلك الرجل ، الذي أصبح أميراً للمؤمنين ، يفكر في ليل طال عليه ، ثم اتخذ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> قراره . ونادى على بعض الكتبة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">فكتبوا رسائل إلى الولاة في أقطار العالم الإسلامي آنذاك ، يعظهم فيها بتقوى الله ، وبحسن التوكل عليه  سبحانه  ،  وبعدم الخوف من الحاجة لأن الله وليهم &#8230; إلا أن أبرز ما في الرسالة ، هذه العبارة :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          &#8221; تقولون أن أهل الكتاب <sup>(1) </sup>، يدخلون في دين الله زرافات ووحدانا وبذلك انقطع مصدر كبير من مصادر المال . فاعلموا أنه ، أن يدخل ذمي واحد في دين الإسلام خير مما طلعت عليه الشمس ، وإنما بعث محمّد (ص) هادياً ولم يبعث جابيا ، وإنَّا حسبنا الله الحي القيوم هو المغني وهو الكافي وهو خير الناصرين &#8220;.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ثم بعد ذلك حصل العجب ، فما إن مرت أسابيع حتى تقاطرت الأموال ، فملأت بيت المال . فوطَّد بها حكمه وأرضى الناس .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ثم كانت المفاجأة الثانية : الخليفة يعلـن على الأمصار : ألا من كان بحاجة إلى مال ، فليأتنا ، وله نفقات سفره ، أو فليكتب إلينا نرسل إليه .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ثم كانت المفاجأة الثالثة : أن قلة قليلة جداً ، هي التي طلبت ، وكان المتوقع أن يفد الناس بكثرة فالمال مطغ ٍ جذاب . السبب أن الله قد جعل الناس  لتقواهم ، وبركة خليفتهم وولاتهم ، في كفاية ومع الكفاية ، ما هو أهم ، التعفف ، وغنـى النفـوس بالله ، الذي هو معهم أين ما كانوا ، والذي هو أقرب إليهم من حبل الوريد ، وهو خير الرازقين . فهذا هو الإسلام ، وهذا هو الإيمان الحقيقي بالله رب العالمين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وهكذا ، كانت البلاد ، عهده ، مصاديق للآيات الثلاث ، التي نحن بصددها ، وذلك في مضامينها الواعدة . ونذكِّر بأن أول هذه الآيات ،  قوله تعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { ولو أن أهل القرى آمنو واتقوا لفتحنا عليهم بركات ٍمن السماء والأرض &#8230;}.  </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">(1)<sup>          </sup>نسب خطأ إلى عمر بن عبد العزيز أن برغم إعفائه أهل الكتاب من الجزية إلا أنه وضع عليهم قيوداً تميزهم عـن المسلميـن . والحقيقة أن هذه القيود إنما وضعها قبلاً الخليفة الثاني عمر بـن الخطاب ، فالتبس الأمر على بعض المؤرخين . ولقد دوِّنت بنود هذا الميثاق منسوبة إلى الخليفة الثاني بصيغ مختلفة . انظر ابن عساكـر ج1 ص 178  ومـا بعـدها . و &#8221; المستطرف &#8221; ج1  ص 100 وما بعدها . </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما المصاديق الأموية ، للمضامين المتوعِّدة ، في هذه الآيات الكريمات ، فهي أن سلسلة الخلفاء ، قبل عمر  بن عبد العزيز وبعده ، اختاروا خلاف ما اختار ، هو اختار الله ، وتقوى الله ، وحسن التوكل عليه ، والزهد والورع . وهم اختاروا الأبالسة ، والطعن في نحر الدين ، وأولياء الله الصالحين ، واختاروا الكَلَب على الدنيا وتقليد ملوك الدنيا وعبيد الدنيا ، والكذب الذي لطَّـفوا من إسمه وأسموه دهاء ، واختاروا سفك دماء المؤمنين ، وتقديم الفجار، وتأخيرالأخيار. والله تعالى بالمرصاد ، يجمِّع عليهم السقطات ، والجرائم والهفوات&#8230;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ثم كان يومهم الذي لا بد منه ، بموجب قوانين الله جلَّت عظمته :  ولكنه يوم أمطر دماءً غزيرات ، أفجعهم في أقطار الأرض وأفجع أبناءَهم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فقد أرسل عليهم ثورة عارمـة ، من الذين امتلأوا منهم وجعاً ، وامتلأوا عليهم حقداً . ثار عليهم  بنو أعمامهم ، بنو العباس ، فأغرقوهم في برك من دماء .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وأذكر حادثة واحدة ، عن مدى الفتك الذي أوقعـه الله بهم . فقد تدخل بعض المعتدلين ممن يستمع إليهم الخليفة الجديد ، أبو العباس ، السفَّاح ، وهذا لقبه الرسمي . مدخلاً في روعه ، أن لم يبق من بني أمية ، إلاَّ بضع مئات ، متخفين عن الأنظار، هاربين في الأمصار ، وقد وطِّد حكمك ، ولا أحد يجرؤ بعد على المسِّ بملكك . وهؤلاء بنوعمومتك ، فعليك بالرَّحِم فهو من الرحمة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فرضي أبو العباس . ودعاهم بعد أن أعلن لهم الأمان ، فخرجوا من مخابئهم ، وأكثرهم كانوا سادة وقادة في بني أمية وفي حكومتهم . وبعد أن استقر بهم المجلس ، وهو في صدر الإيوان . دخل عليهم رجل ، كان منكوباً بهم وبجورهم ،  فنفر من هذا المشهد ، وعزَّ عليه ، أن يعود هؤلاء المجرمون ، إلى جوار السلطان وهم الأحق بالعقاب . فجاش صدره  ، وحمي أنفه غضباً وارتجل بيتين من الشعر أنشدهما للسفَّاح :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          لا يغرَّنْكَ ما تـرى من أنـاس ٍ     إنَّ بينَ الضُلوع ِ دَاءً دَوياً</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">فارفع السوطَ واشهرالسيف حتى     لا ترى فوق ظهرها أمويا</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وما كان أسرع استجابة أبي العباس ، فدعا زبانيته ، فأبادوهم في مقتلة واحدة . وهكذا انتهت دولة بني أمية التي دامت حوالي المائة سنة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          قيل في التاريخ الذي درسناه ، إنه لم ينج من الأمويين ،  وهم كانوا ألوفاً مؤلفة ، إلاَّ رجل واحد ، هو عبد الرحمن الداخل ، ولقِّب بالداخل ، لأنه هرب متنكراً ودخل بلاد الأندلس . حيث أسس فيها مملكة كذلك أموية ، وهي كذلك لم تدم طويلاً .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وهكذا كانت الدولة الأموية بشقيها  في التاريخ ، مصداقاً للآيات الثلاث ، ونكتفي بذكر الآية الأولى : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأََرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فحظُّ فجار الأمويين من الآية قسمها الأخير ، إذ أنهم كذبوا فأخذهم الله بما كانوا يكسبون .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقبل أن نودعهم ، نذكر بعض سجاياهم متمثلة بالوليد بن عبد الملك :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          سكر ذات يوم ، وتناول القرآن واستفتح ، كفعل أهل الورع ، فإذا في رأس الصفحة ، قوله تعـالى : { وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } . فبدلاً من أن يفزع ويستغفر ، ويُقلع عن خمره تائباً توبة نصوحاً . استشاط غضباً ، وممن ؟! &#8230; ونصب القرآن على شجرة في حديقة قصره ، وأخذ يرميه بالسهام ، ويقول  وقد جاشت شاعرية الشيطان فيه :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          تهددنـي  بجبـار  عنيـد            فها أنا ذاك جبـار عنيد ُ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          إذا ما جئت ربك يوم حشر ٍ       فقل يا رب مزَّقني الوليد</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولنطمئن إلى الجواب على هذا السؤال ؛ لماذا أذن الله تعالى بتلطيخ القرى في أبهة العصر الأموي بالدم ؟! نقول لأن الناس على دين ملوكهم . فقد أخذ المجتمع يفسد بفساد الخلفاء ، فيباع الناس ويشترون بالمال حتى النساء وحتى بعض الصحابة ، فقد اشترى معاوية جعدة بنت الأشعث الكندي بمال ٍ واعداً إياها كذباً ، بأنه إن سممت زوجها الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) زوَّجها من يزيد ، واشترى بمال ٍ الصحابي سمرة بن جندب فحدَّث كاذباً لمصلحة معاوية عن رسول الله (ص) ، واشترى من سمَّم مالك الأشتر النخعي وهو في طريقه ليكون والياً على مصر ، وقال معاوية قولته المشهورة &#8221; إن لله جنوداً من عسل &#8220;.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ولا تنتهي جرائم معاوية مؤسس الدولة الأموية . أما الأحرار والعلماء الأصيلين فقد قمعوا قمعاً شديداً .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وأورث معاوية يزيداً ابنه الخلافة  ، وهو الأشقى في التاريخ الإسلامي ، حيث أنه أول ما دعَّم ملكه بأفظع جريمة كذلك في التاريخ الإسلامي ، وهي مقتل الحسين بن علي (ع) وأصحابه ، في وقعة كربلاء ، وكان يزيد أول من عاقر الخمر وشهد مجالس الطرب وربى الكلاب والقردة في الإسلام .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولنطمئن كذلك أكثر ، إلى فاعلية الآيات الثلاث ، نضيف كذلك خبراً عن الوليد إياه ، حيث سهر مع جارية له حتى الفجر  وغدا مخموراً مما شرب ، وأذَّن المؤذن للصلاة ، وكان هو يؤم المصلين ، فقالت له قم وصل ٍ بالناس . فقال لها ، لا ، وخلع عمامته وألبسها إياها وقال قومي أنت صلِّ بهم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وهذه لمحات عن العصر العباسي وأمبراطوريته ..</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وسننظر إلى هذه الدولة ، مقوِّمين فيها ما يسمى بالحضارة الإسلامية ، بقطع النظر عن المناقشات المذهبية ، وعن أحقية من كان يجب أن يخلف رسول الله محمّداً (ص) في التاريخ ، وهو بحث طويل يبدأ بفتنة السقيفة ولا ينتهي إلى قيام الساعة . ونحن هنا إنما نحاول أن نقدِّم الإسلام باختصار وبدون تعقيد ، بإيجابياته كحضارة ورسالة هي في الأصل لإنقاذ العالم والبشرية جمعاء ، وبسلبيات الذين حالوا دون تألقه وانتشاره ، أو أخفقوا بإدارته ، فيما مضى من مراحل تاريخه . ونحاول أن نتمشى في كل ذلك ـ وهذا هو المهم ـ بين الآيات الثلاث التي ما زلنا بصددها . ويقيناً إننا ، والناس ، بأمس الحاجة لهذا الأسلوب الجديد من العرفان العملي .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          نعم خلال أكثر من سبعمائة سنة تقريباً ، قامت حضارة في العصر العباسي ، إسلامية ، انفتحت على بقية الحضارات المعروفة ، وتلاقحـت معها ، وأنتجت مدنية خلاَّبة ، ما زال يشهد لها الغرب قبل الشرق .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقد بزَّت هذه الحضارة ، جميع الحضارات المعروفة المعاصرة لها ، وتفوقت عليها ، وكان أبرزها الفارسية والرومانية وقبلها الحضارة الإغريقية .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وإنما كان سبب تفوقها وتألقها ، علمياً واقتصادياً واجتماعياً وقوة عسكرية ، استكملت بها الفتوحات ، حتى بلغت أرمينيا وأذربيجان وطشقند ، بعد آسيا الصغرى ، وغيرها مما كان يعرف بجمهوريات الإتحاد السوفياتي في عصرنا هذا ، واصلة إلى الصين شرقاً . مؤسسةً في الغرب حضارة هي أفخم ما عرفه التاريخ الإنساني ، وأجمل ما عرفته الحضارات ، هي الحضارة الأندلسية .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          نعم ، كان سبب تفوق الحضارة الإسلامية في عصر بني العباس ، أنها كانت ذات مفهومين ، أو نهجين متعارضين ، عمَّر أحدهما وثبت ، بمعارضة النهج الآخر وبالخشية من إثاراته : النهج الأول هو النهج السلطوي الدنيوي ، الآخذ بأسباب الملك والقوة ، وبسط النفوذ ، حتى على أقوى أمبراطورية<sup>(1)</sup> كانت  ما زالت  قائمـة واسعـة النفوذ ، فخلخل أركانـها باسم الإسلام . آخذاً من الإسلام شكليـاته يتزين بها ، وينفلت في نفس الوقـت على الخمر والرفاه وكثير من المنكرات .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما النهج الآخر ، فهو النهج الروحاني ، المعارض انتصاراً لله ولدين الله ، الرافع لواء الرسالة وتعاليمها العالمية المنجية ، ويتمثل هذا النهج ، بآل بيت النبيّ(ص) ، والمؤمنين الأبرار ، المتميزين في التاريخ بثوريتهم ، وبطاعتهم للعلماء المستنيرين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ويبـدو أن اختيار الله جلت قدرته ، وهو الذي { يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ .. سورة السجدة الآية 5 } يبدو أن اختياره  لأئمة الدين ـ عبر التاريخ ـ ليكونوا فقط ثواراً ، وفقط معارضين ، ليصححوا دائماً المسارات الفاسدة ، والتحولات  الخطيرة عن الإسلام ، والحقيقة ، نقولها لوجه الله ، أن الإسلام قد صانه الله تعالـى من الزوال ، بهؤلاء وبجميع أولياء الله العرفانيين العمليين ، الذين اجتباهم في التاريخ .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          لذلك ، تجلَّت الحضارة الإسلامية ، واصلة إلى الأوج ، بمقياس تلك الأيام ، تجلت بأبهة الملك وفتوحاته وانتصاراته وحركته العمرانية والإقتصادية من جانب ، ومن الجانب الآخر الديني ، بالمدارس الجامعية ، لأولياء الله الصالحين والعلماء الأعلام .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فهذا العالم الأميركي سارثون<sup>(2)  </sup>فـي عرضـه لتاريـخ العلوم وذكره لمآثر العرب والمسلمين في ميدان العلوم الإجتماعية  وغيرها في ذلك العصر يقـول <sup>(</sup><sup>3</sup><sup>) </sup>: &#8221; إن الجانـب الأكبر من مهام الفكر الإنساني حمل أعباءه المسلمون . فالفارابي أعظم الفلاسفة</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">(1)              هي الأمبراطورية الرومانية التي كانت تحكم من عاصمتها بيزنطة أكثر بلاد المشرق  .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">(2) +(3)     أنظر تاريخ العرب . د. فيليب حتي . و د. ادوارد جرجي . و د. جبرائيل جبور .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">كان مسلماً وأبو كامل <sup>(</sup><sup>1</sup><sup>) </sup> وابراهيم ابن سنان <sup>(</sup><sup>2</sup><sup>) </sup> أعظم علماء الرياضيات كانا مسلمين والمسعودي أعظم رجال الجغرافيا والموسوعات كان مسلماً وكذلك قل في الطبري أعظم المؤرخين ً.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومعلوم أن الأئمة الأبرار ، وكذلك أتباعهم ، قد عزفوا عن الملك وعن السلطان ، وحتى عن التقرب إلى السلطان ، إلاَّ إذا اضطر أحدهم ـ أي الأئمة وشيعتهم ـ لذلك مكرهاً  بضغط من السلطان ذاته . وقد تفرغوا للعلم والتعليم بجميع  مستوياته ،  فلقد عرفت تلك الحضارة من خلالهم ما لم يكن يعرفه العالم من قبل . مثل العرفان الإلـهي إنطلاقاً من القرآن الكريم . ثم الفلك والرياضيات بأنواعها الأصلية ، والكيمياء والفيزياء ، وغير ذلك من المباحث العميقة التي لم تعرف تقريباً إلاّ في العصر الحديث ، مثل حقيقة المكان والزمان وتركيب الهواء ، ومعرفة بعض الغازات ، مثل الأوكسجين ، علماً أن أول من اكتشف الأوكسجين  وتحدث عنه كبداية ، هو لافوازييه بعد أكثر من ألف سنة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">        </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">(1)<sup>          </sup>شجاع ابن أسلم المصري الذي نقح  في أوائل القرن العاشر كتاب الجبر &#8221; للخوارزمي &#8221; .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">(2)<sup>          </sup>حفيد ثابت بن قرة أما طريقته لتربيع الشكل المخروطي فكانـت أيسر الطرق قبل اختراع حساب التمام والتفاضل . </span></p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>إخلع نعليك :</title>
		<link>https://islamicbrain.org/%d8%a5%d8%ae%d9%84%d8%b9-%d9%86%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%83-2/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[العقل الاسلامي ونهاية العالم]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 24 Nov 2023 18:48:25 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[مفتاح المعرفة - وفيه شطحات أهل العرفان]]></category>
		<category><![CDATA[إخلع نعليك :]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://islamicbrain.org/?p=8503</guid>

					<description><![CDATA[&#160; إخلع نعليك : ======== قال الله تبارك وتعالى :           { وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى . إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لأََهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى . فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى . إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى . وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ [&#8230;]]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<h2 dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>إخلع نعليك :</strong></span></h2>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">========</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">قال الله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى . إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لأََهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى . فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى . إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى . وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى . سورة طـه الآيات ( 9 ـ 13 ) } .        </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          لأهمية الموضوع ، ولأهمية هذه الآيات المتعلقة به ، سنفصِّل في تفسيرها أولاً ، ثم نعود إلى التأويل بقدرٍ مقدور ولا قوَّة إلاَّ بالله العليِّ العظيم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          القراءة :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          قرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو : أَني أنا ربك بفتح الألف ، والباقون : إني بالكسر . وقرأ حمزة لأهلهُ امكثوا ، وفي القصص أيضاً بضم الهاء . وأَنَّا مشدَّد مفتوح الهمزة ، اخترناك على الجمع  ، والباقون لأهله بكسر الهاء ، وأنا اخترتك  على التوحيد ، وقرأ ابن عامر وأهل الكوفة طوىً بالتنوين والباقون بغير تنوين ، وفي الشواذ قراءة الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير أخفيها بفتح الألف .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">      الحجة :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          من كسر إني فلأن الكلام حكاية كأنه نودي فقيل يا موسى إني أنا ربك ، ومن فتح فكان المعنى نودي بكذا .  وقوله طوى يصرف ولا يصرف ، فمن صرفه فعلى وجهين :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">أحدهما  : أن يجعله إسم الوادي فيصرفه لأنه سمى مذكراً بمذكر.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">والآخر : أن يجعله صفة ، وذلك في قول من قال أنه قدِّس مرتين ، فيكون طوى كقولك ثنى ، ويكون صفة كقوله مكاناً سوى وقوم عدى ، وجاء في طوى الضم والكسر ، كما جاء في مكان سوى الضم والكسر .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ومن لم يصرف احتمل أمرين :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">أحدهما : أن يكون إسماً لبقعة أو أرض فهو مذكر فيكـون بمنزلة أمرأة سميتها بَحر ، ويجوز أن يكون معدولاً كعمر ولا يمتنع أن نقدر العدل فيما لم يخرج إلى الإستعمال ، ألا ترى أن جمع وكتع معدولتان عما لم يستعملا فكذلك يكون طوى . وأما قوله وأنا اخترتك فالإفراد أكثر في القراءة ، وهو أشبه بما قبله من قوله إني أنا ربك ، ووجه الجمع أن يكون ذلك قد جاء في نحو قوله تعـالى : { سبحان الذي أسرى } ، ثم قال : { وآتينا موسى الكتاب } ، ويمكن أن يكون الوجه في قراءة حمزة وأنَّا اخترناك ، مع أنه قرأ : إني أنا ربك بالكسر ، أن يكون التقدير ولأنا اخترناك فاستمع .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          اللغة :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ألإيناس : وجدان الشيء الذي يؤنس به ، والقبس : الشعلة من النار في طرف عودٍ أو قصبة ، والخلع : نزع الملبوس ، يقال خلع ثوبه ، وخلع نعله ، والوادي سفح الجبل ، ويقال للمجرى العظيم من مجاري الماء واد ، وأصله عظم الأمر ، ومنها الدية لأنها العطية في الأمر العظيم  ، وهو القتل ، والمقدس : المطهر ، قال امرؤ القيس : ( كما شبرق الولدان ثوب المقدس ) يريد العابد من النصارى كالقسيس ونحوه ، وسمي الوادي طوى لأنه طوي بالبركة مرتين .. عن الحسن ، فعلى هذا يكون مصدر قولك طويت طوىً ، قال عديُّ بن زيد :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">           أعاذل إن اللوم في غير كنهه                عليَّ طوىً من غيك المتردد .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          المعنى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ثم خاطب الله سبحانه نبيّه تسلية له مما ناله من أذى قومه ، وتثبيتاً له بالصبر على ما أمر ربه كما صبر موسى (ع) حتى نال الفوز في الدنيا والآخرة ، فقال { وهل أتاك حديث موسى } هذا ابتداء إخبار من الله تعالى على وجه التحقيق ، إذ لم يبلغه حديث موسى ، فهو كما يخبر الإنسان غيره بخبر على وجه التحقيق ، فيقول هل سمعت بخبر فلان ؟ وقيل إنه استفهام تقرير بمعنى الخبر، أي وقد أتاك حديث موسى { إذ رأى ناراً }</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">عن ابن عباس ، قال وكان موسى رجلاً غيوراً لا يصحب الرفقة لئلا ترى امرأته ، فلما قضى الأجل وفارق مدين ، خرج ومعه غنم له ، وكان أهله على أتان وعلى ظهرها جوالق فيها أثاث البيت ، فأضِلَّ الطريق في ليلة مظلمة ، وتفرقت ماشيته ولم ينقدح زنده وامرأته في الطلق ، فرأى ناراً من بعيد كانت عند الله نوراً وعند موسى  نارا ( فقال ) عند ذلك ( لأهله) وهي بنت شعيب كان تزوجها بمدين ( امكثوا ) أي الزموا مكانكم ، قال مقاتل وكانت ليلة الجمعة في الشتاء ، والفرق بين المكث والإقامة أن الإقامة تدوم والمكث لا يدوم { إني آنست ناراً } أي أبصرت نارا { لعلي آتيكم منها بقبس } أي بشعلة أقتبسها من معظم النار تصطلون بها  {أو أجد على النار هدى} أي أجد على النار هادياً يدلني على الطريق ، وقيل علامة استدل بها على الطريق ، والهدى ما يهتدي به فهو إسم مصدر ، قال السدي : لأن النار لا تخلو من أهل لها وناسٍ عندها { فلما أتاها } قال ابن عباس  : لما توجه نحو النار فإذا النار في شجرة عنَّاب ، فوقف متعجباً من حسن ضوء تلك الشجرة ، وشدة خضـرة  تلك الشجـرة ، فسمع النـداء من الشجـرة وهـو قوله : { نودي يا موسى  إني أنا ربك } والنداء الدعاء على طريقة يا فلان !‍‍‍ فمن فتح الألف  من أَني فالمعنى نودي بأني ، ومن كسر فالمعنى نودي فقيل إني أنا ربك الذي خلقك ودبَّرك ، قال وهـب : نودي من الشجرة فقيل يا موسى ! فأجاب سريعاً ما يدري من دعاه ، فقال إني أسمع صوتك ولا أدري مكانك ، فأين أنت ؟ فقال أنا فوقك ومعك وأمامك وخلفك وأقرب إليك من نفسك ، فعلم أن ذلك لا ينبغي إلاَّ لربه عز وجل وأيقن به ، وإنما علم موسى (ع) أن ذلك النداء من قبل الله تعالى لمعجز أظهره الله سبحانه ، كما قال في موضع آخر: { إني أنا الله رب العالمين } وأن ألق ِعصاك &#8230;  إلى آخره ، وقيل إنه لما رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها تتوقد فيها نار بيضاء ، وسمع تسبيح الملائكة ، ورأى نوراً عظيماً لم تكن الخضرة تطفىء النار ولا النار تحرق الخضرة ، تحير وعلم أنه معجز خارق للعادة ، وأنه لأمر عظيم ، فألقيت عليه السكينة ، ثم نودي إني أنا ربك ، وإنما كرر الكناية لتأكيد الدلالة وإزالة الشبهة وتحقيق المعرفة { فاخلع نعليك } أي انزعهما ، وقيل في السبب الذي أمر  بخلع النعلين أقوال :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">أحدهما : أنهما كانتا من جلد حمار ميت .. عن كعب وعكرمة وروي ذلك عن الإمام الصادق (ع) .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وثانيها : كانتا من جلد بقرة ذكية ، ولكنه أمر بخلعهما ليباشر بقدميه الأرض فتصيبه بركة الوادي المقدس .. عن الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وابن جريج .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وثالثها : أن الحفاء من علامة التواضع ولذلك كانت السلف تطوف حفاة .. عن الأصم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ورابعها : أن موسى (ع) إنما لبس النعل اتقاء من الأنجاس وخوفاً من الحشرات فأمنه الله مما يخاف وأعلمه بطهارة الموضع .. عن أبي مسلم { إنك بالواد المقدس } أي المبارك .. عن ابن عباس ، بورك فيه بسعة الرزق والخصب وقيل المطهر { طوى } هو إسم الوادي .. عن ابن عباس ومجاهد والجبائي ، وقيل سمي به لأن الوادي قدس مرتين فكأنه طوي بالبركة مرتين عن الحسن { وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى } إليك من كلامي وأصغ إليه وتثبَّت ، لما بشَّره الله سبحانه بالنبوة ، أمره باستماع الوحي .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          تأويل الآيات :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          قبل أن أبدأ بتأويل هذه ألآيات . ينبغي أن ألفت وباختصار إلى الفرق بين التفسير والتأويل ، علماً أني قد عقدت فصلاً مسهباً عن التأويل في كتابي &#8221; الحكمة الإسلامية ـ بحوث من مقتضيات العصر&#8221; ونكتفي هنا بالقول أن التفسيرـ كما هو شائع عند العلماء ـ هو إظهار معاني ظاهر الآيات القرآنية حسب تراكيبها وصيغها في اللغة العربية . علماً أن ظاهر القرآن الكريم حجة بالإجماع عند علماء المسلمين ، ويسمى هذا الموضوع حجية الظاهر ، وقد قمنا بواجب إظهار هذه الحجة ، تفسيرا للآيات التي نحن بصددها . أما التأويل ، فهو استكناه بواطن الآي من حيث مجازاتها وكناياتها وكذلك أسرارها أو بعض أسرارها التي يطلع عليها الله عز شأنه من يشاء من عباده .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولا بدَّ من القول كذلك ، أن ليس كل الآيات في المصحف الشريف ، ذات ظاهر وباطن ، أو ظاهر وبواطن ، فمثال على ذلك مما ليس له باطن ، وإنما هو يفهم على ظاهره فقط ، قوله تعالى : { عَبَسَ وَتَوَلَّى . أَنْ جَاءَهُ الأََعْمَى . أول سورة عبس } فهي على ظاهرها ، سواء كان العبوس من رسول الله (ص) أو من غيره ، فيبقى المعنى أن المقصود بالكلام عبس وأعرض عن أعمى دخل عليه . ونبدأ بالآيات الكريمات تأويلاً :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">      بين الرموز والحقائق : </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ففي قوله تبارك وتعالى { هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى } ثلاثة أمور زيادة على التفسير الذي رأيناه على مستوى الظاهر . الأول : خطاب لمن يجتبيه الله من عباده يريد تعليمه . الثاني : تنبيه لهذا المجتبى لكي يحسن الإستماع وأخذ العبرة . الثالث : موسى ، هو الرمز الذي يخاطب به الله أصفياءَه الذين اختاروا الهجرة من دنياهم ومن أبدانهم ومن أنفسهم إليه سبحانه وتعالى عما يشركون .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لإهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى . سورة طه الآية10 } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          النار في المتعارف ، أنها كذلك رمز وعلامة ، يوقدها في الليالي الباردة والمظلمة أهل الجود والكرم للأضياف وللمسافرين الذين بعدت بهم الشقة عن أهلهم وأوطانهم وللتائهين كذلك في البوادي والقفار . فهي النداء الذي يشفي ويكفي من وحشة الليل وأخطاره ومشقات السفر ، فيجدون عندها الأنس والراحة والكرم وحسن الضيافة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والنار التي في الآية كناية عن هذه ، وإنما التي في الآية ينصبها الله للمسافرين إليه ، ويهديهم بها وإليها ، حيث يجـدون أكرم الأكرمين وأجود الأجودين وأرحم الراحمين . أما كيف يريهم إياها ، فبالقلوب والبصائر ، نوراً بعد نـور ، ثم نوراً على نور .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والأهل , في قوله تعالى : { فَقَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا } هم الأهل في الظاهر ، أي الزوجة وأهل البيت عامة ، أما الرمز فهو في قوله { امْكُثُوا } وهي ، أي الكلمـة في اللغة ، ليست بمعنى أقعدوا أو أقيموا ، وإنما فيها معنى التلبث والتحوُّل والإصطبار . ودائماً ، عندما يعزم الرجل على الهجرة إلى الله تبارك وتعالى ، تحصل ردود فعل من قبل أهله لا بدَّ منها . فالرجل ضمن تغيراته عامةً النفسية والعقلية والمسلكية ، يبدأ بالإنصراف تدريجياً عن الدنيا ومعظم شؤونها التي كانت شغله الشاغل ، وفي توجهه لربه عز شأنه ، تصبح حيثيات التعامل عنده والإهتمامات الصغيرة ، تافهة ، والأهل إذ يلمسون هذه التغيرات ، ولا يستطيعون إدراك كلية الحقيقـة التي أخذ فيها الرجل ، يبدأون بالتساؤل ، والتعليق ، والنقد ، إلى أن يدركوا تصميمه النهائي ، وهو أنه اختار ربَّه تبارك وتعالى على الدنيا وجميع ما فيها ، وأصبح هو سبحانه همه الأعظم وحبه الأعظم . فالأهل عندئذ يبتلون بإحدى حالتين إما إيجابية وإما سلبية ، فإذا اختاروا الحالة الإيجابية ، نجحوا ونجوا معه ، وتعاونوا على البر والتقوى ، بل وتنافسوا في حب الله تبارك وتعالى وفي طاعته . أما إذا كانوا في نظرتهم إليه سلبيين ، كانوا عند الله جلت عظمته من الخاسرين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما بقية الآية ، قوله تعالى : { إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى } فالرمز فيها هو وعده لأهله إذ يحاول دعوتهم وإفهامهم الحقيقة التي صار إليها ، وخلاصتها دعوتهم إلى الله ، { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ . سورة فصلت الآية 33 } فإذاً الرمز فيها وعد أهله إذا هم تفهموا وأطاعوا بنجاتهم من الشرك الظاهر والشرك الخفي وسعادة الدارين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما قولـه تبـارك وتعالى : { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَامُوسَى . إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ .. سورة طه الآية 11 } فقوله تعالى : { نُودِي } ظاهرها النداء الذي هو برفع الصوت عادةً . قيل إن إعرابياً سأل رسول الله محمّداً (ص) يا رسول الله ربنا بعيد فنناديه أم قريب فنناجيه ؟ فسكت محمّد (ص) ونزلت الآية الكريمة : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي .. سورة البقرة الآية 186 } أي هي المناجاة  لله تبارك وتعالى ، وليست المناداة . وحيث أن الله سبحانه أخبر أنه أقرب للإنسان من حبل وريده ، هذا من جهة ، ومن جهة ثانية ، هو سبحانه أقرب للعبد الصالح حيث يكون العبد في مقام القرب من ربه عز وجل ، فإذاً لا ضرورة ولا حاجة للنداء برفع الصوت ، ولذلك ، فكلمة { نُودِي } في الآية الكريمة ، مشتقة من نادى التي تفيد المشاركة وهي حديث أهل النادي ، حيث يكونون قريبين من بعضهم ، وعادة يكون فيه الود والتصافي .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { نُودِي يَامُوسَى . إِنِّي أَنَا رَبُّكَ } لا بدَّ أن يكون الله تبارك وتعالى قد تولىَّ موسى أو العبد الصالح برعايته وعنايته فترة من الزمن تمرُّ فيها نفس العبد الصالح بتجليات رموز قول الله تبارك وتعالى : { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأََرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . سورة النور الآية 35 } . وقد شرحنا رموزها في كتابنا &#8221; مفتاح المعرفة &#8221; الجزء الأول .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          حتى إذا أصبحت نفس العبد الصالح كأنها كوكب دريٌّ في صفاء نوره وقوة إشعاعه ، ونقائه كلياً من أدنى شائبة تعكِّر صفو التوحيد وصدق التوحيد ، أدخلها سبحانه في طمطام يم وحدانيته ، حيث تصبح صالحة للسماع ووعي ما يريده الله منها جلَّت عظمته .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقوله تعالى { إِنِّي أَنَا رَبُّكَ } والعبد الصالح في الحال الذي ذكرت يغيب عن حدود بدنه وعن حدود نفسه ، وليس إلا خضم النور الذي تضمحلُّ دونه الأكوان .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          تستذكر هذا الدعاء وهذا النداء : &#8221; يا من أنوار قدسه لأبصار محبيه رائقة ، وسبحات وجهه لقلوب عارفيه شائقة &#8221; تستذكر هذه المعاني ، إذ ترى هذه الأنوار وترى فيها نفسك بلا تحديد وبلا حدود : نور من نفس هذا النور في نفس هذا النور اللانهائي بحراً أو يمّاً أو خضماً . أيُّ حجاب هذا الذي نودي موسى أو ينادى من خلاله العبد الصالح : { إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ } وما هما هذان النعلان اللذان يؤمر العبد الصالح بخلعهما في هذه المرحلة النورانية الرائقة في بطنان الخضم ، المتألقة المشعَّة الوهاجة ببريق ٍ فضي يكاد يخطف الأبصار في لانهائياته ؟ .</span></p>
<h2 dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>ماذا قيل في النعلين :</strong></span></h2>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          قيل في النعلين ، أن تأويلهما الدنيا والآخرة ، قالها ابن عربي وربما غيره من المتصوفين وبعض السالكين من أهل العرفان . والحقيقة ليست كذلك ، لأن الإنخلاع من الدنيا والآخرة هو براءَة من الله جلَّت عظمته . إذ يستحيل على الإنسان أن يخلع الزمان والمكان ، حتى أن ينخلع من النور إذا تحوَّل إلى حالة نورانية . الله وحده فوق الزمان والمكان يغمرهما .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          صحيح أن بعض الربانيين أو المتألهين ، يعبرون عن حبهم لله جل وعلا ، وعن شوقهم إليه ، وعن ولههم به وتعلقهم بمحبته سبحانه ، بعبارات تنم عن استغنائهم بذاته  عن الدنيا والآخرة ، وعن مغرياتهما ، وعما فيهما من عناصر  الجذب بين مال ٍ وجمال ومتع ٍ مشروعة ، وحتى عن زهدهم بعطاءات الآخرة  رغم إغراءاتها وعظائم ما فيها من الوعود الجميلة الجليلة . وذلك لأن الله تبارك وتعالى عندهم أحب وأجل وأجمل وأعظم بلا قياس . بحيث تصغر مع محبته كل جمالات الوجود وعظائمه ، وهذه حقيقة لا مراء فيها ولا جدال . إلا أن الإنسان مهما فني عشقا ً وذاب حباً بالله سبحانه ، فإنه يبقى غير الله ، سواء تحوَّل إلى نور خالص أو استمر من لحم ودم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وهذه أبيات لرابعة العدوية نذكرها كنمط عن التعبير عن الحب الإلـهي ، ورابعة هذه ، رضوان الله عليها ، اشتهرت بعفتها وصلاحها ، وانقطاعها عن الدنيا وتفرغها لعبادة الله وفهم توحيده من خلال التفكر والتأمل وتدبر القرآن الكريم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">قالت :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">عرفت الهوى مذ عرفت هواك              وأغلقت  قلبي على من عداكا</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وقمـت أناجيـك يا  من ترى                 خفايا   القلوب  ولسنا   نراكا</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">أحبـك حبيـن حـب  الهوى                   وحبـا ً لأنـك  أهـل  لذاكا</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">فأما الذي هـو حـب  الهوى        فشغلـي  بذكرك  عمن سواكا</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وأما الذي  أنـت أهـل  لـه          فكشفـك  للحجب حتى  أراكا</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">فلا الحمد  في ذا ولا  ذاك لي               ولكن  لك الحمد في ذا  وذاكا</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وقلنا من قصيدة ، هذه الأبيات <sup>(*) </sup>:</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">لكنما الروح في أشـواقها  لغـةٌٌ </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">                                                حبَّابة ٌ فوقَ  هذا  العـالم ِ  الخَرِبِ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">لـهمَّ حبُّك  لولاهُ  سقطـتُ على  </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">                                                حضارة ٍ  بُنِيتْ    للنـار ِ والحَطَبِ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">به  نَجَوْتُ ومثل  النسر طائـرةٌ   </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">سفينتـي  فوقَ  أمواج ٍ منَ   اللَّهَبِ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">مُذْ شَفَّ  قلبي أعلاني إلى أفـقٍ   </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">أبهى منَ المشتهى في  سابع الحجبِ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">أقفلتُ قلبيَ ما أبغي  سواكَ بـهِ   </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">أُنْساً ، ولا ليَ  في الدارين من أربِ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">الحبُّ أنتَ ، وإذ حدَّقْتُ في كبدي   </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">       ترقـرق النور بين  الهُدْبِ  والهُدُبِ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ورَاحَ يُتـْرِعُ روحي فانثنيتُ  بهِ   </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">       نشوانَ كالعِطرِ حولَ الزنبقِ الرَّطِبِ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ريـَّان كالنهرِ والوديـانُ تسْمَعُهُ   </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">       موَّالَ حُبٍّ  يرودُ  اللهَ  عن  كَثـَبِ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">                             *********************</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong><sup>(*) </sup></strong><strong>         ديوان النهر . من قصيدة : الله حب هو المرسل . </strong></span></p>
<h2 dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>الحزن بين الخاصة والعامة : </strong></span></h2>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">        <span style="font-size: 12pt;">  ونعود إلى قوله تعالى : <strong> { فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ } </strong> لنقرر بهداية من الله سبحانه ، أن المقصود بهما الحزن والغضب . ولقد ثبت بعد التحقق من مجمل آيات القرآن الكريم ، أن هناك إشارات فيه كثيرات ، تدل عن النهي عن الحزن للواصلين ، وليس للسالكين . وليس حزن يعقوب على ولده يوسف عليهما السلام ، دعوة من الله إلى الحزن ، وليس من الواجب اتخاذه قدوة ، بل لعلَّ العكس هو الصحيح ، ولقد ذكرنا في مكان آخر ، البديل الأوْلىَ من الحزن والأحب إلى الله ، هو التسليم له سبحانه وحسن التوكل عليه ، ولا سيما بعد المقدمات التي كان خليقا ً بيعقوب (ع) أن يعتمدها <sup>(*)</sup> ، من مثل الرؤيا التي فيها وعد من الله واضح بجمعه بأولاده كلهم ، ثم سُجودهم كلهم لله بحضرة يوسف . وكان هو صدَّقها ووصَّى يوسف بصددها ما أوصاه .</span></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          القرآن الكريم يدعو في عمقه إلى الفرح ، الله يدعو أنبياءَه وأولياءَه وعارفيه إلى الفرح ، أن يكون الله في قلوبهم ، يعني أن تكون قلوبهم غير حزينة ، حيث يكون الله يكون المجد والحب والفرح .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">      أقصى ما في القرآن الكريم بين الحزن والفرح آية واحدة ، هي آية التوازن أو الإعتدال ، قوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأََرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ .</strong> سورة الحديد الآيات ( 22 ـ 23 <strong>) </strong><strong>} .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فقوله تبارك وتعالى <strong>{ لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ }</strong> فيه نهي عن الأسى وهو الحزن ونهي عن الفرح الذي هو البطر في حالة تجاوز حدوده .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والحزن لون من ألوان الشقاء ، وقد نهى الله سبحانه عنه بوضوح في قوله تبارك وتعالى : <strong>{ طه . مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى . </strong>سورة طه الآيات <strong>(</strong><strong>1 </strong>ـ 2 <strong>) </strong><strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><sup>(*)</sup><strong>         أنظر كتابنا &#8221; مفتاح المعرفة للدخول في عالم العرفان الإسلامي&#8221;</strong> <strong>الجزء الأول  .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولقد نهى الله ورسوله وعامة المؤمنين عن الحزن في  آيات عديدات نذكر منها ما يؤكد هذه الحقيقة . قوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ .. وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ . </strong>سورة النحل الآية 127<strong>}</strong><strong> .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وقوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ .. فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ .. . </strong>سورة طه ألاية 40<strong> } </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وقوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>{ وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ . </strong>سورة العنكبوت الآيـة 33 <strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وقوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>{ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . </strong>سورة آل عمران الآية 139<strong> } </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وقوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>{ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ . </strong>سورة الأنعام الآية 33 <strong>}</strong> <strong>.</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>{ وَمَنْ كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . </strong>سورة لقمان الآية 23<strong> } </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وأختم هذه الإشارات الواضحة بقوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>{ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ . </strong>سورة فصلت الآيـات ( 30 ـ 31 <strong>) </strong><strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وفي القرآن الكريم ، إضافة على النهي عن الحزن ، حضٌّ على الفـرح وندب إليه ، وشرطه أن يكون فرحاً بالحق ، فرحاً بالله وبكلام الله وبكتاب الله ، وبكل ما هو مرضي ومقبول عند الله تبارك وتعالى ، من مثل نصره وآلائه وأنعامه وبشائره ووعوده ، ما يتحقق منها  على الأرض وفي الحياة الدنيا ، وما هو متوقع مرجوٌّ في الآخرة . قوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ . قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ . </strong>سورة يونس الآيات ( 57 ـ 58 ) <strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما الفرح بلا إيمان ، والفرح  بلا تقـوى ، والفـرح بلا وقار ، والفرح بغير التعبُّد والشكر لله جلَّت عظمته ، هو فرح بغير الحق ، وهذا الفرح هو شأن المغنين والراقصين واللاعبين والماجنين ومشاهديهم والمستمعين إليهم ، هذا فضلاً عن الفاحشين والفاحشات على أعلى مستويات الإعلام في بلادنا وفي العالم ، وذلك بين الشـارع والتلفاز ، والفيديو وعامة بؤر وأجهزة الرذيلة . هؤلاء ، هذه الجماهير الغفيرة ، هي إلى الجحيم ، وهذا وعيد الله لهم :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأََرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ . ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ . </strong>سورة غافر الآيات ( 75 ـ 76 ) <strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما أن النبيّ محمّداً (ص) بكى لموت ولده إبراهيم ، فهذا أمر طبيعي وبديهي ، وهو كان حزناً لساعته ، أو ليومه ، أو في أقصى الأحوال لبضعة أيام معدودات . ولكن غير الطبيعي أن يتخذ حزن النبيّ (ص) ذريعة لحزن طويل ، يصحبه أذى النفس وأذى للآخرين في أسرة الفاقد أو في المجتمع ، فضلاً عن أنَّ الحزن الطويل ، قد يكون إثماً ، لما فيه من معاني عدم الثقة بالله وعم التسليم لقضائه وعدم الرضى بحكمه ، ولو كان كل ذلك بشكل غير مقصود . هذا من جهة ، ومن جهة ثانية  لوصايا الله تبارك وتعالى بعدم الحزن ـ كما أشرنا في الآيات الآنفة .</span></p>
<h2 dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>بين أبطال كربلاء وأبطال مؤتة :</strong></span></h2>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما موقف الحسين عليه السلام في كربلاء ، أو جملة مواقفه الشريفة ، فإن إظهاره الأسى والأسف فيها ، وبعض الحزن ، فكان  ذلك دائماً لإلقاء الحجة على الآخرين ، وللإعتبار ، ولإلقاء الدروس المشرقة على أهل الظاهر . أما حقيقة الحسين عليه السلام ، وحقيقة قلبه ومشاعره ، فكانت السعادة بقرب لقاء ربِّه عزَّ وعلا ، ولقاء جده محمّد (ص) وأبيه علي وأمه فاطمة عليهما السلام وجميع الأحبة من أنصار الله وأحبائه الذين سبقوه إلى جوار الله والنعيم المقيم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والإمام جعفر الصادق سلام الله عليه ، ليس أدرى من جده الحسين (ع) ، حيث يقول الصادق في تفسيره آية { قَالُوا لاَ ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ . سورة الشعراء الآية 50 } : من أحسَّ بالبلاء في المحبة لم يكن محباً ( أي لله عز وجل ) ، بل من شاهد البلاء فيه لم يكن محباً . بل من لم يتلذذ بالبلاء في المحبة لم يكن محباً . ألا ترى السَّحرة لما وردت عليهم شواهد أوائل المحبة كيف زالت عنهم حظوظهم ، وهان عليهم بذل أرواحهم في مشاهدة محبوبهم فقالوا : &#8221; لا ضير &#8221; .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقال عليه السلام ، في تفسير الآية : { .. كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ . سورة الشعراء الآية 62 }  قال : من كان في رعاية الحق وكلايته لا يؤثر عليه شيء من الأسباب ، ولا يهوله مخوفات الموارد لأنه  في وقاية الحق وقبضته . ومن كان في المشاهدة والحضرة كيف يؤثر  عليه ما منه يصدر وإليه يرد ؟ ألا ترى كيف حكى الله تعالى عن الكليـم  قولـه :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">{ .. إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومن الأدلة المادية على سعادة الحسين عليه السلام باستشهاده بين يدي الله عز وجل ، وبكل البلاءات التي شهدها ، والتي تصورها عن أهله وذويه بعد مصرعـه الشريف ، حيث هم في رعاية الله وكلاءته ، وفي حضرته وتدبيره ، ليجعل منهم للعالمين أبلغ عبرة ، وأرقى مدرسة فداءٍ وبطولة في تاريخ البشرية . قلنا من أبلغ الأدلة على سعادة الحسين (ع) وسعادة المستشهدين معه يوم كربلاء ، هو موقف أحد الأبطال من أتباعه وتلاميذه : برير الهمذاني .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          إذ ورد في السيرة الصحيحة ، أن بريراً كان واقفاً قرب زميل له من الأبطال أتباع الحسين (ع) ، المنتظرين دورهم في القتال والمبارزة ، وكانت المعركة دائرة في ذروتها ، بين الحسين عليه السلام وأنصاره على قِّلتهم من جهة ، وبين الكفرة الفجرة أعدائهم على كثرتهم الكاثرة من جهة أخرى ، وعلى ساح المعركة رؤوس تطيح وسيوف تقطر دماً وأيدٍ وأرجل تتقطع ، وصهيل خيل ، وعجيج وضجيج ، وإذا برير يغمز بيده جنب صاحبه ويمازحه ويضاحكه ، وصاحبه يقول : يا برير ماذا جرى لك والساعة ساعة جِدّ ، انظر واتق الله ، قال برير : سبحان الله والحمد لله ، وما همّ ؟ ونحن في عين الله وفي سبيله ، وما هي إلاّ ساعة نجاهد بها هؤلاء الكفار بسيوفنا ونَقتل منهم ثم نُقتل ، ثم نعانق الحور العين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          الحسين عليه السلام أولى بهذه المعاني العالية ، والمشاعر السامية ، وتفهم الحقيقة الناصعة ، من برير الهمذاني رضوان الله عليه ، فهو أستاذه وإمامه ، وإنما تعلم برير هذا الشرف ، وهذه الشجاعة النادرة ، والثبات أمام الموت ، والسعادة بالشهادة المرتقبة من إمامه العظيم ، سيد شباب أهل الجنة ، الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          في معركة &#8221; أُحد &#8221; ، في بدايتها ، رسول الله (ص) امتشق سيفاً أمام ثّلَّة من أبطال المسلمين وقال ـ يحرضهم على القتال ـ من يأخذ ها السيف بحقِّه ؟ فاندفع الرجال كل يقول : أنا يا رسول الله .. إلاَّ رجل مُعْلَم بعصابة حمراء حول رأسه ، قال وما حقه يا رسول الله ، قال (ص) : أن تضرب به حتى يلتوي . قال أنا لها يا رسول الله . فأخذه وشهره ، وأخذ يمشي به ويتبختر ، والتبختر أبلغ من الخيـلاء . قال من كان من المسلمين ، يا رسول الله ، انظر إلى أبي دجانة ـ وهي كنية الرجل ـ إنه يمشي مشية يبغضها الله ورسوله كما قلت عن مشية الخيلاء . قال (ص) : &#8221; إلاَّ في هذا الموقف &#8221; . أي موقف تحدي أعداء الله وإظهار البأس والقوة وشجاعة الأبطال .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وأبلى أبو دجانة ، كما هو مشهور ، بلاءً حسناً في أُحد .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          لو لم يكن أبو دجانة ، سعيداً بمواجهة الموت وقتال أعداء الله ، ما كان صدر منه ما صدر ، من صورة المقاتل السعيد بلقاء ربه ، وقد ملأ حب الله والنخوة برديه .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وفي سيرة ابن هشام ، أن رسول الله (ص) ارسل سرية لقتال الروم في مؤتة ، وهي ناحية من نواحي الاردن . وأَمَّر على السرية مولاه زيداً ، وأوصى أنه إن استشهد فالأمير جعفر بن أبي طالب ، فإن استشهد فالأمير عبد الله بن رواحة ، شديد الحب كان لرسول الله (ص) بطلاً وشاعراً .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وصل المسلمون إلى مؤتة ، ووصلت نجدات إلى عسكر الروم تفوق المائة ألف جندي ، ووجد المسلمون أنفسهم ضمن خضم من الأعداء يفوقونهم أضعافاً مضاعفة عدة وعددا . وإذ فوجىء المسلمون بذلك ، تشاور القادة ، بين أن يتراجعوا منسحبين ، وبين أن يبادروا القتال غير المتكافىء . فقرروا القتال على قاعدة إحدى الحسنيين : النصر أو الشهادة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فاستشهد زيد ، وأخذ الراية جعفر ، فاستشهد وأخذ الراية عبد الله ، فاستشهد ، فانسحب ببقية العسكر خالد بن الوليد &#8230;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ما دعانا إلى تذكار هذه الوقعة ، أثران تركهما لنا جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة ، كل موقف منهما ، أو كل أثر ، يشكل في الحقيقة قيمة عالية في علم النفس ، ومعرفة حقائق ما تنطوي عليه الصدور المؤمنة  من فروق ٍ بين درجات اليقين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فأما الأثر الأول الذي تركه جعفر ، فبيتان من الشعر ، ارتجز بهما قبل الإندفاع إلى المعركة التي فيها الشهادة شبه المحتمة . قال :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">   ما أجمـل الجنـة واقترابها               طيبـة وسائـغ شرابها</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">   والروم روم قطِّعت أصلابها            عليَّ إن لاقيتها ضرابها</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          واضحٌ لناقد الشعر المختص ، أنه ليس في البيتين شاعرية شاعر ، فجعفر بن أبي طالب لم يكن شاعراً كعبد الله بن رواحة . وإنما كان عليه أن يقول شيئاً بحكم عادة الأبطال المميزين ، قبل المبارزة أو الإنخراط في المعركة . وإنما في البيتين أولاً ، المضمون ، وهو يعبِّر عن الشوق إلى الجنة ونعيمها من جهة ، ومن جهة ثانية  وهو الأهم في مثل هذا الموقف ، هو استبشاره باقترابها ، يعني باقتراب استشهاده ، وعميق اعتقاده أنه بالشهادة يدخل الجنة . وفي وصفها المختصر ـ لضيق الوقت ودقة الموقف ـ ( طيبة وسائغ شرابها ) دلالة على حنين مستبطن إليها . ثم  يعلن عداءَه لهؤلاء الروم ، الذين هم أعلنوا عداءَهم لرسول الله (ص) وللدين المجيد . ثانياً ، في الشكل ، فجعفـر رضوان الله عليه ، اختار ـ وطبعا بغير قصد ـ بحراً من بحور الشعر ، يجري في أذن السامع كجدول ماءٍ عذب ، وهو الأكثر انسياباً في وقعه وتفعيلاته ، وحتى في القافية المرتاحة . فالمضمون كما قلنا ، يدل على شوق إلى الجنة وحنين ، والشكل ينم عن حالة نفسية هادئة هانئة فيما تصبو إليه من لقـاء الله عز وجل ، غير مترددة ، ولا أثر فيها للخوف أو الجزع ، واضحة عندها الطريق والنهاية الجميلة المشرفة ، إلاَّ غضباً في البيت الثاني ، في ثناياه ، من الطبيعي جداً أنه غضب لله على أعداء الله . وفوق ذلك كله ، قيل في استشهاد جعفر ، كما نقل لنا التاريخ  المحقق ، أقوال ، لا ينتهي عندها الإعجاب بتلك البطولة الفذَّة ، ورباطة الجأش والبسالة في أعلى مستوياتها . فقد قيل إنه ضرب على يمينه ، فأخذ الراية بيساره ، حتى لا ينهزم من خلفه ممن يقود من المسلمين ، ثم قطعت يساره بضربة ، فاعتنق الراية بكلتا اليدين المقطوعتين ، حتى طعن ، فتلقف الراية عبد الله بن رواحة . عندما حدِّث رسول الله (ص) بحديث جعفر قال : : أبدل الله جعفراً بجناحين يطير بهما في الجنة ، أو كما قال (ص) . فعرف جعفر بن أبي الطالب في التاريخ فيما بعد بجعفر ذي الجناحين ، أو بجعفر الطيار .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما عبد الله بن رواحة ، ذلك البطل الشاعر ، والصحابي المرموق ، المميز بصدقه وصراحته ، وصفاءِ شعره وصدق مواقفه ، فقد أخذ الراية ثم تراجع قليلا إلى فسحة في الميدان ، ليرتجز ، وليحفظ المقاتلون من حوله أرجوزته وينقلوها إلينا صافية بكامل صدقها وعميق دلالاتها . قال :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أقسمـتُ يا نفسُ لَتنزلِنَّـهْ                      لَتنزِلِــنَّ  أو لَتُرْغَمِنَّـهْ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ما لي أراكِ تكرهينَ الجنَّةْ                  قد طالما قد  كنتِ مُطمئِنَّهْ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">  ما أنتِ إلاَّ نُطْفـَةٌ في شِنَّـهْ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">فأولاً ، في المضمون : عبد الله يخاطب نفسه ، يقسم عليها أن تنزل في المعركة الطاحنة ، التي قضت أمام عينيه على كبيرين في القادة ، شهيرين في البطولة ، ويبدو أن نفسه لا تطاوعه ، فهي ترى الهول والدماء ، وكثرة عدد الأعداء ، والنجدات التي ترفدهم . ثم باختصار شديد ، هو الموت الأحمر ، فنفسه تمانع ، ولكن هو حرَّض قومه في البداية على الثبات وعدم الإنسحاب كما ذكرت السيرة ، فما به الآن يتردد ؟ لا ! ( لتنزلِنَّ أو لترغمنَّه ) هو مع نفسه في صراع أي صراع ، وجدال صعب أي جدال ، يعاتبها عتاباً مريراً : ( ما لي أراك تكرهين الجنة ) هو على يقين كذلك بالجنة والنعيم في جوار رب العالمين ، ولكن نفسه ما زالت نزاعة إلى الدنيا ، يتابع عتابها ، هنا الوعي يعمل بسرعة مذهلة ، ثبت ذلك في الأخبار ، وثبت في التجربة ، وثبت علمياً ، أنه في ساعات الهول والرعب والفزع ، يستحضر الإنسان في لحظة أو لحظات ، تقارير مطوَّلة مفصلة عن نفسه وعن تاريخـه ، وإذا تكلم ، فبكلمات قليلة جداً ، يستحضر معاني ومواقف طويلة جداً . هكذا ، أرجوزة عبد الله بن رواحة ، تستعرض الواقع والمستقبل ، ولا يفوتها الماضي ، يقول لنفسه  مستمراً بالعتاب المرير : ( قد طالما قد كنتِ مطمئنة ) أي أخذت قسطك كفاية من الدنيا والراحة فيها والإطمئنان ، وهذا وقت الجد ، أعلى درجات الجد ، بذل النفس في سبيل الله ، وكما قيل : الجود بالنفس أقصى غاية الجودِ . هذا المعنى هو في أعماق عبد الله بن رواحة . ثم شتم نفسه أهانها ، انتصر عليها : ( ما أنت إلاّ نطفة في شِنَّه ) أي في شن وإلهاء هنا في القافية هي هاء السكت . والشن هو السقاء البالي . حسم أمره وحزم قوَّته ، ثم اندفع في أتون المعركة ، وظل يقاتل حتى أبلى البلاء الحسن ، ثم استشهد تحت ضربات السيوف وطعن الرماح . راضياً كذلك ، فرحاً بما صار إليه من صدق العزيمة وشرف القرار .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          موقف عبد الله بن رواحة ، هو لون آخر من ألوان البطولة الفذة الفخمة ، فبعد أن ترك للعالم ، خارطة واضحة المعالم لحالته النفسية ، وصراعه معها ، توَّج ذلك كله بالوصول إلى الهدف النبيل ، إلى أقصى الغاية ، وهل هناك هدف أو غاية أعلى من مقعد صدق ٍ عند مليك مقتدر ، عند الله تبارك وتعالى ، ومخلداً في النعيم المقيم مع الأنبياء والصديقين والشهداء . المهم في النتيجة ، هو الإنتصار على النفس ، فالإنتصار عليها هو الخطوة الأولى الصادقة ، لمتابعة الإنتصارات في الحياة العامة ، ولا سيما في المواقف الصعبة وأقصاها بذل هذه النفس رخيصة بين يدي عزة الله ، وهو بعد ذلك البديل الأعظم والأكرم والأرحم ، وبلا قياس ، فله سبحانه المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          كلا البطلين كان سعيداً في مواجهة الموت ، ما دام في سبيل الله ، مع فارق ٍ تبين بالمقارنة بين شعريهما . الحسين بن علي عليهما ، كان أكثر إدراكاً للسعادة في سره ، فنفس أبيه علي عليه السلام بين جنبيه ، وهو الذي ساعة ضُرب الضربة القاتلة بسيف ابن ملجم قال : فزتُ ورب الكعبة .</span></p>
<h2 dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>بين الغضب المقدََّس وغير المقدَّس :</strong></span></h2>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ونعود إلى قوله تبارك وتعالى : <strong>{ فاخلع نعليك }  </strong>وقد قلنا أن المقصود بهما الحزن والغضب والله العالم . وكما تحدثنا عن الحزن انطلاقاً من القرآن الكريم مدعمين الآيات بأمثلة من تاريخ أنصار الله الأبطال ، الأصفياء والأولياء . كذلك وبنفس هذه المنهجية نتحدث عن الغضب ، لأنها الأعلى في الموازين والمعايير .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          قبل أن أشير إلى الآيات التي تنهي عن الغضب أو الغيظ أو التجبر ، وهي معان ٍ متقاربة ، ينبغي أن أفصل بين الغضب المقدس الذي هو أمر تعبدي ، وهو غضب أنصار الله ومحبيه ، وبين الغضب غير المقدس وهو الذي يضر بصاحبه وقد يعاقب عليه .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما الغضب المقدس ، فهو الغضب لله عز وجل ، ولدينه ولكتابه ولجميع شعائره . والله سبحانه يمنح به قوة غير عادية ، رهنا ً بالمواقف وأنواعها .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومن أمثلته التاريخية ، غضب علي عليه السلام ، واقتحامه الباب الموصد لحصن خيبر ، واقتلاعه من مكانه ، ليتدفق منه جيش المسلمين ، بعد أن كان أعياهم لضخامته وصلابته .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ثم الكلام عنه عليه السلام ، وفي أكثر من موقف ، ولا سيما في ميادين القتال ، إذ كان يغضب لله ، فيكبر ويضرب ، فلا تخيب ضربته . أما إذا غضب لنفسه لسبب أو لآخر ، فإنه كان يحجم عن القتل ، فيسأل عن ذلك فيقول : إنما أقاتل غضبا ً لله وليس غضبا ً لنفسي .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وإذا كان الغضب المقدس ، أي الغضب لله ، مؤيدا ً منه سبحانه فلا بدَّ أن يكون مباركا ً ونافعا ً لصاحبه ، في نفسه وبدنه ونتائجه . وليس كذلك الغضب الشخصي ، أي غضب الإنسان لنفسه ، فقد ورد أن الإنسان إذا غضب لغير الله ، يبدأ غضبه بشرارة  يأخذ الشيطان  بالنفخ عليها حتى تتأجج ، ما لم يكبح الإنسان غضبه ويعقلن موقفه .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولمعالجة الغضب الشخصي طرق . بعضها مستفاد من دين الله سبحانه ، وهذا يؤجر عليه صاحبه في الدنيا والآخرة ، وبعضها مستفاد من رياضات هندية مثل اليوغا ، أو غير هندية ، كبعض التقاليد الشعبية .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما ما هو ديني ، فهو ناجح حتما ً ، وذلك معروف بالتطبيق والتجربة ، وأبرزه استحضار بعض آيات القرآن الكريم ، مثل قوله تعالى : <strong>{ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ</strong> <strong>} </strong>فبمجرد أن يستحضرها ويقولها الإنسان المغضب ، يروَّح عنه ، وتهدأ نفسه ، ومنها قول لا قوة إلاَّ بالله وتكرار ذلك ، أو لا حول ولا قوة إلاَّ بالله ، ومنها الإستغفار ، ومنها أن يقف الإنسان ، إذا كان سائرا ً ، أو يقعد إذا كان واقفا ً ، أو يستلقي إذا كان قاعدا ً ، ومنها أن يمسَّ رحما ً من أرحامه ، إلى غير ذلك من أسباب اللجوء إلى الله تبارك وتعالى .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولعله غني عن القول ، الحديث عن مدى أضرار الغضب ، سواء في التفاعلات النفسية أو البدنية ، أو في النتائج . فقد تقع الجرائم الخطيرة ، والكبيرة والصغيرة ، من جراء الغضب الذي لا يكبح أو لا يعالج في حينه . وسجلات المحاكم حافلة بالجرائم التي سببها الغضب . هذا ، فضلا ً عما يتركه من آثار على القلب وعامة الجهاز العصبي ، من ندوب وتمزقات ، وفي بعض حالات تفاقمه قد يؤدي إلى الذبحة أو الموت كمدا .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والإنسان الغضوب ، غالباً ما يكون متوتراً ، أميل إلى العبوس والكآبة . مما ينغص علاقاته بجميع من يحتك بهم ، من أسرته إلى المجتمع ، وبالتالي ينغص عليه أمر دنياه وأمر آخرته ، وذلك بما يركم على نفسه من آثار سلبية وآثام صغيرة وكبيرة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وهذه آيات كريمات ، لها صلة وثيقة بهذا الموضوع ؛ قال تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">         </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ . </strong>سورة الشورى الآيتان ( 36 ـ 37 <strong>) </strong><strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وقوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ وَسَ</strong><strong>ـ</strong><strong>ارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ والأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ . وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ . أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ</strong> <strong>رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ.  </strong>سورة آل عمران الآيات ( 133 ـ 136 ) <strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          شرط سبحانه في هذه الآيات لكي تتم مغفرته للمتقين ، شروطا ً ، أولها الإنفاق في سبيل الله على أي حال ، في العسر ما أمكن ، وفي اليسر مع التمكن ، وفي حالي الرضا وخلافه ، وثانيها كظم الغيظ ، وبمعناه لجم الغضب في ترجمة غضبه عمليا ً ، والعفو عمن ؟! عن النـاس ، وهي كلمة فيها إطلاق ، يعني عن جميع الناس على اختلاف أحوالهم ، طبعاً يستثنى الغضب المقدَّس كما أسلفنا . وما دام أمر الله تبارك وتعالى هو بالعفو عن الناس ، فأصبح من الأولى العفو عن الأقربين أرحاماً وإخواناً في الله . أما قوله تعالى : <strong>{ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } </strong>يعني كلما كانت درجة الإنفاق في سراء أو ضراء هي أحسن ، وكلما كانت درجة كظم الغيظ هي أفضل ، وكلما كان العفو عن الناس ولا سيما الأقربين هو بدرجة أعلى ، كان الثواب من الله تبارك وتعالى أجزل وأفضل .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما بقية الآيات ، فواضح فيها فضل الله تبارك وتعالى في توسعة باب التوبة يذكرون الله ويستغفرونه نادمين أشدَّ الندامة على معاصيهم وذنوبهم ، وفي الندامة بكاء ، وفيها تمريغ الوجه على الأرض ذلاً بين يدي الله جلَّت عظمته ، هؤلاء ، وإن لم يغفر لهم الناس إذا اطلعوا على سوء أعمالهم ، والناس غالباً أميل إلى التحكم والتجبر والقسوة ، وبالتالي لعدم الغفران . وشتان بين رحمة الله ورحمة الناس ، ولا قياس .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          كان رسول الله (ص) يوماً يسير في صحابة له ، فشاهد امرأة تحمل طفلاً لها رضيعاً ، فاستوقف القوم وقال : أرأيتم إلى هذه المرأة وطفلها . قالوا نعم يا رسول الله . قال : هل هي ملقية ولدها في النار ؟ قالوا : طبعاً لا  يا رسول الله . قال : فوالذي نفسي بيده ، لله أرحم بعبده المؤمن من هذه المرأة بطفلها .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وكل متكبِّر ٍ متجبِّر ٍ غضوبٌ . وقد ذم سبحانه المتكبرين المتجبرين الذين يجادلون في آيات الله ولا يعملون بها ، وأوعدهم جهنم . قال تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ . </strong>سورة غافر الآية 35 <strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولقد نهى رسوله (ص) عن التجبر وعما فيـه مـن الكبر والغضب . وبنهيه رسوله نهى عن هذه الصفات الذميمة في البشر ، كلَّ مسلم ومسلمة . قال تبارك وتعالى مخاطباً محمّداً (ص) :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ..</strong> . سورة ق الآية 45 <strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          لله وحده الكبرياء في السماوات والأرض  ، وله الجبروت وحده ، ولو أنه سبحانه حمد من تخلق بأخلاق الله ، وأمر الناس بالرحمة والعدل والإحسان والغفران والرفق والعفو عند المقدرة . قال سبحانه :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ . </strong>سورة الحشر الآية 23<strong> } </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والناس بفطرتهم ينكرون على أي إنسان أن يكون جباراً غضوباً لا يرحم . لذلك قال الرجل الوثني لموسى عليه السلام لما غضب لنفسه وللذي من شيعته وأراد أن يبطش به :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ .. إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأََرْضِ .. . </strong>سورة القصص الآية 19<strong> } </strong>فكفَّ موسى عليه السلام عن غضبه ، واعتذر واستغفر ، فكان نموذجاً صالحاً وقدوة حسنة لكل من تنفعه الذكرى ولمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . قوله تعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ . وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأََرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ . فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ . وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ . وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ . يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ .  إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ . يَوْمَ تَشَقَّقُ الأََرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ . نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ . </strong>سورة ق الآيات ( 37 ـ 45 <strong>) </strong><strong>}</strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          يبقى أن نذكر أنه من غضب  لقيمة أو لمنقبة أو لشيمـة من الشيم من مثل كرامة الإنسان أو عرضه أو ملكه ، فقد غضب لله ، لأن هذه الأمور وشبيهاتها ، هي مما حفظه الله لعباده وأمر بالحفاظ عليه كحقوق شرعية مقدَّسة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والحقيقة أن الله تعالى أمر بالحلم لأنه نقيض الغضب ، وحبَّب الحلم وكـرَّه الغضب . قال سبحانه يثني على نبيّه ورسوله إبراهيم عليه السلام :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ . </strong>سورة هود الآية 75 <strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>          </strong>وقال سبحانه واصفاً الغلام الذي وعدهُ به بعد عمره الطويل وصبره الجميل ، بأنه غلام حليم ، مما يشعر بأن هذه الصفة هي من أعلى المناقب التي يتفرع منها الكثير من الصفات العالية والمكرمات ، على أن كلمة &#8221; <strong>حليم</strong> &#8221; هي من جهة ضد الغضب وهي في نفس الوقت ـ ما دامت كذلك ـ فهي تعني العقل والذكاء . قال تعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ . </strong>سورة الصافات الآية 101 <strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ورغم أن الحلم منقبة عالية كما أسلفنا ، إلا أنه في مواجهة ما يمسُّ حقوق الله الذاتية أو حقوق عباده الشخصية ، فجدير بالحلم أن ينقلب إلى غضب مقدس . وفي رأس حقوق العباد متداخلة في حق الله جلَّت عظمته ، حق الأمة ، حقها في الحفاظ عليها ، في إعلاء شأنها ، وفي حفظ دستورها القرآن والعمل به ، وفي نصرتها وقتال أعدائها بالغالي والنفيس .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          كانت بين عليّ عليه السلام وبين معاوية ، خلافات تاريخية ليس أكبر منها حجماً بمقياس ما بين الحق والباطل ، فنكـل معاوية وغـدر وخـان ، وأعدَّ لحرب علي (ع) فوجد عليٌّ (ع) نفسه مكرهاً مضطراً يُعدُّ بالمقابل لحربه . وفي هذه الأثنـاء ، وردت أخبار ، أن ملك الروم ، يُعدُّ كذلك لغزو المسلمين في بلادهم فقال  علي (ع) وهو في العراق ، وملك الروم يريد بلاد الشام حيث معاوية . قال عليه السلام ، والله لوصدق الخبر ، وصدق ابن الأصفر ، لوضعت يدي في يد معاوية ، لنقاتله جميعاً ، وإلاَّ توجهت بجيشي وحدي لقتاله . هذه غضبة لله مقدسة ، على مستوى الأمة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">عندما نزلت آيات أول سورة النور ، وفيها :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِين . وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ . </strong>سورة النور الآيات ( 6 ـ 7 ) <strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وتلا رسول الله (ص) الآيات ، وفي مجلسه صحابة وفيهم الأحنف بن قيس ، وكان مشهوراً بالعقل والحلم ، وكان يقصده شيـوخ القبائل في الجاهلية ، يتعلمون الحلم منه ، حتى بعث محمَّد (ص) فكان سيد الحلماء . ومع ذلك ظل العرب يضربون المثل بحلم الأحنف . قال أبو تمام يمدح المعتصم :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">لك حكم لقمان وصورة يوسف   في حلم أحنف في ذكاء إياسِ .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فهذا الأحنف الأستاذ في حلمه . لما سمع الآيات ، التي فيها لزوم الإشهاد على الزوجة إذا كانت تزني ، ولا شهود غير الزوج : قال وقد غضب  : والله يا رسول الله لو رأيتهما بعينيَّ هاتين ، لقطَّعتهما بسيفي هذا إربا . فضجَّ المسلمون في المجلس : أتعترض على رسول الله وآيات الله . فأسكتهم محمّد (ص) وقال : أرأيتم إلى الأحنف ، فوالذي نفسي بيده ، إني لأشد غيرة من الأحنف ، والله عز وجل أشد غيرة مني ومن الأحنف على نساء المسلمين . وإنما في فهمكم للآيتين لبس . أو كما قال . وشرح لهم الأمر ، وموجزة أنه قد يلجأ أزواج من الرجال مرضى في شرفهم وقلوبهم وأخلاقهم ويتهمون أزواجاً لهم افتراءً عليهن وظلما . فيكون المخرج الشرعي الرائع في هكذا حال : الملاعنة كما حكم الله وأنزل وهو خير الحاكمين . أما ما قصده الأحنف فهو أن يراهما حقيقة بعينه فهذا شأن آخر، ويؤخذ فيه في الشريعة ـ بعد التحقق من صدقه ـ بأحكام أخر، ينصف فيها الزوج الغيور على عرضه .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقبل الخلوص إلى الغاية من قولـه تبـارك وتعالـى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>{ إخلع نعليك } </strong> نذكِّر بأن انتفاء الحزن كلياً من الإنسان في جميع أطواره أمر يكاد يكون مستحيلا . ولو كان الخلاص منه دفعة واحدة ممكناً ، لتخلص من ذلك سيد البشر وأمير الأنبياء محمّد (ص) . ولأنه (ص) لم يستطع ، أوليس بالإمكان التخلص منه دفعياً ، رأينا أن الله تبارك وتعالى يكرر عليه الوصايا بالنهي عنه : <strong>{ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ } { لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } { وَمَنْ كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ .. } { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ ..}</strong> إلى غيرها من الآيات الكريمات .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وكذلك الخلاص من الغضب ، ليس من السهل أن يكون أمراً دفعياً . وإنما الله سبحانه أراد أن يكـون الخلاص منهمـا ـ أي الحزن والغضب ـ كما يبدو ، بالتدريج ، وبالرياضة الروحية ، وجعل ذلك أمراً تعبدياً ، يرجى من ذلك رضاه ووجهه الكريم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وأما الغاية القصوى من أمر الله تبارك وتعالى في قوله :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>{ إخلع نعليك } </strong> فنجدها في أول الآية وفي مجمـل الحكايـة ، ابتداءً من قوله تعالى : <strong>{ هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى } </strong>إلى قولـه : <strong>{ .. فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى } </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما بداية الآية ، فقوله عزَّ وجل مخاطباً موسى ـ الذي سيكون رمزاً فيما بعد ـ: <strong>{</strong> <strong>إِنِّي أَنَا رَبُّكَ } </strong>ومهما قلنا في وقع هذا الخطاب وتأثيره على المخاطب ، ومدى فعلـه فيه ، في نفسه وروحه وعامة كيانه ، فكل لغات الأرض لا تستطيع أن تعبرِّ تعبيراً ولو شبه كامل عن عظمة الموقف وأبعاده في نفس موسى ( الرمز ) وفي روحه وكيانه .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وفي معاني <strong>{ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ } </strong>ما يمكن أن يقال . ففي قوله عز وعلا <strong>{ أنِّي أنَا } </strong>أن فيها حصر ، في فقه اللغة ، لا تحتمل اللغة حصراً أقوى منه ، وبماذا ؟ بالربوبيـة . أي <strong>{ أنَا رَبُّكَ } </strong>ولا ربَّ لك غيري في هذا الوجود ، وفوق هذا الوجود ، وحول هذا الوجود . وفيها الإشعار بالعظمة التي ليس فوقها ولا بعدها عظمة <strong>{ إنِّي أنَا رَبُّكَ } </strong>رب الأكوان ورب الخلائق الذي لا إلـه إلاَّ هو . ففي سياق الآية ، في خطابه لموسى (ع) <strong>{ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى . إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي . </strong>سورة طه الآيات ( 13 ـ 14 <strong>) </strong><strong>}</strong> <strong>. </strong>وفيها الإيناس والعطف والرحمة ، وكم كان بحـاجة إلى كل ذلك موسى ، والدليل على ذلك مؤانسته سبحانه له بسؤاله ، <strong>{ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى } </strong>وفيها ما لا ينتهي معه التأمل والتفكير ، بالعظمة والرحمة ، والجبروت والرأفة وبأسمائه الحسنى التي لا تحدُّ ولا تعدّ .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما قوله تعالى : <strong>{ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ } </strong> بعد الذي ذكرناه عن معناهما ، فقد اصبحت واضحة الغاية القصوى من خلعهما ، وهي التهيئة لنيل مقام القرب من الله تبارك وتعالى وعزَّ وعلا . فبخلعهما يغدو كل شيء في الإنسان صافياً طاهراً صالحاً للتلقي ، لتلقي الوحي ، لتلقي الهداية ، لتلقي النور المقدس ، ثم النور الأقدس . ثم &#8230; ثم مقعد صدق في جوار الحبيب الأعظم في جوار الله جل جلاله ، وهنالك الأنبياء والشهداء والصديقون ، وهنالك عليّون وسدرة المنتهى .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>لا يحمل خطابي غيري ولا يجيبني سواي :</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولعلَّ أجمل ما نقل عن موسى (ع) وخطاب الله له ، رواية عن الإمام الصادق عليه السلام ما يلي :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          &#8221; قيل لموسى عليه السلام : كيف عرفت أن النداء هو نداء الحق ؟ فقال : لأنه أفناني وشملني ، وكأنَّ كل شعرة مني كانت مخاطباً من جميع الجهات ، وكأنها تعبِّر عن نفسها بجواب . فلما شملتني أنوار الهيبة ، وأحاطت بي أنوار العزة والجبروت ، علمت أني مخاطب من جهة الحق ، ولما كان أول الخطاب <strong>{ إنِّي } </strong>ثم بعده <strong>{ أنَا } </strong>، علمت أنه ليس لأحد أن يخبر عن نفسه باللفظتين جميعاً متتابعاً إلاَّ الحق . فأُدهشت وكان هو محل الفناء ، فقلت : أنت أنت الذي لم تزل ولا تزال ، ليس لموسى معك مقام ، ولا له جرأة الكلام ، إلاَّ أن تبقيه ببقائك ، وتنعته بنعتك ، فتكون أنت المخاطِب ، والمخاطَب جميعاً . فقال لا يحمل خطابي غيري ، ولا يجيبني سواي ، وأنا المتكلِّم وأنا المكلَّم ، وأنت في الوسط شبح يقع بك محل الخطاب . &#8220;</span></p>
<h2 dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>دفاعاً عن معرفة الله :</strong></span></h2>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          هذه المنهجية التي ذكرناها منذ بداية بحثنا هذا ، في إصلاح النفس وترقيها وارتفاعها عن سفساف الدنيا ومطامعها ، وحتى عن المطامع في الآخرة ، وأن يعرف الإنسانُ الله لذاته ، ويعبده لذاته ويحبه لذاته سبحانه وتعالى عما يشركون . هذه المنهجية لا تخدم &#8221; الأنا &#8221; فحسب ، كما ادَّعى بعض الباحثين <sup>(1)</sup> من الذين كتبوا في علم نفس الفرد وعلم نفس الأمة (؟!) وإن كنا لمسنا في ما نقل عـن  الإمام الصادق عليه السلام  فيما سمـَّاه &#8221; كتابا الصادق : حقائق التفسير القرآني  ومصباح الشريعة &#8221; فوائد جمة ، وكنوزاً من تأويل بعض الآيات المتفرقات ، والخروج بهذا التأويل عن حدِّيَّة الحروف والعبارات . إلاَّ أنه في مقدمة كتابه هذا ، يبدو تارة محكوماً بقوة اعتقاد العرفانيين والصوفيين ، وتارة  يشن عليهم حملات لا هوادة فيها ، متهماً إياهم ، كما أسلفنا ، بالأنانية والرهبانية التي حرَّمها الإسلام حيث أنها تعتزل الناس والمجتمع . ونحن إذ نقدِّم نموذجاً من هجماته ، نذكِّر أننا إذا كنا لم ننقل من إيجابياته ، فلأننا محكومون تجاهه وتجاه أنفسنا بمضمون هذا الدعاء :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          &#8221; اللهمَّ ما كان من خير فهو منك لا حمد لي فيه ، وما عملت من سوء فقد حذرتنيه لا عذر لي فيه ، اللهمَّ إني أعوذ بك أن أتكل على ما لا حمد لي فيه ، أو أن آمن مما لا عذر لي فيه&#8221;.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وعلى هذا الأساس ، هذه عيِّنة مما قاله في الصوفيين وأهل العرفان :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          &#8221; المذهب الصوفي ، في ميدان القيم والجمال والمقدَّس ، مغرق في الذاتانية . وسبق أن شككنا في قدرته على أن يتعمم ، وعلى أن يقود المجتمع والمواطن ، وهو مذهب فرداني ، يدَّعي قدرته على تجاوز القانون الأخلاقي (؟!) والواجب والإلتزام الإجتماعي (؟!) . كما أننا لا نستطيع قبول مذهب في المقدس والجمال والفضيلة أو القيمة يكون تجاوزاً للإجتماعي وللأخلاقيِّ نفسه بحجة أن الإنسان [ الصوفي الفاضل ] يبني لنفسه مجتمعاً أو يشرِّع أخلاقاً وقيماً . &#8220;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ثم يتابع في الفقرة التي بعد هذه ، ويتعرض فيها للفلسفة العرفانية : &#8221; إن في هذه الفلسفـة ما هو مضاد  للمجتمع . &#8221; &#8230; ( الفقرة الثالثة ص 45 ) .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والحقيقة في مقابل هذه الدعوى الظالمة ، نرى أكثر مَنْ كَتَبَ وحقق في تاريخ المعرفة الإلـهية والصوفية ، على أنهما استفادات من القرآن الكريم ، من عباراته وإشاراته وأسراره ، في آيات كثيرات ، بسط معانيها رسول الله محمّد (ص) للعامة ، وأظهر بواطنها لخاصته من أهل بيته وأصحابه ، على أن أكثر أسراره أودعهـا ابن عمه</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><sup>(1)</sup>   انظر افتراءاته في كتابه &#8221; حقائق التفسير القرآني ومصباح الشريعة&#8221;  مؤسسة عز الدين ـ الطبعة  الأولى 1413 هـ ـ 1993 م .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وصهره علياً بن أبي طالب بإرشادٍ وتفضل من الله تبارك وتعالى ، ولا يختلف المسلمون في صحة الحديث ، قوله (ص) : &#8221; أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها &#8221; ولا يكادون يختلفون في قول علي (ع) &#8221; علمني رسول الله من العلم ألف باب ينفتح لي من كل باب ألف باب .&#8221;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وكبار أهل العرفان وكبار الصوفيين . من الصادقين والصديقين ، ينسبون مناهجهم وسلوكهم الروحاني وتواصلهم الفكري ، بعلي بن أبي طالب عليه سلام الله ، تارة مباشرة ، وتارة ، وهو الأرجح ، عبر أبنائه وأحفاده وعامة أهل بيت النبوة عليهم السلام .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وعلى هذا الأساس ، إذا كان علي بن أبي طالب (ع) هو الرمز وهو القدوة للصوفية الحقة ولأهل العرفان الصديقين ، فمن ذا يجرؤ أن يقول أن علياً (ع) كان ذاتياً أو غير قيادي كأشرف وأنبل ما تكون القيادة للأمة وللمجتمع ؟ وهو قـد ملأ الدنيا ، في زمانه ، وشغل الناس ، وما يزال . وكذلك القول  في أولاده الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية ، ولا سيما الحسين (ع) الذي ما زالت مواقفه في كربلاء ، تحرك الدنيا وتحرك الناس ، كلما هجعت الهمم ، واستبيحت الحقوق ، وهيمن الظلم ، واستبد طاغية ، وتغطرس عدو ، فيكفي أن تحدِّث عن الحسين وأهـل بيته وأصحابه ، في آثارهم الكربلائية ، لتلهب مشاعر أهل الإيمان ، وتنفخ فيهم روح النخوة والثورة وصدق العزيمة والتزاحم على الشهادة  في سبيل الله .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ثم الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام ، الذي اخترق المجتمع الظالم الكابي في عهد بني أمية قتلة أبيه ، الذين تنكروا لله عزت عظمته ولكتاب الله المجيد ، وحوَّلوا الخلافة إلى ملك عضوض ، لا يميزه عن جوهر الوثنية والجاهلية إلاَّ الإسم الذي هو الإسلام وشكلياته من أذان وصلاة أفرغوها من قدسيتها وغالباً ما كانوا يؤمون الناس بها مخمورين . فالإمام زين العابدين عليه السلام اخترق هذا الترس الماجن المتكالب على جيف الدنيا ، باسلوب أدبي راقٍ ، مجدِّدا الدعوة إلى الله ، بأبهى حلة من القول ، وأزهى أسلوب ، وأروع مناجاة عرفها تاريخ الدعاء ، منذ مزامير النبي داوود عليه السلام وربما إلى قيام الساعة ، حتى إنه  ليدعى بحق شاعر الله . حيث ترك للأمة الإسلامية ولجميع المؤمنين من شتى الملل ، تراثاً ، أو قل كنوزاً من الدعاء والإبتهال ، مشحونة بالروحانيات ، وبمفهوم التوحيـد الذي جعله محوراً أساساً لجميع أدعيته ومناجاته . مما ألف بين المؤمنين وجمع شملهم ، بعد أن كادت تعصف بهم رياح التفرقة والفساد ومكائد السلطان  الغاشم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وزين العابدين هذا ، عليه سلام الله ، كان من أبرع المؤسسين بعد جدّيه محمّد (ص) وعلي (ع) وأبيه الحسين(ع) لعلم العرفان أو فلسفـة العرفان ، أو المعـرفة  الإلـهية ، في   جميع شؤون الحياة ، الأخلاقية منها ، والإجتماعية بأنواعها ، وحتى السياسية . وحتى كلامه عليه السلام في أدعيته ومناجاته كان له ظاهر تفهمه العامة وتستسيغه وتأنس به ، وتصلح به عقيدتها وعامة سلوكها . وباطن تفهمه الخاصة ، من الذين تفضل الله عليهم بأنواع أسراره ، من السرِّ وسرِّ السرِّ والسرِّ المستسر . وهذا نموذج مما ترك هذا الإمام النبيل علي بن الحسين (ع) مما يعتبر مثالاً متقدماً رائعاً مما يتوصل إليه أهل العرفان بفضل الله وعنايته ورعايته ، قال شعراً :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          إني لأكتم من علمي جواهره</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">                                      كي لا يرى الحقَّ ذو جهلٍ فيفتتنا</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقد تقدمَ في هذا أبو حسـن ٍ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">                                       إلى الحسين ووصى  قبله الحسنا</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          يا ربَّ جوهرِعلم ٍ لوأبوحُ به</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">                                      لقيل  لي أنت ممن  يعبد الوثنـا</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولاستحلَّ رجالٌ مسلمونَ دمي</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">                                      يرَون أقبحَ  ما  يأتونـه حسنـا</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">    </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">               *************</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">                    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين  .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>هل نرى الله ..</strong></span><span style="font-size: 14pt;">          <strong>للعلامة الطهراني</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong> </strong></span></p>
<h2 dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>تناقضات في كتاب هل نرى الله :</strong></span></h2>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>===============</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">   وما زالوا يذهبون بعيداً عن القرآن المجيد ، عن كلام الله الحي القيوم الذي لا إلـه إلاَّ هو ، إلى الفلسفة وعلم الكلام ، وكلاهما ما أنزل الله بهما من سلطان . بعد نزول التعاليم الإلـهية  وختمها بالقرآن .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">قال تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { .. قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ .. . سورة سبأ الآية 23 } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وقال تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ . قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنْ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ . وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأغْلاَلَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . سورة سبأ الآيات ( 31 ـ 33 ) } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          يلاحظ في هذه الأيام ( ونحن في القرن الخامس عشر من الهجرة المباركة والواحد والعشرين الميلادي ) هجمة على ما يسمى بعلم العرفان الإسلامي ، وهي هجمة بائسة ، باعتبارها أولاً ليس فيها من جديد يذكر ويتلاءَم مع ما أوصـل الله إليه العالم من العلم والكشوف والأعاجيب في خلقه ، وثانياً أنهم يستخرجون ما ينشرونه بغزارة ، وبطريقة تبدو فيها بقوة النزعة التجارية عند الناشرين ، وليس كما هو المفروض ، النزوع إلى معرفة الله أكثر فأكثر ، ومن مصادره الصافية والتي أصفاها على الإطلاق ، ذاته القدسية ، آمراً ناهياً ، مفهِّماً الخاصة ، معلماً العامة ، في قرآنه المجيد . بل يستخرجون هذا العلم مما تراكم في بطون الكتب والمجلدات القديمة من الفلسفة اليونانية والرومانية ، ومما تداخل في كل ذلك من علم الكلام مع الفلسفات القديمة مشرقية ومغربية .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أكتب هذا الآن ، وأنا خارج للتو من مطالعات مرهقة في مجلدات &#8221; الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة &#8221; وبين يديَّ كتاب &#8221; هل نرى الله &#8221; للعلامة الطهراني .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ويبدو بوضوح أن الكتاب متأثر كمعظم الكتابات العرفانية ، بأنماط الفلسفة التي في الأسفار العقلية الأربعة ، كما أن هذه المجلدات من الأسفار متأثرة وبحدود قصوى بالفلسفات الدخيلة على الإسلام .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وكتاب [ &#8221; هل نرى الله &#8221; الطبعة الأولى ـ بيروت ـ 2001 ]  انتشر انتشاراً سريعاً وملفتاً بين الشباب  المتعشق لكل جديد عن الإسلام ، ولا سيما عن معرفة الله عزت عظمته . وقد نقله إليَّ أحد الطلبة الجامعيين ، وهو صديق محب لله تعالى ولدينه الحنيف ، معروف بالاتزان وعدم التعقيد ، وإنما بدا لي مع هذا الكتاب ، وبعد أن طالعه ، وفي وجهه وعينيه الكثير من علامات التعجب والإستفهام ، يخالطها مسحة من الخـوف والحيرة . وإذ اطلعت على الكتاب ، عرفت السبب وبطل مني العجب .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><u>وقبل أن أبدأ بعرض ما يناقش في الكتاب ، </u>أريد وبفضل منه تعالى وبإذنه ، أن أعرِّف عن نفسي هذه التي تفضل عليها ربي وأخرجها من الظلمات إلى النور ، وإلى نور على نور &#8230;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وحقيقة الأمر ، أن الله تبارك وتعالى جنَّبني فوضى التعلم من المعلمين غير الأصيلين ، وألجأني إليه وحده سبحانه مستقلاً عن الآخرين ، بعد أن جعلني على بينة من أمري ، مدخلاً إياي في منازل النور ، فيما يقال وفيما لا يقال . وقد ألمحت في بعض شرائح كتبي على بعض فضله ومننه وآلائه عليّ . وقد جنبني الإنفعال الغضبي ، وقواني في روحي ونفسي ، ليطلعني على الأرقى والأنقى من الحقائق ، نصاً وروحاً فيما يدور حول معرفته سبحانه ، وذلك في كتابيه العظيمين : القرآن والكون ، وبين القرآن والكون ، سنة خاتم النبيين محمَّد وآله الأطهار الميامين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومن أنواع قوتـه سبحانه التي قواني بها ، أن جنَبني ظلمات المعلمين غير المجتبين ، والخلاص من فوضى أتباعهم ومقلِّديهم ، تحت عناوين الفلاسفة والحكماء والمتكلمين . ليرفع بما يعلمني سبحانه من يشاء من عباده الصالحين ، من بؤر التقليد والعبث والإنحراف عن صراطه في داري الدنيا والآخرة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <u>وهذا نمط من اختلاف أراء وأقوال فلاسفة كبار وحكماء وعلماء كلام :</u>  فقد ورد في &#8221; كتاب الحكمة المتعالية &#8221; هذه العبارة : [ وكذلك الحال في أكثر التعريفات الحقيقية للأشياء كتعريف الحيوان بأنه الجسم الذي من شأنه أن يحسّ ويتحرك وتعريف الإنسان بأنه الحيوان الذي من شأنه أن يدرك الكليات أي يتعقل المعاني الكلية ويتصورها ] <sup>(1)</sup> .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><sup>ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ </sup></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><sup> </sup><sup>(1) </sup> المجلد السادس ص 16 الطبعة الثالثة 1981 دار إحياء التراث العربي ـ بيروت .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">                  </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          هذه التعريفات ، أصبحت من المضحكات للتلاميذ في الصفوف المتوسطة ، في عصرنا هذا ، عصر فلق الذرة . ومع ذلك ما زالت هي هي تدرَّس في حوزاتنا الدينية في مادة المنطق ، وهي في معظمها مأخوذة من منطق أرسطو وغيره من فلاسفة اليونان ، أيام تعدّد الآلهة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فاليوم أصبح بين الكتابين العظيمين : القرآن والكون ، كل شيء يحس ويتحرك . أما في القرآن المجيد ، قوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">1) ـ     { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ  وَالأََرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا . سورة الإسراء 44 } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وقوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">2) ـ     { أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأََرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ . سورة النور الآية 41 } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وقوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">3) ـ     { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأََرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . سورة [ الحديد + الحشر + الصف ] الآية1}.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وقوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">4) ـ     { وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ . سورة الرعد الآية 13 } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وقوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">5) ـ     { إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ . سورة ص الآية 18 } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقبل أن أتشرَّف بالإلفات إلى المضامين الحقيقية للآيات الكريمة ، أريد أن أثبت نماذج كذلك من المنطق الذي ما زال يدرَّس في الحوزات الدينية ، بعد أن أصبح معظم ما فيه في وادي القديم البالي ، وأصبح ما فتح وما يفتح الله تبارك وتعالى على عباده من العلم المتسارع المذهل في قمم عالية ، تفسِّر مغلقات القرآن وتفسِّرها مغلقات القرآن . ويبقى القرآن هو القول الفصل الذي ليس فوقه فوق دون منازع .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ورد في كتاب المنطق المفروض على طلبة العلوم الدينية ما يلي ، وذلك تحت عنوان الكليات الخمسة <sup>(1)(2)</sup> :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">&#8221; وقد يسأل السائل عن الإنسان والفرس &#8230;.. والقرد( ما هي ؟)</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">&#8221; وقد يسأل السائل عن الإنسان فقط &#8230;.. ( ما هو ؟ )</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">&#8221; لاحظ أن الكليات هي المسؤول عنها هذه المرة ! فماذا تـرى</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">&#8221; ينبغي أن يكون الجواب عن كل من السؤالين ؟ ـ نقول : أما</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">&#8221; الأول فهو سؤال عن كليات مختلفة الحقائق ، فيجاب عنه بتمام</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">&#8221; الحقيقة المشتركة بينها ، وهو الجنس ، فتقول في المثال : ( <u>حيوان</u>)</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">&#8221; وأما الثاني ، فهو سؤال بما هو عن كلي واحد . وحق الجواب</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">&#8221; الصحيح الكامل أن نقول في المثال : (حيوان ناطق)&#8221;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">  وقبل هذا ص 79</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">&#8221; أنه إذا كان الإنسان يساوي الناطـق  فإنَّ لا إنسـان يساوي لا ناطق &#8221; .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ويلاحظ القارىء مدى التقارب بين هذا المنطق وبين نظرية دارون في النشوء والإرتقاء ، والتي ثار عليها هؤلاء العلماء ، واضعوا هذا المنطق ، لأنهم لم يرضوا أبداً أن يكون جدَّهم قرد وهم بهذا الجانب محقون . فكيف إذاً يناقضون أنفسهم بهذا الوضوح ؟</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ثم إنهم يعارضون كتاب الله تبارك وتعالى ، فانظر كيف أخذهم منطق أرسطو وغيره من مناطقة وفلاسفة بعيداً جداً عن قرآنهم المجيد ، وهو بين أيديهم ، يتلونه ويقدسونه !!</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وهكذا ففي منطقهم أن الإنسان والفرس والقرد ، حيوانات وأن الإنسان وحده حيوان ناطق .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          بينما في القرآن الكريم ، الهدهد ، يخاطب سليمان (ع) ويتحداه { .. أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ . سورة النمل الآية 22 } . ويذهـب ويجـيء  واعياً</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><sup>(1)</sup> كتاب المنطق ـ تأليف العلامة المظفر . الطبعة الثالثـة ـ المجلـد (1ـ3) . مطبعة النعمان . النجف الأشرف . السنة 1388 هـ 1968م .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><sup>(2) </sup>ص 85 و 86 . </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> عاقلاً مفكراً ناطقاً كأحسن ما يكون النطق . وظاهر القرآن حجة على جميع خلقه ، وبعد الظاهر ، فليتأول ما يشاء المتأولون . وكذلك النملة إذ تخاطب قومها : { قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا  النَّمْلُ  ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ . فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِين . سورة النمل الآيات ( 18 ـ 19 ) } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ويجب أن لا ننسى كذلك قوله تعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">{ قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ } و { فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ .. } و { وَإِذْ قَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ يَامَرْيَمُ } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وتحت عنوان : الفصل . ورد ما يلي :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">&#8221; فإذا رأينا شبحاً من بعيد وعرفناأنه حيوان وجهلنا خصوصيته</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">&#8221; فبطبيعتنا نسأل ( إلى أن يقول ) والجواب عن الأول ( ناطق)</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">&#8221; وهو فصل الإنسان أو ( صاهل) وهو فصل  الفرس . وعن</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">&#8221; الثاني ( حساس ) مثلاً وهو فصل الحيوان<sup>(1) </sup>. &#8220;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وفي مكان آخر من نفس الكتاب ، نكتفي بهذا النموذج من النماذج الكثيرة المفتونة بالفلسفة بعيداً عن النصوص الإلـهية ، من مثل أنه حتى الله لا يقدر أن يجمع النقيضين ، وقد عالجنا هذا الموضوع الخطير في كتابنا ( العقل الإسلامي ) وغيره وغيره كثير . يقول في صفحة 76 :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">&#8221; ( نسبة التساوي ) : وتكون بين المفهـومين اللذين يشتـركان</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">&#8221; في تمام أفرادهمـا ، كالإنسـان والضاحـك ، فإن كل إنسان</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">  ضاحك وكل ضاحك إنسان <sup>(2) </sup>.&#8221;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ثم في الصفحة 77 :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><sup>(1)</sup>         نفس المصدر  ص 86 و 87 .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><sup>(2)</sup>         نفس المصدر .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">&#8221; (نسبة العموم والخصوص) وتكون بين المفهومين اللذين يصدق أحدهما على جميع ما يصدق عليه الآخر وعلى غيره . ويقال للأول : ( الأعم مطلقاً ) ، وللثاني ( الأخص مطلقاً ) كالحيوان والإنسان والمعدن والفضة ، فكل ما صدق  عليه الإنسان يصدق على الحيوان ولا عكس <sup>(</sup><sup>1</sup><sup>) </sup>.&#8221;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فقوله كل إنسان ضاحك وكل ضاحك إنسان ، صحيح في أن كل إنسان ضاحك ، وليس صحيحاً في كل ضاحك أنه إنسان ففي لغة العرب ، يقولون ضحكت الأرنب وضحكت الضبع أي حاضت ، وقد ورد ذلك في أشعارهم . هذا إلى جانب  قولهم ضحكت المرأة أي حاضت . وقد فسَّروا قوله تعالى { .. فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ .. } أي حاضت <sup>(</sup><sup>2</sup><sup>) </sup>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ويلاحظ  في القسم الثاني من هذا النموذج تحت عنـوان ( نسبة العموم والخصوص ) ، وكذلك في بقية النماذج الآنفة ، مدى الإصرار على عدم الفصل بين الإنسان والحيوان . وعلى الإصرار في نفس الوقت على الفصل بين الإنسان والحيوان من جهة وبقية خلق الله من جهة ثانية ، فلماذا لا تكون الملائكة أناساً ـ بحكم هذا المنطق ـ وهي ناطقة ، ولماذا لا يكون الجن كذلك وهم ينطقون ويتكلمون ويسمعون القرآن ويبلغون قومهم بأفصح النطق وأبلغ الكلام . ولماذا لا يكون الطير وأنواع الحيوان كذلك أناساً وقد أثبت الله عز وجل كونها ذوات لغات أطلع عليها وأفهمها بعض أنبيائه عليهم السلام ، ولماذا لا تكون كذلك الأشياء أناساً بحكم هذا النطق ، وقد ثبت في كلام الله  تبارك وتعالى وهو أصدق المصادر على الإطلاق ، وهو المعيار ، وفيه القول الفصل ، وقد ثبت فيه أن الأشياء تسبِّح مدركة واعية ناطقةً  { .. كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ .. } كل في درجته من سُلَّم الخلق وبالتالي من سُلَّم الوعي والإدراك .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وكذلك كما رأينا في أحد نماذج كتاب المنطق الآنف الذكر قد حصر الإحساس في الحيوان قوله ص 87 : &#8221; والثاني ( حساس ) مثلاً وهو فصل الحيوان . يريد بالفصل أن ما دون الحيوان من نبات وحجر وحديد وغير ذلك مما تعارفـوا علـى تسميتها بالجمادات أنها دون إحساس . وقد أثبت الله تعالى كذلك في القرآن الكريم  أن الجمادات ، لها إرادة نسبية وحس نسبي لا يعلم مداه إلاَّ الله تبارك وتعالى ، قال سبحانه : { .. فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ .. سورة الكهف الآية 77 } وقال تعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">(1)        نفس المصدر . </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">(2)        أنظر باب ضحك . لسـان العرب لابن منظور المجلد العاشـر ـ  دار صادر ـ بيروت  .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">{ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ . سورة فصلت الآية 11 }  .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولقد أثبت العلم لغة للنبات تحت ( بوقال ) زجاجي  معزول عن الأصوات الخارجية ، وضع فيه جهازٌ للتسمع يلتقط ما تحت مستوى الصوت . وكانت المفاجأة : أن النبات يتكلم . ولغة أخرى ، عند حيوان البحر ذلك الذكي ، الدرفيل .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          قال تبارك وتعالى : { وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا . قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا . أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلْ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا . سورة الإسراء الآيات (49 ـ 51 ) } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والحقيقة أن هذا تصوُّر مما يخطر في بال من يتأمل ، وقد قيل ( ساعة تأمل أفضل من سنة عبادة ) أن يصهر الإنسان في فرن حديد ، أو أناس كثيرون ، أو في أتون حجارة مما يصنع الكلس ، فلا يبقى من الإنسان خبر يذكر . ففي الحديد يصبح حديداً في سقف منزل أو في قطار &#8230; وفي الكلس كما يرى القارىء ، إما في عمران المنازل أو غير ذلك ، ثم التحدِّي في الآية  { أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ .. } { .. مَنْ يُعِيدُنَا قُلْ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ .. } { .. مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا } . و { عسى } القرآنية واجبة ليس فيها خلف ولا تردد .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          كان الرد على عجب المتعجب في الماضي أصعب . أما اليوم ، فقد تبين بالعلم القطعي ، ، أن جميع المجسمات ذرية أو نووية ، ومنها هذا الإنسان وذلك الحديد أو الخشبة أو الحجر . وأن ذرات الحديـد بمضامينها من النوى والبروتونات والألكترونات إلخ &#8230;  هي في حركة دائبة لا تتوقف ،  حتى أنها لا تكف عن الإشعاع إلا عند درجة  الصفر المطلـق ، أي 273،1 تحت الصفر في الميزان المئوي ( سنتيغراد ) .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما في القرآن ، فهي إضافة إلى ذلك واعية تسبِّح بحمد ربها ، والناس لا يفقهون تسبيحها ، فإذا حصل الإمتزاج بين الإنسان وهو ذري ويبن الحديد أو أي شيء آخر سيكون ذرياً قطعاً ، فسيبقى  الحديد على حديديته ، أو أي شيء على شيئيته ، وكذلك الإنسان على إنسانيته ، وكل صنـف  في حدود شخصيتـه ، ووحده الله عزت عظمته ،</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> وحده القادر على الفصل بين الأجناس <sup>(1) </sup>وأوصافها ، وبكلمة كن فيكون .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولا ننسينَّ أن المعَّول على الأنفس  بعد الموت . فبمجرد أن يموت إنسان ، تفارق نفسه بدنه . فيلبسها الله بدناً كما يشاء عند بعثها ، قال تعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">{ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ . سورة الأحقاف الآية 19 }  وقال تبارك وتعالى : { اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ . سورة الزمر الآية 42 } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فالأنفس يمسكها الله ويحفظها الله دون الأبدان التي تتحلل إلى عناصرها الأصلية ، أو يبقى بعضها محفوظاً مكرماً بإذنه تعالى وبحكمته ، حتى يقضي الله فيها قضاءه أو يرفعها إلى حيث يشاء ، كما رفع المسيح عيسى بن مريم عليه السلام .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والأنفس لا يحتجزها حديد ولا حجر ولا أفران حامية . ويطلقها الله عندمـا يتوفاها ، أو يجعلها حيث يشاء في برزخها ، أو يرفعها إليه تبارك وتعالى ، وهو بكل شيء محيط وعلى كل شيء قدير .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">(1)        الشحنات التي في أجزاء الذرة لا تولد ولا تموت ولكن تبقى محفوظة . </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ويحسن بنا كذلك هنا ، أن نذكر كلمة موجزة عن أصغر شحنة كهربائية موجودة في الطبيعة .  تلـك هـي التـي أسموهـا الكوارك : Les Quarks ، وإلى سنة 1936 كان يظن الفيزيائيون أن شحنة الألكترون هي الأصغر في الكون وأنها الشحنة الأوليَّة . وفي السنة 1936 اكتشف علماء الفيزياء أن النوترونات والبروتونات مكونة من عناصر Particules اعتبروها الأصغر في الوجود وسموها Quarks .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">فتبين أن النوترون ليس هامداً أي Neutre كما كان متفقاً عليه عند الفيزيائيين  . </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">عوداً إلى كتاب  : </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          هل نرى الله ؟ </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          يقول العلامة الطهراني في أول الكتاب تحت عنوان الله نور :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">&#8221; قال الله الحكيم في كتابه الكريم :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسـْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُـورِهِ ( إلى منزل قربه ) مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . سورة النور الآية 35 } &#8221; .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وما بين هلالين بعد قوله تعالى : يهدي الله لنوره ، عبارة ( إلى منزل قربه ) هي تعليق من العلامة ، صحيح لا نقاش فيه .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          إلاَّ أنه يتناقض مع قوله في الصفحة 11 حيث يقول بالحرف : &#8221; إنَّ ذات الله سبحانه نور &#8221; <sup>(*) </sup>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وهذا ليس صحيحاً ، لأنه تشبيه واضح ، حيث يتبادر لذهن القارىء أو السامع وبالضرورة ، النور المألوف المتعارف لدى الناس . ثم ، وإن كان قصده كما سيظهر فيما بعد ، أنه نور غير الأنوار المعروفة ، فمهما  أعطاه من صفات النورانية ، يبقى نوراً ، ولو كان بينه وبين بقية الأنوار مليارات الدرجات ، ومع ذلك يبقى متعارضاً مع قـول الله { .. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ .. . سورة الشورى الآية 11  } وإن أدنى الأنوار المعروفة ، يوجد بينها وبين أرقى الأنوار المعروفة ، وأصفـى الأنوار المتخيلة ، وأسمى أنوار التجلي ، شبه ومماثلة . يقول تعالى : { .. وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا .. . سورة البقرة الآية 25 } سواء كان نوراً أو فاكهة أو أنواع الجمال المادي والمعنوي .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  (*)  أنظر صورة ً للصفحة التي فيها العبارة وكذلك صوراً لبعض الصفحات ذات العلاقة  آخر كتابنا هذا . </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وفوق النور المجلِّي للنور وغير النور ، لا بدَّ أن يكون شيء أرقى من النور ، وأبهى وأجمل من أجمل الأنوار ، هو مرصود في قوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لاَ يَسْتَوُونَ . سورة السجدة الآية 17 } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فإذا كانت ألوان الجمال وروائع المشاهد والسعادات ، في الآخرة ، هي في واقع خفاء قبل قيام الساعة على جميع ما خلق الله من أنفس في السماوات والأرض ، حتى نفوس الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين ، فمن الأكثر بداهة أن تكون ذات الله تبارك وتعالى هي أخفى وأخفى على جميع خلقه . قال تعالى في كتابه الكريم { ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ . لاَ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ . سورة الأنعام الآيات ( 102 ـ 103 ) } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقال جلَّت عظمته في قضية موسى (ع) وطلبه أن يرى الله سبحانه :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">{ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ . سورة الأعراف الآية 143 } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومعلوم عند أهل اللغة أن لفظة  { لَنْ }  في قوله  تعالى : { لن تراني } هي للنفي القطعي . فالمعنى  لن تراني إطلاقاً ، لا على الحقيقة المجـردة ولا حتى بتجلي الذات . لأن تجلي الذات ، كما رأينا في الآية ، يدمِّر الجبل ويسويـه بالأرض الصحراوية ، أي يفقده جبليته ، ولو كان تجلي الذات لإنسان ، لأفناه وأفقده بشريته . والذي صعق موسى ليس تجلِّي الذات الإلـهية ، وإنما الرهبة من تدمير الجبل وجعله قاعاً صفصفاً .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فكيف كان تجلِّي الله بذاته ، حتى جعل الجبل دكا ؟ فهل كان بقوة ذرية أو هيدروجينية أو نيوترونية أو أية طاقة هائلة مما ركبه الإنسان وأخرجه من المادة ؟ فإذا كان ذلك ، صحَّ أن نقول إنه تعالى نور في ذاته ، أي طاقة مميزة رهيبة ، فوق الأنوار المعروفة ، كما  يقول أصحاب هذا الزعم . ولكن هل يملك أي نور متخيَّل أو متصور ، هل يملك أن يكون عاقلاً وعادلاً وخلاقاً وخيراً محضاً ، ورحماناً ورحيماً ، وحليماً وكريماً، وحنَّاناً ومنَّاناً ، ومبدعاً السماوات وأفلاكها ، ونظام الذرة مكبَّراً في النظام الشمسي ، موسَّعاً في أنظمة المجرات ، متعالياً في نظام السماوات ، متحجباً بحجب الجمال وحجب النور ، فعَّالاً لما يريد ، يقول للشيء كن فيكون ؟! &#8230;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">هل صحيح أن كل ما هو موجود هو الله ؟!</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ورد في الكتاب المذكور &#8221; هل نرى الله &#8221; في الصفحة 13 السطر الرابع هذه العبارة <u>:  &#8221; كل ما هو موجود هو الله . &#8220;</u></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ثم في الصفحة 18 ، ابتداءً من السطر الثامن ، يقـول : </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">&#8221; لقد خلقنا الله عز وجل في أحسن تقويم ، وأودع فينا من جميع الأسماء الحسنى والصفـات العليا  <u>وجعل أنفسنا من الهيولى .&#8221;</u></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ثم يتابع في نفس السياق : &#8221; ولم يجعل لنا حداً ولا حدوداً من جهة الإستعداد والقدرة على التقدم والتكامل والإرتقاء في سلَّم اليقين والوصول إلى العرفان والتوحيد ، <u>والفناء في ذات الله المقدسة . &#8221; </u> .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ثم يوقع نفسه في تناقض شديد ، حيث يستشهد بالتتابع بهذه الآيات الثلاث ، ص 48 :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ .. }</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { .. فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا }.  </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ . إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فبعدما ثبت أن الشك في وجود الإنسان العياني ووجود عامة المخلوقات والأشياء ، سفه وسفسطة ، وأن الأدلة عن الوجود العياني لأفراد الكون ، لا تنتهي إبصاراً وإحساساً ومعاناة ، ما كنا مضطرين لإثبات ما هو ثابت ، وما هو موجود بديهة وعقلاً وشرعاً ، لولا أن بعض الكتاب والمتكلمين نفوا وجود الإنسان ووجود الحيوان ووجود عامة الموجودات جملة وتفصيلاً ، واعتبروا أنَّ &#8221; كل ما هو موجود هو الله &#8221;  وهي العبارة التي أشرنا إليها في الكتاب المنوه عنه ، وغيره من الكتب الفلسفية الدخيلة على تعاليم الله ورسله وأوليائه الصالحين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ولو كانت هذه الكتب تزين بعض مقولاتها بين الحين والآخر ، بآيات من القرآن الكريم ، والقرآن كلام الله ، والفلسفة منطق المخلوقين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">         </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولنقارن بين هذه المقولة :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          &#8221; كل ما هو موجود هو الله &#8220;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وبين قوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ..}</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فإذا كان &#8221; كل موجود هو الله &#8221; فإن كل موجود تدركه الأبصار أي ببساطة هي تراه بحدوده الظاهرة ، وقد تفصِّله تفصيلاً دقيقاً ، الإنسان يرى الحيوان ويصنِّفه فصائل ، ويدرسه ، حتى أن الإنسان يدرس طبائع الحيوان من الحشرة ، بل من الخلية البسيطة المفردة في مياه البحار إلى الفيل وفرس النهر ، والحيوان يرى الإنسان ويألفه ويعطيه مما أودع الله فيه من منافع ، أو يستوحش منه ويظل بعيداً عنه في بحاره وأنهاره أو براريه وأجوائه . وكلا هذين المخلوقين يعرفان حدودهما وحدود الصخرة والشجرة والماء والهواء وطيب الطعام وخبيثه، فيقبلان على الأول ويجتنبان الآخر ، فإذا كان كل فرد من أفراد الإنسان أو الحيوان أو الأشياء هو الله ، فكيف يقول الله تعالى أنه { لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ .. } وهذه آية في كتاب الله  { وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ . لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ . سورة فصلت الآيات ( 41 ـ 42 ) } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وهؤلاء الفلاسفة لا يريدون قطعاً ، أن يردُّوا القول على الله ، ولا أن يشككوا في كتابه المجيد ، ولكن تُغويهم الفلسفة وشياطين الفلسفة ، وتشطح بهم بعيداً عن الحقائق الإلـهية فيقعون في الأوهام ويحسبون أنهم يحسنون صنعا .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولو كانت الفلسفة حقاً ، لما تناقض الفلاسفة وخطَّأ بعضهم بعضاً وانقسموا إلى أكثر من فرقة ، حتى طلع عليهم وما زال يطلُع من الملهمين ، من يطعن  بأصل الفلسفة ، فيرمونها تارة بالسفسطة وتارة بالتهافت وتارة بأنها جنت على جوهر الإسلام أكثر مما جنته حملات الغزو البربرية .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وهذا نموذج من اختلاف الفلاسفة ، وتعدُّد آرائهم وتناقضها حول الحقيقة الواحدة :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فقد ورد في كتـاب &#8221; الحكمة المتعاليـة في الأسفار العقلية الأربعة &#8221; وتحت عنوان <sup>(1) </sup>: &#8221; في ذكر اختلاف الناس في تحقق الجوهر الجسماني ونحو وجوده الذي يخصه .&#8221; ما يلي :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          &#8221; فمن قائلٍ من زعم أنه مركب من ذوات أوضاع جوهرية غير منقسمة أصلاً لا وهماً ولا فرضاً ولا قطعاً ولا كسراً ، وهؤلاء أيضاً تشعبوا إلى قائل بعدم تناهي الجواهر الفردة في كل جسم حتى الخردلة وهو النظَّام من المعتزلة وأصحابه .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقائلٍ إلى تناهيها وهم جمهور المتكلمين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومن قائل أنه متصل  في نفسه .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فمن هؤلاء من ذهب إلى أنه يقبل الإنقسام بأقسامه لا إلى نهاية وهم جمهور الحكماء .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومنهم من ذهب إلى أنه يقبل عدداً متناهياً ثم يؤدي إلى ما لا ينقسم أصلاً ، وهو صاحب كتاب الملل والنحل .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومنهم من ذهب إلى أنه لا يقبل من الإنقسام إلاَّ ما سوى الخارجي أعني الفك أو القطع لكون الجسم المفرد عنده صغيراً صلباً لا يقبل شيئاً منهما لصغره وصلابته وهو ذيمقراطيس من الفلاسفة المتقدمين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والقائل بانقسامه لا إلى نهاية افترقوا ثلاث فرق ففرقة ذهبت إلى أنه جوهر بسيط هو الممتد في الجهات المتصل بنفسه اتصالاً مقدارياً جوهرياً قائماً بذاته وهو رأي أفلاطون الإلـهي كما هو المشهور ومذهب شيعته المشهورين بالرواقيين ومن يحذو حذوهم وسلك منهاجهم كالشيخ الشهيد والحكيم السعيد شهاب الدين = يحي السهروردي في كتاب حكمة الإشراق. وفرقة إلى أنه جوهر مركب من جوهرين أحدهما صورة الاتصال والآخر الجوهر القابل لها وهم أصحاب المعلم الأول ومن يحذو حذوهم من حكماء  الإسلام  كالشيخين  أبي  نصـر ( يعني الفارابي ) وأبي علي ( يعني ابن سينا )  . وفرقة إلى أنه مركب لكن من جوهر قابل وعرض هو الاتصال المقداري وهو ما ذهب إليه الشيخ الإلـهي في كتاب التلويحات اللوحية والعرشية وقد شنَّع عليه بعض  الناظرين</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">(1)  المجلد الخامس ص 16 و 17 ـ دار إحياء التراث العربي ـ  بيروت   .  الطبعة الثالثة 1981.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> في كتبه لما وجد تناقضاً بين كلاميه في هذين الكتابين حيث حكم ببساطة الجسم وجوهرية المقدار في أحدهما واختار أنه مركب من جوهر سمَّاه هيولى وعرض هو المقدار بناءً على تجويزه تركب نوع واحد طبيعي من جوهر وعرض وبين الكلامين مخالفة بحسب الظاهر&#8221;. انتهى كلام الحكيم الإلـهي صدر الدين الشيرازي مؤلف الكتاب .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وما دام للفلسفة ، نفس قواعد المنطق والمصطلحات ، وطرق الاستنتاج والاستقراء ، التي تؤسس عليها وتنطلق منها ، فلماذا إذاً يتفرق أصحابها هذا التفرق المنكر ، حتى انقسموا إلى فلاسفة ماديين ملاحدة ، وآخرين مؤمنين إلـهيين . ثم انقسم الماديون وتفرق الإلـهيون ، بين مليين أتباع كتب منزلة ، وأتباع كتب غير منزلة &#8230; إلى أن تلملمت فلسفة ، فيها الكثير من أفكار الفلاسفة الإغريق مثل أرسطو وديمقراطيس وأفلاطون الإلـهي وغيرهم ، وأُلبست ثياباً إسلامية مطرزة ببعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ثم سميت فلسفة إسلامية .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وهذه الفلسفة الإسلامية ، كذلك ، دهيت بمزاعم منكرة ، كان من شأنها أن تنحرف بكل من يطلع عليها عن مضمون الإسلام ، إلاَّ من تحصن بربه جلَّت عظمته ، وبدينه الحنيف ، ومن أخطر هذه المزاعم ، أن الدين بفرائضه وعباداته المرسومة ، إنما وضع للعامة وليس للخاصة ، لأن  الغاية من الدين ، هي أن يكون الإنسـان مهذباً خلوقاً مستقيماً ، والعامة وحدهم بحاجة إلى هذه الصفات لأنهم جهلة ، أما أهل الخاصة فهم مثقفون متعلمون متحصنون بتربية صالحة وخلق قويم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          هذه المزاعم ، أدت بأكثر من اطلع عليها ، سواء كان مثقفاً أو غير مثقف ، إلى أن يعتبر نفسه . هو كذلك من أهل الخاصة ، فيتحلل من الفرائض والعبادات .</span></p>
<h2 dir="rtl" style="text-align: justify;"><strong><span style="font-size: 14pt;">هذا نور ما يُرى !  فأين نور ما لا يُرى ؟</span></strong></h2>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          في كتاب &#8221; هل نرى الله &#8221; وفي أكثر من مكان فيه ، أمر يعتبر اليوم بديهة لأنها يساندها العلم ، وهي أن الأشياء وعامة الموجودات ، إنما ترى بواسطة النور أو الضوء الذي يحيط بها أو ينبعث منها ، كما ثبت أنه حتى في الليل الدامس ، وحتى في درجات الحرارة المتدنية جداً ، تنبعث من الأجسام أشعة تكشفها لبعض المناظير الخاصة ، والتي أصبحت  من جملة أسلحة الحرب والقتال في الأجواء المعتمة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والعلم اليوم يقول إن الفضاء الذي تسبح فيه سفن الفضاء ، هو في حقيقته كالحد الفاصل بين نواة الذرة وألكتروناتها ، وأن الحد الفاصل بين نواة الذرة والألكترونات ، هو في حقيقته كالحد الفاصل بين الشمس والكواكب السيارة . وهذه الفاصلة سواء كانت في الوحـدة الذرية أم وجدت بين الشمس وبين الأرض أو الزهرة أو المريخ وغيره من الأجرام ، هي جزء من المادة . والدليل على ذلك أن الجاذبية تمر فيها ، وقوة الجاذبية لا تنفصل عن المادة ، ولا تنفصل المادة عنها .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقد تعلمنا في الكيمياء أن الذرَّة لها عدة مستويات من الطاقة ، وأن كل مرة يمر فيها الألكتـرون من مستـوى طاقـة إلى مستـوى طاقة أدنى ، يسبِّـب موجـة ألكتروـ مغناطيسية .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          هذه الموجات  Les ondes electromagnetiques ، بعكس الموجات الميكانيكية ، لا تحتاج إلى وسط معدني لتنتشر فيه ، إذ بإمكانها أن تعبر الفراغ ، أي تنتشر في الفراغ ، وبنفس سرعة الضوء التي هي 300,000 كلم /ث . هذه السرعة ليست هي ذاتها في أوساط كثيفة أخرى .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومما لا ريب فيه أن الجاذبية ليست أشعة . ومن المناسب هنا أن نذكر المغناطيس لنقول كلاماً موجزاً فيه ، وعن بعض الحقائق المعاصرة حوله .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ـ         أصل المغنطة هي في مادة اللوديستون ، وأكثر ما توجد في معدن الحديد .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ـ         المغناطيسية المتوازية في المواد غير المعدنية ،  تتميـز بتبعية درجة الحرارة . ذلك بأن العزم المغناطيسي ، ينخفض مع ارتفاع درجة الحرارة ، ويزيد بانخفاضها . هذه النتيجة تجعل الصعوبة متزايدة في الإنتفاع من العزم المغناطيسي .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          إضافة إلى ذلك فإن المواد المعدنية عندما تسخَّن ، تفقد صفاتها المغناطيسية كلياً في النهاية . هذه الخسارة تصبح كاملة فوق درجة حرارة كيوري ـ سميت باسم العالم الفرنسي بيار كيوري . درجة حرارة كيوري  للحديد هي حوالي :  770 سنتغراد . وقد ثبت أن للمغنطة في المواد الصلبة ترتيبات أكثر تعقيداً . وفي المادة بشكل عام ( أي في الكون جملة وتفصيلاً ) يوجد نوعان من الأيونات الحديدية ، كل نوع منهما بعزم مغناطيسي مختلف .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          هذه التغيرات الحادة في الطاقة والمادة ، تطعن بقوة في زعم من يزعم &#8221; أن كل ما هو موجود هو الله &#8221; .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فلا قوى الجاذبية التي بين الذرة والكتروناتها ولا التي بين الشمس والكواكب وبالعكس ، هي الله ، وهي لا من الضوء ولا من النور ، ولا الجاذبية في كل أنحاء الكون هي الله ، لأنها تتغير، تضعف وتقوى على كل كوكب على حدة ، وبين الأجرام السماوية عامة ، إذ تضعف حتى يظن أنها انعدمت ، وتقوى حتى ليصبح وزن الإنسان الذي على الأرض سبعون كيلوغراماً ،  يغدو وزنه الآف الأطنان . يعني مغروساً كجبل من الهم ، على قلب ودماغ إنسان نتخيله معتقلاً معاقباً في مكان هائل الجاذبية من هذا الكون . بينما هو يصبح على القمر مثلاً حوالي إثني عشر كيلوغراماً .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولا الموجات الممغنطة التي تحدثنا عنها ، والتي يسببها قفز الألكترونات بأعدادها اللامتناهية ، هي الله ، لأنها تسرع في الفراغ ( 300,000 كلم/ث ) وتبطىء في غيره حسب كثافة المادة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولا المغناطيس هو الله ، لأنه كما رأينا ، تعدمه الحرارة العالية ، وهو ينتشر في المادة بشكل عام ، بعزم مختلف  متفاوت ضعفاً وقوة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ثم إن هذه الموجودات التي ذكرناها ، والتي هندسها الله بقدرته التي لا تحاول ولا تطاول ، وبحساباتـه المعجزة ، والتي تكاد تكون ممسكة بمادة الكون ، بإذنه تعالى وبتدبيره ، من الجاذبية إلى الموجات الممغنطة الألكترونية إلى المغناطيس وأشباهها ، إلى الإنسان الذكر والأنثى ، والأسود والأبيض .. والطفل والشاب والهرم ، الذي يولد ويتنامى ويموت . ويضحك ويبكي ، ويسعد ويتألم ، وتعتوره الأمراض والتحولات النفسية ، إما صاعداً وإما هابطاً ، وإما متأرجحاً بين الصعود والهبوط ، وباختصار شديد ، أوله نطفة وآخره جيفة . فكيف يتجرأ المتجرئون على القول إن هذا الإنسان هو الله ؟! &#8230;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          كل شيء يتغير ويتحول باتجاه أن يموت ويفنى ، الحيوان والنبات والجمادات . حتى الحديد الذي فيه بأس شديد ، يصدأ ويتآكل ، وكذلك جميع المعادن . { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ . سورة الرحمن الآيات ( 26 ـ 27 ) } هذا قول الله تبارك وتعالى { .. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاَ . سورة النساء الآية 122 } { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا . سورة النساء الآية 87 } . فكيف يذهبون بعيداً عن تعليم الله في قرآنه الكريم ، ويزعمون خلاف الحقيقة الناصعـة ، التي هي  وحدانيته وفردانيته وصمديته ، فيقولون بدون أي خوف ولا وجل &#8221; إن كل ما هو موجود هو الله &#8221; والله تبارك وتعالى يخاطبهم معلناً غيريته عن خلقه وتعاليه وعزته وعظمته وكبرياءه ، وأنهم هم المخلوقون وهو الخالق لهم وللسماوات وللأرض وما فيهن وما بينهن قائلاً جلَّت عظمته :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا . وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا . أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا . وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا . سورة نوح الآيات ( 13 ـ 16) } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وقوله جلَّ جلاله الذي نختم به ردَّنا على مقولة &#8221; إن كل موجود هو الله &#8221; حيث لا تنتهي الأدلة على غيريته عن خلقه :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . سورة الجاثية الآيات ( 36 ـ 37 ) } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ثم نعود إلى موضوعنا : هذا نور ما يرى فأين نور ما لا يرى ؟!  فنقول رداً على دعواهم أن الله تعالى هو في ذاته نور،  وأن كل شيء لكي يكون موجوداً ينبغي أن يكون إما منيراً بذاته أو أن يكون مضـاء بالنور . نقول إن الله تبارك وتعالى خلق الكهرباء ، وقد ظلت كامنة لا يرى لها نور ولا تُرى هي في نور ، ظلت كذلك فاعلة عاملة في نواحي الكون ، ظلت من جملة القوى الهائلة العجيبة  التي يحفظ الله بها وبقوى أخرى هائلة وعجيبة ، كما ألمحنا ، يحفظ ويدير بها ويدبِّر خلقه وممالكه ، حتى شاء لحكمة منه أن يظهرها في عصر ٍ كان في علمه وتدبيره عصر إظهارها ، فقيض لها رجلاً اسمه أديسون فكشف عنها النقاب والحجاب الأول ، ثم توالى بعده كشف الحجب عن أعاجيبها وأسرارها لتاريخه .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          يحكى أنه يوم اكتشف أديسون الكهرباء ، وأقام الدنيا وأقعدها أو أنها لم تقعد بعد ، بسبب هذه الثورة العلمية التي غيرت وجه التاريخ . وحرَّك الله بمشيئته بها المصانع والمعامل وشتى أنواع المحركات والقطارات &#8230; وأضاءَ بها ليالي هذه الأرض .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          حصلت إحدى الصحفيات الناشطات بعد انتظار على موعد مع صاحب هذا الحظ العظيم أديسون ، فزارته في معمله ، وأطلعها على أول محرك صنعه ليديره بقوة ضغط الماء ، وأكثر ما أدهشها أن أمسك بسلكين معدنيين مغلَّفين ، لا يظهر عليهما ولا فيهما أية حركة ولا حرارة ولا ضوء ، فيصلهما بقنديل كان مما جهزه ، فيضيء بسرعة وبدون عود ثقاب أو ما شابه . ثم يصلهما بقطعة معدن على فخَّارة فتحمرَّ وتصبح كالجمرة تتوهج بحرارة شديدة . هنا كان لا بدَّ أن تسأل عن الشيء أو عن القوة التي تلد أو تولِّد هذا الضوء وهذه النار الحامية . وهي لم تشاهد إلاَّ محركاً وسلكين نحاسيين بين يديه . هو يومها احتار في الإجابة . وجلَّ ما قـال ، ما كان يعرفه ، أن هذه القوة هي التيار الكهربائي . Le courant electrique  . قالت عرفت الإسم ولكن ما هو كنه وحقيقة التيار الكهربائي ، فإني أريد أن أشرح لقرائي ، وحيث أنه لم يكن يومذاك يعلم الكثير من الحقائق حول التيار ، طلب إليها أن تجلس على كرسي معدني كان في الغرفة ، ثم التفَّ وعقد الشريطين بناحية من الكرسي وضغط على الزر المتصل بهما ، فقفزت هي عن الكرسي وقد قذفها التيار الكهربائـي الخفيف ، فنظرت إلى أديسون وهي خائفة شاحبة اللون . فتبسم وقال : سيدتي هذا هو التيار الكهربائي ، فحدثي عنه قراءَك كيف تشائين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فذات التيار وكنهه وكينونته هي غير ما يلد من آثار النور أو الضوء والحرارة . هذه من جهة ومن جهة ثانية ، فإن الخلق غير الولادة .  فأن نقول إن الإنسان خلق السيارة أو الطائرة بما علمه الله تعالى من قوانين وأسرار عن الطاقة والميكانيك ، هذا غير أن نقول إن الإنسان ولد السيارة . وبهذا التقريب نفهم كم هو الإنسان أعظم وأسمى وأجمل وأعلم بما لا يقاس من السيارة والطائرة والكمبيوتر وغير ذلك من المدهشات التي أتاحها الله تعالى لخلقه .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وبنفس هذا التقريب كذلك ، ينبغي أن نفهم أن كل موجود خلقه الله ، هو غير الله ، من أعلى درجات النور الخفي الذي يظهر للعارفين بالله من أهل خاصته ، بالتجلي ، أو الإشهاد ، أو أعلى درجات النور المعروف تحت السماء الدنيا ، وحتى ولو بالتخيل أو بالتصور ، إلى آخر ما خلق سبحانه من أشياء في الأرض أو في السماوات مما يعقل ومما لا يعقل ، ومما يرى ومما لا يرى . سواء كان في النور الساطع ، أو في الظلام الدامس ، أو في غيب من غيوب علام الغيوب .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وهنا يجب أن يستوقفنا جمال وجلال وعمق قوله تبارك وتعالى  :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          هذا هو القول الفصل والحقيقة الحاسمة . وفيها أن خلقه للموجودات ، غير صدورها كأجزاء من ذاته القدسية ، وهـو : { ليس كمثلـه شـيء } جـلَّ عـن  ذلك { وسبحانه وتعالى عما يصفون } وأنه أجمل وأجل وأسمى وأعلى بدون قياس . { له المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم . } المثل الأعلى الذي ليس مثله مثيل ، وليس فوقه فوق .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولنبق قليلاً مع بعض أسرار الله تبارك وتعالى ، في هذه الطاقة المتنوعة العجيبة : الكهرباء ، ونحن ما زلنا تحت عنوان : هذا نور ما يرى فأين نور ما لا يرى ؟</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فأنت تدخل إلى بيتك ، وقناديل الكهرباء مطفأة . وإنما تسمع الغسالة الأوتوماتيكية تعمل سواءً أظهرها نور النهار أو غمرها ظلام الليل ، وكذلك المروحة ، وكذلك المصعد الكهربائي ، وكل أدوات الكهرباء التي ليست بحاجة إلى أن يظهرها النور ، ولا هي بحاجة إلى أن تُظهر النور .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ثم أين أنوار الملائكة يروحون ويجيئون بيننا في النهار وفي الليل . ما نراهم إلاَّ بآثار تصدر عنهم ، إذا شاء الله لأحد أن يشعر بهذه الآثار ، أو إذا شاء تبارك وتعالى أن يريهم لأحد متمثلين أو متشكلين بأشخاص قوله تعالى { فتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَويا } أو الملائكة الذين أتوا إبراهيم (ع) وجاءَهم بطعام ، وهم طبعاً لا يأكلون ، فانتبه إلى أن أيديهم لا تصل إلى الطعام ، قال تعالى : { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ..} ، وهكذا فإنه لا إبراهيم (ع) ولا أحد غيره تمكنه رؤيتهم إلاَّ برحمة من الله لمن يشاء من عباده .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">فأين نـور ما لا يُرى في العـادة ، ولماذا لا يظهـره النور ؟!&#8230;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">قال تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ . سورة النحل الآية 2 } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والملائكة موجودون ، والله ينزلهم ، كما هو يقول سبحانه ، على من يشاء من عباده ، وهو يحملهم هذه الرسالة الواضحة : أنه لا إلـه إلاَّ هو سبحانه ، فلا الملائكة هم الله ولا أي مخلوق في الأرض أو السماوات هو الله ، لأنه لا إلـه إلا هو ، فسبحانه عما يشركون .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وصفوة القول ، أن هذه القوى الهائلة ، والتي يحكم الله بها وبغيرها الأكوان والخلائق ، من مثل الجاذبية إلى المغناطيس إلى الكهرباء ، إلى النظم الألكترونية ، والتي ليست بحاجة إلى أن يظهرها الضوء أو تخفيها العتمة وهي تعمل دائبة ما قامت السماوات والأرض . وتدرك آثارها فيزيائياً وكيميائياً بالحسابات العلمية الدقيقة ، التي علمها ويعلمها الله تعالى لمن يشاء من عباده . هذه القوى ليست هي الله  تبارك وتعالى ، وهي موجودة ، وإنما هي كما قدمنا ، من جملة آياته الكبرى وأعاجيب خلقه ، الدالة على وحدانيته وفردانيته وغيريته وتعاليه عن جميع أصناف خلقه . ولو كان هو الرؤوف الودود ، والحليم الكريم ، والرحمن الرحيم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ثم لننظر نظرة ثانية وثالثة ، في رحاب قوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأََرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَار. لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ . سورة النور الآية 35 } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والملاحظ بوضوح مدى استعمال المعاني المجازية ، متداخلة بالمعاني الحقيقية ، ليدل سبحانه عن نور خصوصي هو ضمن النور العمومي الذي يغمر الأكوان ، وأن هذا النور المصفَّى من مشكاة المصباح لزجاجة من الدرِّ ، في مقابل الأنوار التي تنعكس من الأجرام الترابية أو الصخرية ، كما في الكواكب السيارة ومنها الأرض والقمر ، أو في عامة الأجسام التي هي أدنى جوهراً من الدرِّ . ليختص بهذا النور الأصفى والأسنى والذي هو كذلك نوره سبحانه ، ليختص به رجالاً وقلوب رجال ٍ في بيوت أذن الله أن ترفع ـ سواء كانت مساجد أو بيوتاً عادية أو أبدان أناس هي بيوت أنفسهم ـ وشيمة هؤلاء الناس أنهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة لله وإيتاء الزكواة قربة إلى الله &#8230; يعني أناس متفرغون لخدمة الله وخدمة دينه وعبادته والجهادين الأكبر وهو جهاد النفس والأصغر وهو جهاد أعدائه سبحانه . لا يريدون من الدنيا مكاسب تجارتها ولا إغراءات زينتها ، وحسبهم من ربهم الحبيب الكفاية ورضاه وحبه الذي يكمل لهم به خير الدنيا والآخرة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          هذه البيوت النادرة المنوَّرة بالنور الخاص ، ليست كبقية بيوت غير الموحدين العارفين بالله سبحانه ، وهؤلاء الرجال النادرون الذين تفضل عليهم ربهم الكريم ، الغفور الودود ، واختص قلوبهم بتجلي أسمائه بنوره الأسنى ، وبتجليات نورانية لها صفاتها المميزة جداً ، ولها درجاتها عنده جلَّت عظمته ، هؤلاء الرجـال هم أهل العرفان بالله تعالى ، سواء كانوا كمَّلاً ، أو كانوا ما زالوا في السالكين ، برعاية أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وعلى كثرة آيات النور التي يتداخل فيها المجاز بالحقيقة ، أو التي تعني المعنى الحقيقي لكلمة نور ، أو التي تعني المعنى المجازي ، نختار آية لكل حالة ، نكتفي بها اعتماداً على نورانية القارىء إن شاء الله . فبالنسبة للمعنى الأول المتداخل قوله تعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . سورة البقرة الآية 257 } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ومثالاً على المعنى الحقيقي ، قوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ . سورة البقرة الآية 17 } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وعن المعنى المجازي ، قوله عز شأنه :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          { .. فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ . سورة الأعراف الآية 157 } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><u> </u></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><u> </u></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">كلمة عن إيجابيات كتاب &#8221; هل نرى الله &#8220;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> </span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          لا بدَّ من كلمة للإنصاف ، ولمكانة العلامة الطهراني في أهل العرفان بشكل عام ، نشير فيها ، إلى أن أكثر العرفانيين ، على قدسية منازلهم من حيث السلوك صعداً في الدرجات ، إلا أنهم لم يبلغوا كمـال المعرفة بالله تبارك وتعالى ، وكيف يبلغون هذا الكمال ، وهم لم يبلغوا ولن يبلغوا كمال العلم ، في الله وفي غير الله ، حتى محمّد (ص) أوصاه ربه سبحانه قال { .. وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا } .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          يحكى أن موسى (ع) عندما جلس مع الرجل الصالح على ظهر السفينة ، كان أول درس تلقاه منه ، هو قوله له : يا موسى انظر إلى هذا البحر المحيط ما أغزر مياهه ، وما أعظم اتساعه ، وانظر إلى تلك النوارس ( طيور البحر ) ، كم يأخذ الواحد منها من هذا البحر ؟ يا موسى إن علم البشرية بالنسبة إلى علم الله تبارك وتعالى ، هو بمقدار ما يأخذ ذلك الطائر بالنسبة إلى هذا البحر المحيط .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          يقول الله تبارك وتعالى : { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأََرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . سورة لقمان الآية 27 } كناية عن لا محدودية علم الله واستحالة الإحاطة به أو استكماله . وحتى عن القرآن وحده قال عزَّ من قائل : { قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا . سورة الإسراء الآية 88 } فكيف بعلم ما في السماوات والأرض وغيب ما فيهما وبينهما .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          من هنا نقول إنه وإن كان في الكتاب المذكور للعلامة الطهراني تناقضات وشطحات ، كما ذكرنا وكما سنذكر بعضها ، إلا أن إيجابيات وفوائد جمة تنم عن درجة وصول هذا العالم المميزة والمتقدمة . نقول هذا ولو كنا في موقف المعترض على المتناقضات فقط ، ولسنا في موقف التعريض والثناء .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          هذا ، إلى أنني احتاط احتياطاً شديداً بالنسبة لإمكانية سلامة النص الأصلي للعلامة الطهراني ، وإمكانية صفائه من الشوائب ، إذ أن في مقدمة الكتاب الذي بين يديَّ أنه مترجم وأنه مختصر ، ولعلَّ الذين ترجموه واختصروه ، هم وقعوا في ما تصدينا نحـن لإصلاحـه ومناقشته . ومع ذلك كان لزاماً عليَّ ـ وجوباً ـ أن أعلن وأثير هذه القضايا الحساسة جداً بالنسبة للعرفان الحقيقي بالله تبارك وتعالى ، اعتماداً ، حصراً ، على قرآنه المقدس الكريم ، وحيث أن الكتيب المذكور أصبح متداولاً جداً ، بين أيدي الأبرياء من المؤمنين ، ولا سيما الشباب ،  وهم في هذه الأيام متعطشون لكل جديد عن الإسلام ولا سيما عن أسرار التوحيد والعلوم العرفانية ، وهذه ظاهرة رائعة ،  تنبىء بالخير العميم لنهضة هذه الأمة المباركة ، ولكن الخطر شديد في سوء التسويق والتشويق ، إذا  كانا على غير أساس الحق وأساس تعاليمه سبحانه في كتابه المجيد .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولعل ما أقوله هنا عن إمكانية وقوع الخطأ في الترجمة والإختصار ، يستحسن أن أقوله كذلك عن كتاب &#8221; وصايا عرفانية &#8221; للإمام الخميني قدس سره ، حيث أن النسخة التي علقنا عليها ، والمتداولة جداً ، هي كذلك بالعربية مترجمة عن الفارسية .</span></p>
<h2 dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>ما الهيولى ؟! </strong></span><span style="font-size: 14pt;"><strong>وما الفناء في ذات الله المقدسة ؟! </strong></span></h2>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">       <span style="font-size: 12pt;">   كذلك رجوعاً ، إلى الصفحة 18 من كتاب &#8221; هل نرى الله &#8221;  فقد ورد  في كلام المؤلف هذه العبارة : &#8221; وجعل أنفسنا من الهيولى &#8221; وهذه العبارة  : &#8221; &#8230; والوصول .. إلى الفناء في ذات الله المقدسة &#8221; .</span></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">فأولاً ، ما هي الهيولى ؟</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          الهيولى لفظة فلسفية يونانية نقلت بلفظها إلى بقية اللغات ، وكما اختلف حول مفهومها ، الفلاسفة اليونان ، كذلك تبعاً لهم ، إختلف الفلاسفة الإسلاميون . وهذا نمط من الخلاف <sup>(*) </sup>، نثبته ، كنموذج عن خلافاتهم حول أكثر القضايا الفلسفية إن لم نقل جميعها . آملاً من القارىء المشتاق إلى الحقيقة ، أن يصبر معي صبراً جميلاً لعلنا نعتاض عن مفردات القرآن الكريم ، بمفردات ومصطلحات جاهلية اليونان ، بدلاً من اشراقات نور الله في كتابه العزيـز ، الذي <strong>{ لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ . </strong>سورة فصلت الآية 42 <strong>} </strong>. معتذرين من الذين يقولون بتمددات الحضارة الإنسانية وتداخلها ، بأنه صحيح في الهوامش ، وغير صحيح في الأصول ، حيث من غير الحق القبول ، بخلط الظلام بالنور ، والعماية بالهداية والحقائق بالأباطيل . وإليك أخي الكريم ، هذا الخلاف حول الهيولى : فقد ورد تحت عنوان عقد وحل <sup>(*) </sup>، ما يلي :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          &#8221; وربما قال قائل إن هذا الرسم غير صحيح بوجوه :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">أما أولاً : فلصدقه على الهيولى الأولى لأنها جوهر يقبل الأبعاد وإن كان بواسطة الصور الجسمية فإن صحة فرض الأبعاد بالواسطة أخص من صحة فرض الأبعاد مطلقاً ومتى تحقق الخاص تحقق العام بالضرورة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وأما ثانياً : فلأن الوهم مما يصح فيه فرض الأبعاد الثلاثة كذلك للمقادير الموجودة فيه والتعليمات مع أن الوهم ليس جسماً طبيعياً .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>(*)        أنظر الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة . ج 6 ص 13   </strong> <strong>و 14 . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وأما ثالثاً : فلأن الصحة والإمكان ونظائرهما أمور عدمية وأوصاف لا ثبوت لها في العين والتعريف بالعدميات لو جاز لجاز في البسائط التي لا سبيل إلى معرفتها إلاَّ باللوازم وأما الجسم فمهية مركبة لوقوعها تحت جنس الجوهر فلها فصل تتركب هي منه ومن الجنس ولتركبها من الهيولى والصورة والتركيب في الوجود يستلزم في المهية .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          إلى ان يقول :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وبهذا يندفع كثير من الإشكالات التي تكون من هذا القبيل فإن المعلم الأول <sup>(*) </sup>حدَّ  المتصل بأنه الذي يمكن أن يفرض فيه أجزاء يتلاقى على حد مشترك ورسمه بأنه القابل لانقسامات غير متناهية ، وحدَّ الرطب بأنه القابل للأشكال بسهولة واليابس بأنه القابل لها بصعوبة فيتوهم ورود النقض بالهيولى الأولى في جميع هذه الحدود ونظائرها &#8230;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">إلى أن يقول :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولنا أن نجيب عنه بأن القبول ههنا بمعنى مطلق الإتصاف بشيء سواء كان على وجه الانفصال والتأثر التجددي الذي يقال له الاستعداد لا مطلق الاتصاف لوجود الأوصاف الكمالية في المفارقات من غير انفصال هناك ، فقبول الأبعاد الثلاثة بحسب الغرض لا يحتاج إلى انفصال مادة أصلاً ، أولا ترى أن الجسم لو كان محض الجسمية من غير هيولى لكان قابلاً للأبعاد العرضية باتفاق العقلاء ، ولهذا عرف الجسم به من لا يعتقد وجود الهيولى الأولى &#8230; أو نقول إن إمكان القبول للأبعاد صفة للجسم لا القبول فلا ينافي هذا كون القبول من جهة أحد جزئيه أولا ترى ان إمكان الإنسانية صفة للمنيّ وليس المني إنساناً فإمكان قبول الأبعاد من لوازم الجسم التي لا يحتاج ثبوتها له إلى قابلية واستعداد &#8230;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          هذا عن الهيولى .. وبقطع النظر ، عن أنه عندنا بدائل تقربنا من الحقيقة ، بل وهي الحقيقة الأصلية ، قوله تبارك وتعالى : <strong>{ .. وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسَانِ مِنْ طِينٍ . </strong>سورة السجدة الآية 7<strong> } </strong>. إلا أننا نتساءل ، إلى أين مع الفلسفة ، ولماذا هذه اللفظة أخاذة لعقول الناس . ونحن لم نجدها يوماً في التاريخ ، حلَّت مشكلة ، كان الحل فيها بديلاً عن دين رب العالمين ، في جواهره وتعاليمه ؟</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>(*)</strong><strong>        هو عند أهل الغرب سقراط  ،  وقد  اعتمد  هذه  التسمية  كذلك </strong><strong> </strong><strong>الفلاسفة الإسلاميون كما ترى . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          خلافات ، وتناقضات ، وفلاسفة كبار وحكماء  وعلماء كلام ..  فبمن يقتدي الباحث المتعلم  ، ومن يقلِّد ؟ وبكلمة أهم ، من منهم المجتبى عند الله ، نقول بعصمته ؟ فإذا كانوا جميعهم مجتبين ، فلماذا خلافاتهم الحادة هذه ، وإذا كان واحداً منهم فكيف نحصره ونحدده ؟ وإذا كانوا جميعهم غير مجتبين ، فكلهم عرضة للسقوط والإنحراف عن الحق وعن صراط الله الذي عليه الحقائق المجردات .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          إذاً ، الحكم الفصل هو القرآن وأهل القرآن ، فمن تجاوز القرآن آملاً الوصول عن طريق غيره ، ضلَّ  وارتبك  وخلَّط .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>{ .. وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . </strong>سورة النحل الآية 33<strong> } </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ثم انظر إلى هذا التناقض البيِّن : هم يقولون إنهم لا يتوصلون إلى معرفته سبحانه عن طريق العقل ، والفلسفة طريق العقل ، وهم يسترشدون بالفلسفة ، كما رأينا عن الهيولى وغير الهيولى ، عند العلامة الطهراني  في كتابه ( هل نرى الله)  وهو في هذا الكتاب كذلك يقول ما نصه بحرفيته :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ليس بمقدور الإنسان معرفة الله بواسطة الفكر والتفكير ولا حتى بطريق الإدراك ، ذلك أن الفكر والتفكير محدودان بينما الله سبحانه لا حدَّ له . فكلما حاول الإنسان جهده الإحاطة بالتفكر والقدرة العقلية كان ذلك له محالاً ، ذلك لأن صورة تفكيره ، وهو ذهنه ، هي صورة تخيليّة من صنعه وصنيعته هو ، فأين ذلك من الله عزَّ وجل <sup>(*) </sup>؟</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولا بأس أن نذكِّر هنا بما أوردناه سابقاً ، بأن رسول الله محمّداً (ص) سئل كيف عرفت الله ؟ قال : بالله عرفت الله .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وصحيح أن العقل لا يكفي للوصول إلى معرفة الله عزَّ وجل ، وحتى لا يكفي لبناء أمة أو جماعة أو أسرة من أب وأم  وأولاد أو حتى علاقة سوية بين شخصين ، وما أقصده بالبناء ، هو البناء السوي القائم على الحق  والعدل  والجمال  والحرية والفضيلة ، وهذه الركائز في بناء المجتمعات أو الأمم ، هي صبغة الله ، التي أرادها وعلمها الله تعالى للبشرية ، فإذا حصَّلها أو حصَّل بعضها  العقل فيكون ما حصلَّه ، من تعليم الله والفطرة التي فطر الناس عليها .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>(*)</strong><strong><sup>           </sup></strong><strong>ص 21 آخر سطر وما بعده . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وهنا يجـب أن ننبه إلى أن العقل الذي نتحدث عنه هنا ، هو الذي في عرف الناس ، والذي هو نتاج التفاعل بين النفس والدماغ ، وهو ليس كذلك في الحقيقة ، ولقد تحدثنا بإسهاب عن العقل الحقيقي في كتابنا  &#8221; العقل الإسلامي &#8221; فلا ينبغي التكرار . سوى ملاحظة سريعة نقول تريح القارىء الذي لم يطلع على كتابنا من الحرج ، وهي أن العقل الحقيقي إنما هو الروح ، أو النفخة التي في كلام الله تعالى ، قوله : <strong>{ .. فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا .. } </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          كم من الأمم سادت ثم بادت ، لأنها استبدلت بتعاليم الله العقل العرفي ، أي التركيب الغريزي بين النفس الأمارة والدماغ.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          هذا الدماغ ، قلنا عنه إنه ( اللب ) الأوسع نشاطاً ، أو المفاعل الأعلى خطراً في عالم الجواهر المادية ، فهو مركز التبليغ والترجمة والتفسير ، إضافة إلى الإحساس والذاكرة ، والعواطف والقدرة على الحركة ، فإن ضاق عن العقل ، تحوّل إلى الآلية والغريزية بنسبة ما يضيق ، وبقيت له هذه الأمور كما هي للدماغ الألكتروني أو المخلوقات الغريزية الراقية .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">           أما العلاقة بين العقل الحقيقي والدماغ ، هي علاقة الطاقة الغيبية الموجهة لبرمجة مفاعلها الأرقى في جواهر المادة. والنفس هي التي تسبب انفتاح الدماغ على العقل أو انغلاقه دونه ، أو  جعله في حالات بين الحالتين . يعني يكون هذا الواقع المتكيِّف ، رهن بمدى إقبال الإنسان على ربه ، أو تباعده عنه جلَّت عظمته .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وفي حال تلبس النفس بكفر أو شرك أو استكبار ، أو الوقوع في هوىً أو إثم ، ينشغل الدماغ والنفس بالحدث منصرفين عن العقل ، فتفقد النفس بذلك الهداية والسداد والرشاد، وتحاول الإستئثار ضالة ظالمة بموقع القيادة  ، مأذوناً لها بذلك تبعاً لاختيارها وتنكرها لولاية الله ورعايته ، فيتخلى عنها الله امتهاناً وإمهالاً وتحجيماً ، وليس إهمالاً أو تفويضاً . وفيها قال سبحانه :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا . </strong>سورة الشمس الآيات ( 7 ـ 10 ) <strong>} </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وباختصار شديد ، إن مجمل نشاطات الدماغ وعلاقته بالنفس حصراً ، مستقلَّين عن الروح أو الروحانيـات ، هذا المجمل هو ما يعنيه الناس بجميع درجاتهم عندما يقولون : العقل ، وهو هو  بالنتيجة العقل الفلسفي ، أو هو العقل الذي يعتمده الفلاسفة ، مستقلين به إجمالاً عن التعاليـم الإلـهية . منذ منطق أرسطو مروراً بالفلسفات اليونانية ـ الهلينية والرومانية ، والفارسية ، وفيها الزرادشتية والإثنية وغيرها وغيرها ، كل ذلك قبل الإسلام المجيد ونزول القرآن الكريم ، من لدن الله تبارك وتعالى على قلب عبده ورسوله محمّد (ص) . ثم تمددت هذه الفلسفات الوثنية ـ حيث كان تعدد الآلـهة عند جميع من ذكرنا من الأمم ـ داخلة أو مدخلة فيما سمي بعد ، بالفلسفات الإسلامية ، عند توهج الحضارة بالتوحيد وبالقرآن ، الحضارة التي أوشكت أن تعمَّ العالم ، لولا زندقة الفلسفة ، وركوبها متون الفلسفات التي ذكرت ، فضلاً عن جنوح أكثر الخلفاء عن دين الله بردة عنيفة إلى الجاهلية تارة ، وإلى الملك العقيم العضوض تارة أخرى .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          في هذا الوقت الذي كانت الفلسفة والملك الباطل والردة  تنخر بالحضارة المرشحة لخلاص العالم وإسعاده ، كان الغرب يستيقظ من ظلام أمّيته وبدائيته ، ليدخل من جديد في عهود ، هي بمقياس الآخرة ومقياس دين رب العالمين ، هي أشد ظلاماً. فكان من نتاج هذه الفلسفات في تمدداتها في الفكر الغربي الهجين ، الذي كان حتى المسيحية حوَّلها إلى وسيلة ابتزاز وسحق لعامة المسيحيين ، إنطلاقاً من ديكتاتورية الكنيسة ، مروراً بمحاكم التفتيش وقتل عباقرة العلم باسم الدين ، ناهيك عن اتخاذهم إلـهاً من دون الله ، إنساناً بشراً ، هو رسول الله عيسى المسيح بن مريم عليه وعلى أمه الصلاة والسلام .  مما أسس في الغرب حضارات زنديقة ، وليدة فلسفات مادية معلنة ، كالفلسفة التي بني عليها الإتحاد السوفياتي عالياً وشامخاً ، وفجأة دمَّره الله المنتقم الجبار ، فجعله قاعاً صفصفا . وفلسفات أخرى مادية كذلك ، وإنما غير معلنة ، كفلسفات بقية دول أوروبا الوسطى والغربية ، ثم الفلسفات التي بنيت عليها الولايات المتحدة الأميركيـة ، والتي هي أشد كفراً وظلماً وزندقة ، وتنكراً للمسيح وأمه وجميع القديسين والأناجيل . غير مرجع واحد يرجع إليه الجميع يدَّعي روحانية كاذبة مشوهة ، هي التي ستقود أوروبا وأمريكا وعامة حضارات الغرب الراهنة ، إلى دمار وانهيارات سيكون صوت دوِّيها أعظم من دويِّ انهيار ندِّها الإتحاد السوفياتي ، عنيت بهذه الروحانية الكاذبة والدجالة ،  الصهيونية العالمية ، والتي هي في هذه الأيام تحفر قبرها في فلسطين بأيدي أبنائها وأيدي المؤمنين ، الذين هم لها بإذن الله تعالى بالمرصاد .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وآتية هذه الأمة ، التي ستخلص العالم إن شاء الله .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>{ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا . وَنَرَاهُ قَرِيبًا . </strong>سورة المعارج الآيات ( 6 ـ 7 ) <strong>}  . </strong>ولا قوة إلاَّ بالله العزيز الحكيم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والآن بعد أن تحدثنا عن ( الهيولى ) وعن الشأن الفلسفي وغربته عن علم العرفان الإلـهي ، وعدم الوصول بواسطته إلى الحقائق العرفانية الصحيحة المتلائمة مع كتاب الله المجيد ، بل الشأن الفلسفي كما أوضحنا ، وكما سنتابع الإيضاح بإذنه تعالى ، يجر إلى التناقض الشديد مع بعض الحقائق المبيَّنة بالنصوص الإلـهية القرآنية التي لا تعلو عليها أية نصوص في هذه الحياة الدنيا . والتي يجب أن تكون هي المرجع الذي يحكم بحكم الله جل وعز ، في ما يصدر من تناقضات وخلافات بين القرآن المجيد من موقعه الإلـهي من جانب ، وبين الفلاسفة أو علماء الكلام أو الحكماء ، من مواقعهم البشرية من جانب آخر ، ولو كانوا ـ مما لا شك فيه ـ كثيراً ما يصيبون ، إلا أنهم في الوقت نفسه كثيراً ما يخطئون ، كما نرى بوضوح في نصوصهم التي بين أيدينا .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وإذا قيل إن تأويل الآيات قد يختلف ـ وحتى تفسيرها ـ بين مفسِّر وآخر ، أو عالم وآخر ، قلنا هذا صحيح . ولكن إذا أُخرج معنى النص عن حقيقته وعن مجازاته ، وإذا كان قلب المفسِّر أو المؤوِّل غير صالح ٍ للتلقي وغير مؤهل للتفريق بين العبارة والإشارة والحقائق القرآنية ، فلا يقتحمنَّ هذا الميدان ، فإن في ذلك حساب صعب ، كما أن فيه الثواب ، كذلك فيه العقاب ، في الدنيا والآخرة . وإذا لم يوافق التفسير أو التأويل إرادة الله عز وجل كانت الداهية الدهياء . أما الحديث المزعوم:  من اجتهد فأخطأ له أجر واحد ، ومن اجتهد فأصاب له أجران ، فينقضه قول الله تعالى : <strong>{ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه . </strong>سورة الزلزلة الايات ( 6ـ 7 ) <strong>}</strong><strong> . </strong>وأي شر هو أدهى من تحريف كلام الله أو الإنحراف بمعانيه عن إرادة الله تبارك وتعالى ! ..</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          بقي أن نجيب عن السؤال الثاني الذي طرحناه في عنوان هذا البحث ، وهو :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ما &#8221; الفناء في ذات الله المقدسة &#8221; ؟!</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          هذه العبارة هي الإشكال الثاني الذي ورد في كتاب ( هل نرى الله ) والذي وعدنا بالرد عليه<sup>(*) </sup>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          لقد أوردنا في بداية هذا الفصل ، استحالة رؤية ذات الله المقدسة ، من خلال النص القرآني وفيه طلب موسـى (ع) أن يـرى الله  عز وجل . فكانت النتيجة أن تجلىَّ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>(*)        أنظر الصفحة 133 .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> سبحانه للجبل فجعله دكاّ وخر موسى صعقا . بعد أن عمّم تعالى على البشر هذا الخبر : <strong>{ لن تراني } </strong>وهو القول الفصل الذي قاله لموسى ، وبيَّن له عملياً استحالة رؤيته من قبل خلقه سبحانه .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          هذا أولاً ، وثانياً ، من المعروف عند السالكين من أهل العرفان ، أي الذين هم في هجرة من بيوت نفوسهم إلى الله تبارك وتعالى . وقد تحدثنا في سياق هذا الكتاب عن برمجة هذه الهجرة ، كما تحدثنا في كتابنا ( العقل الإسلامي ) عن المحطات الأولى فيها ، ومما ذكرناه أنَّ فناء المهاجر ، إنما يكون ( في فِناء الله ) جلَّت عظمته وتبارك وتعالى ، وأن هذا الفَناء هو شعور الإنسان بانمحائه كلياً من الوجود ، ويكون هذا الإمحاء ، أو الأولى أن نقول هذا المحو ، غالباً أثناء السجود ، ثم يبعث الله عبده بعد محوه الذي يدوم عادة لثوان ٍ معدودات . ولأن جميع السالكين يمرون في هذه الحالة فقد تعارفوا على تسميتهـا &#8221; الصحو بعد المحو &#8221; أما  &#8221; فِناءُ الله &#8221; بكسر الفاء ، فالفِناء  في اللغة ، نقول  فناء البيت أي داره ، وفِناء الله بالمعنى العرفاني التطبيقي ، هو دار بيته العتيق  ، أي الكعبة المشرَّفة . وقد يتدرج الفَناء في المطلق ، دون تحديد مكان ما ، إلى أن يمرَّ في فِناءِ الكعبة أعزها الله ، وقد يتم الدخول إليها بالنفس الكلية . وفيها تظهر النفس الخامسة للمجتبين . وهنا يعرف معنى قوله تبارك وتعالى <strong>{ .. وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا .. . </strong>سورة آل عمران الآية 97<strong> } </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما هذه المراحل التي أوجزنا الحديث عنها ، فتتم بوضوح في اليقظة وليس في المنام كما قد يخيَّل لبعض القارئين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والخلاصة النهائية ، هي أن الفناء العرفاني ، إنما هـو  &#8221; فَناء في فِناء الله &#8221; وليس فناء في ذات الله المقدسة لأن هذا الأخير مستحيل .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ونكتفي بهذا المقدار من هذه التناقضات التي أشرنا إليها علماً أن في الكتاب المشار إليه ، غيرها ، يحصِّلها من تفضل الله عليه بتجليات نورانية من الأرقى إلى الأنقى والأصفى ومن نور عظيم إلى نور أعظم ، إلى بحر أحديته ، إلى يم وحدانيته ، إلى سعة فضاء رحمته يطير في الأفق الأعلى بجناحين لازورديين &#8230;</span></p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>بين المقهى وملعب كرة القدم</title>
		<link>https://islamicbrain.org/%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d9%87%d9%89-%d9%88%d9%85%d9%84%d8%b9%d8%a8-%d9%83%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%85-2/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[العقل الاسلامي ونهاية العالم]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 24 Nov 2023 18:33:21 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[مفتاح المعرفة - وفيه شطحات أهل العرفان]]></category>
		<category><![CDATA[بين المقهى وملعب كرة القدم]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://islamicbrain.org/?p=8495</guid>

					<description><![CDATA[&#160; بين المقهى وملعب كرة القدم : ================ قال الله تبارك وتعالى  :           { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأََمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ . [&#8230;]]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<h2 dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>بين المقهى وملعب كرة القدم :</strong></span></h2>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">================</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">قال الله تبارك وتعالى  :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأََمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ . </strong>سورة الحديد الآية 20<strong> } . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">قوله تبارك وتعالى <strong>{ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولاَدِ } </strong>فيه اعتباران ، الأول ، هو تصوير رائع لعمر الإنسان بمراحله ، منذ الطفولة ثم الصبا فالشباب مروراً ببقية مراحل العمر إلى أن يودِّع هذه الدار الدنيا . فاللعب ـ حسب طبيعة العمر ـ مختص بالطفولة ثم اللهو مقارن لمرحلة الصبا ، ثم التزين في أعلى درجاته رهن بالشباب ثم التفاخر ، عندما يبدأ الشباب الصراع الحقيقي لإمتلاك الدنيا ، زوجةً مميزة وداراً يبذل أقصى الجهد لأن يجعلها أحسن أو أفخم من دور أقرانه ، ثم التباهي بالسيارة حجماً ونوعاً وتألقاً ما أمكن له ذلك .. ثم يدخل في صراع آخر من أجل البقاء ، يخالطه إضافة إلى حب التباهي والتملك ، الخوف من المستقبل ، فيحرص على الإكثار من المال وتخزينه وكذلك إعداد الأولاد ، تعليماً وتوجيهاً وتثبيتاً للمساعدة والمشاركة في نيل هذا الهدف .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما الإعتبار الثاني المفزعة صورته ، هو أن تجتمع هذه المراحل كلها في صورة واحدة على إنسان وذَّع المراحل التي يمكن الغفران معها ، وهي الطفولة والصبا وبعض سن الشباب ، ودخل سن الكهولة وما بعدها ، وظل يلعب ويلهو ويتصابى إضافة إلى التفاخر والتكاثر أموالاً وأولادا .. وهذه المرحلة من العمر فيها تشدد من الله سبحانه على عباده ، حيث لا يقبل منهم لا لعباً ولا لهوا ولا تفاخراً ولا تكاثرا ..</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وأكثر من ذلك ، فإنه سبحانه  كما هو وارد  في الأخبار الموثوقة عقلاً ونقلاً ، يحب الشباب الوقورين الجادين ولا يحب الكهول الماجنين المتصابين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وفي الآية الكريمة تأكيد لقبوله سبحانه أو محبته للإنسان الجاد الوقور ، يعني الإنسـان التقي ، وكراهيته لأهل اللهو والعبث والمجون . وذلك في قوله تبارك وتعالى : <strong>{ .. كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ .. } </strong>وقبل أن أشرع بشرح المطلب ألفت إلى أن بعض المفسرين ، اعتبروا كلمة ( الكفار )  في الآية ، هي بمعنى الزراع ، وهذا ليس صواباً ، والصواب هو ظاهر القول ، وبداهة العقل واللغة ، فكلمة ( الكفار ) تعني الكفار بالله أو بدينه أو بتعاليمه بعضاً أو كلاً . فالنبات بخضرته ونضرته ، ليست رؤيته حكراً على الزراع ، بل هو يلفت جميع الناس ، ولا سيما كما هو مقصود الآية  : الأكثر تعلقاً بالدنيا ومباهجها ومكاسبها ، وهم الكفار ، حيث ليس عندهم بديل عنها ، أوليس عندهم ـ باعتقادهم ـ ما هو أفضل منها ، بخلاف المؤمنين ، الذين قلما تشدهم مفاتنها من نبات وثمرات ، وإذا شدهم شيء من ذلك فليسبِّحوا الله ويعظموه ويشكروه على ما أبدع من جمال وجلال متعاً للعقل والقلب والعين ،  وقد ورد في أدعية المؤمنين : &#8221; اللهمَّ إنا نسألك من جمالك بأجمله وكل جمالك جميل ، اللهمَّ إنا نسألك بجمالك كله &#8221; . فلا حرص ولا دهشة ولا تعلُّق ، بمغريات الدنيا وجناتها وبساتينها ودورها وقصورها ، إذ ما عند الله للمؤمنين ما هو خير وأجمل وأبقى . وهم لا يعيرون الدنيا إهتمام الكفار ، لأنهم يدركون تعليم الله في آياته الكريمات ، ولا سيما في هذه الآية التي بين أيدينا ، حيث يتابع سبحانه فيقول : <strong>{ .. ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا .. } </strong>أي الغيث الذي يعجب الكفار نباته ، أي أنه يندثر ويتحطم ولا يبقى منه لأصحابه شيء . وهذا كناية عن موته عنهم وفنائه ، ثم كناية عن موتهم هم ، ولو كان ما يفتنهم من شأنه أن يعمر أكثر منهم إن كان من شجر أو حجر أو ما شابه ذلك ، فموتهم عنه ، فناؤه عنهم مجازاً ، وبالتالي هو إلى زوال ولو بعد حين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولو أن الأمر انتهى هكذا ، بفنائهم عن الدنيا أو فنائها عنهم ، لكان من السهولة والراحة بمكان ، أن ينظم الإنسان حياته على هذا الأساس . ثم ينام قرير العين نومـة أبدية ، لا حياة بعدها ولا حساب ولا عقاب . إلاَّ أن الحق أعظم من ذلك وأعدل ، فالحق أحق أن ينتصر ، والباطل أولى أن يخزى وأن ينهزم . وبقية الآية الكريمة تأكيد لهذا الحق ، قوله تبارك وتعالى: <strong>{.. وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ } </strong>. يعني نهاية الإنسان باختصار شديد : إما إلى جنة  إما إلى نار . والحياة الدنيا ، كل ما فيها ليس له قيمة حقيقية ، فهو لباس يبلى وأثاث يفنى ، إلاّّ الصالحات من الأعمال مع الإيمان توحيداً بغير شرك ولا نفاق. فهذا هو الزاد الذي يُقبل ويتنامى في الآخرة حيث يجده أصحابه في موازينهم يوم القيامة . وهذه آيات كريمات تفصح خير إفصاح عن عدالة الله عزت عظمته ، وعن مسؤولية الإنسان في سلوكه وتطلعاته ، وصدقه أو كذبه ، وعن منزلته ونتائج أعماله في الدار الآخرة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"> قال تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ . فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ . وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ . تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ . أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ . قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ . رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا</strong> <strong>فَإِنَّا ظَالِمُونَ . سورة المؤمنون الآيات</strong> ( 101 ـ 107 ) <strong>}.</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فحكاية الموازين هنا ، هي التي توزن فيها الأعمال ، أي تقوَّم من حيث جهاد أصحابها في سبيل الله ومواقفهم منتصرين له ومنتصرين به سبحانه . إلى الجود بالأنفس والأموال وبكل ما يملك الإنسان تقرباً إلى الله عزَّ وعلا ، فكل ذلك مما يثقل الميزان لصالح الإنسان المؤمن الموحد . وخلاف ذلك اللاعبون اللاهون المستهزئون بآيات الله ، وبالمؤمنين وعشقهم لله ، بل وفنائهم في حبه . <strong>{ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ . رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ } </strong>أي أنهم يتضرعون يومها إلى الباري ليخرجهم من النار وعذابها ، فيتلقون الصدمة المزلزة لكيانهم ، قوله تعالى : <strong>{ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ . إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ . فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ . إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ . قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأََرْضِ عَدَدَ سِنِينَ . قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ . قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ .</strong> سـورة المؤمنـون الآيات ( 108 ـ   115 ) <strong>} . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          هذه الآية الأخيرة ، قوله تعالى : <strong>{ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ } </strong>لها مصاديق كثيرة في المجتمعات البشرية ، أناس عبثيون ، ضائعون ، يهربون من أنفسهم تارة ، ومن الحقائق القوية التي تواجههم تارة أخرى ، وأكثر ما يلجأون لنفض المسؤولية عن أنفسهم ، إلى اللهو واللعب . وأماكن اللهو واللعب للكبار أكثر من أن تعد أصنافها ، وهي بين حرامٍ وحلالٍ مزعوم ، تفوق عدد بيوت العبادة والمكتبات والنوادي الثقافية مئات المرات . إلاَّ أن بؤرتين أصبحتا أكثر أماكن اللهو استقطاباً للناس هما المقاهي وملاعب كرة القدم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما المقاهي ، ويتفرع عنها الكباريهات والكازينوهات وغير ذلك مما هو ظاهر فوق الأرض أو مخبَّأ تحت الأرض ، فهي تؤوي المترفين من الجنسين ، وفي معظمها يباع الفسق وأنواع الفجور غير القمار والمراهنات الكبيرة والصغيرة حسب أحوال روادها ومستوياتهم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          يبقى أن نستثني بعض أهل الفكر ، الذين لهم مفاهيمهم أو منتدياتهم التي يقصدونها إما لكتابة أو لمطالعة ، أو للإجتماع بأقران لهم ، في مستويات تتراوح بين مراودة الإلحاد أو مراودة الإيمان .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما الأكثرية الساحقة من أنواع هذه المقاهي . فهي مجتمعات خاوية خالية من أي معنى إنساني أو أخلاقي أو إجتماعي ، خلاصتها تدخين وألعاب تتداول على الطاولات بين شخصين أو عدة أشخاص . سألت مرة جماعة يلعبون&#8221; الورق &#8220;: بماذا تتحدثون وأنتم تجلسون ساعات طويلة ، بين الثلاث والأربع ساعات على كل لعبة ؟ قالوا لا شيء وإنما نلعب . قال أحدهم نردد ، جميعنا ، كل واحد بدوره أربـع كلمـات : هـي &#8221; بستوني وكُبَّا وديناري وسباتي &#8221; وهي أسماء عالمية لأصنـاف &#8221; الورق&#8221;  الذي يلعبون به بين أعلى مستويات القمار وأدنى مستويـات التفاهة . والخلاصـة في أحسـن حالات اللهـو</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">&#8221; البريء &#8221; هذه ، هي : هدر الساعات الطويلة ، مع كل لعبة من عمر هذا الإنسان اللاعب اللاهي الذي يهرب من مواجهة الحقائق الناصعة التي لخصتها الآية الكريمة التي نحن بصددها.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          هؤلاء هم المترفون ، والترف ليس بالضرورة أن ينتج عن ثراء ، فالترف هو حالة استكانة واسترخاء ذهني وفرار من المسؤولية ، وهو سواء كان ناتجاً عن ثراءٍ أو عن استعداد للتكاسل وعدم احترام الذات ، فقد قبَّحه الله سبحانه وقبَّح أصحابه وتوعدهم بالعقوبة والعذاب ، قال تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ . فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ . وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ . لاَ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ . إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ . </strong>سورة الواقعة الآيات ( 41 ـ 45 )<strong> } .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما تقويم الأمر بين الحلال والحرام ، والإدعاء بأن أنواع اللهو هذه مباحة ، ولذلك إقدام الكثرة الكاثرة من الناس عليها ، فالحقيقة ، في هذا الموضوع مناقشة ، لمن أفتوا بحلية هذه الألعاب بأنواعها والتلهي بها . وأدنى هذه المناقشة هي أولاً مواجهتهم بالآية الكريمة التي نحن بصددها ، وما يساندها من الآيات ، كالتي ذكرنا عن المترفين . وآية سورة الدخان ، قوله تعالى : <strong>{ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ . </strong>الآية 9<strong> } </strong>وقولـه جلَّت عظمته : <strong>{ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ . </strong>سورة الأنبياء الآية 2<strong>} . </strong>وإذا كان الإستنباط يقتضي أول ما يقتضي إعتماد كلام الله وتعليمه في كتابه الوحيـد المجيد ، فما معنى اطِّراح هذه الآيات وغيرها الكثير من نمطها في كتاب الله ؟! هـذا أولاً ، وثانياً ، لماذا عدم التصدي لطرح بدائل فيها الجدّ وفيها الإستقامة وفيها تحمُّل المسؤولية أمام الله وأمام عباده ، من كل ما يحفظ كرامة الإنسان وشرف الإنسان وشهامته ومصيره في الدنيا والآخرة . وهذه البدائل كذلك مبثوثة في كتاب الله العزيز ، والإستنباط منها سهل يسير لمن كان له قلب أو ألقى السَّمع وهو شهيد .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          قد يتأفف من لا يعي حقيقة مسؤولية العباد في حياتهم الدنيا ، أمام ربهم ومصيرهم إليه سبحانه في يوم الفصل ووضع الموازين : <strong>{ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ . فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ . وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ . فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ . </strong>سورة القارعة الآيات ( 6 ـ 9)<strong> } .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          &#8221; روِّحوا عن قلوبكم ساعة بعد ساعة ، فإن القلوب إذا ملَّت كلَّت &#8221; حديث صحيح ، ونحن معه قولاً وتطبيقاً ، في السلوك الشخصي ، وفي المجال الوعظي والتربوي ، والترويح عن القلوب وعن الأنفس يتم بجماله وكماله بعيداً عن أنواع اللهو، هذه التي هي أشبه بسجن للقلوب وتكبيل للأعصاب . الترويح عن القلوب وعن الأنفس ، يتم بسلامة واستقامة وعبادة مقبولة بين عالمي الفكر والطبيعة ، بروائعهما جمالاً وجلالاً وفتوحات جمال وجلال ، وحفاظ بينهما على العقل  والقلب والنفس من الإنحلال والتهتك والخسران المبين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وإليكم أهمَّ مثل عن تهتك العقل وسقوطه إلى مستوى الأقدام ، تقوده فينقاد ، متلبساً كرة مطاطية تتقاذفها أمام الجماهير المهووسة أقدام اللاعبين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          عجيب هذا الإنسان القاعد في مدرَّج ملعب كرة القدم ، أو أمام التلفاز ، صالباً وجهه ساعاتٍ ، بل وأياماً متتاليات وعيناه مزروعتان في كرة القدم وأقدام اللاعبين ، وفكره يعدو مع هذا اللاعب ويركض مع ذاك ، ويتأزم تارة ويفرح أخرى بين اللحظة واللحظة ، أو بين القذفة والقذفة ، إلى أن تنتهي اللعبـة ، فينهض إما غاضباً ومن أي شيء ؟ من لا شيء . وإما سعيداً من أي شيء ، كذلك من لا شيء . حسب منطق العقل لا منطق الهوَس .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          هذا الوصف الذي وصفته ـ موجزاً ـ للإنسان المتفرج على هذه اللعبة ، أو هذا اللاعب بعقله ، ينسحب على الستـة مليارات إنسان الذين هم اليوم يسكنون أرضنا إلاَّ قليلاً ، يعني إلاَّ من رحم ربك .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ففي أيام &#8221; المونديال &#8221; ، وهو الإسم العالمي ، للعبة كرة القدم ، حيث تتبارى بها دول العالم ، حسب أنظمة وتشريعات دقيقة ، وربما معقَّدة ، وكلها متوجهة إلى أقدام اللاعبين وحركاتهم وسكناتهم ، حتى إذا قذف قاذف الكرة وأرساها في هدف خصمه ، هاجت جماهير المؤيدين وماجت ، وعلا الصياح والهرج ، وكما في الملعب ، كذلك في مدن العالم وقراه والشوارع والأحياء ، وأعماق الدور والأكواخ والقصور .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فما هو السر يا ترى في كل ذلك ؟ فالأمر عجب ، وفيه أكثر من غرابة . منذ زمن وأنا أفكر في هذه اللعبة التي تستقطب الجماهير العالمية ، وفي غيرها من الألعاب ، مثل الكرة الطائرة وكرة السلة ، وقد أكون مارست بعضها في شبابي وقبـل ذلك في صباي ، وأنا الآن أتذكر وأفكر ، فلم أجد لذلك سراً ولا نكهة مميزة ، لا عقلية ولا نقلية ولا جدلية ، سوى أنها لعب .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فهل بلغ مستوى الست مليارات عالم ، إلاَّ قليلاً ، أن تداس أفكارهم وآمالهم تحت أقدام لاعبي كرة القدم ؟</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فمن هم هؤلاء اللاعبون يا ترى ، وأين سر قوتهم وعبقريتهم ، وما هو مستوى  ثقافاتهم ، حتى استطاعت حركـات أرجلهم أن تهيمن على ستة مليارات من البشر إلاَّ قليلاً ؟</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          صدق الله العليُّ العظيم ، قوله تبارك وتعالى : <strong>{ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ . مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ . لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ .. . </strong>سورة الأنبياء الآيات ( 1 ـ 3 )<strong> } .</strong></span></p>
<h2 dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>بين اللعب العبثي والرياضة المفيدة :</strong></span></h2>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>=================</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">    <span style="font-size: 12pt;">      اللعب أخضع حتى الدول لعبثيته . فهي تتنافس بتوتر وحماس شديد لبضعة عشر لاعباً يمثلون كل أمة ، أو كل دولة . ويشدون أبصارهم وأعصابهم ، قيادات وجماهير ، معلقين كرامة شعب بأكمله ، على النتيجة التي تحصِّلها زمرة اللاعبين ،  إما انتصاراً وإما انكساراً . وملايين الناس تمثلهم الزمرة اللاعبة تمثيلاً قسرياً ، يعني شاؤوا أم أبوا .</span></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والحقيقة أن المشكلة هي في الناس الناعقين مع كل ناعق والمائلين مع كل ريح . والذين مثلهم في هذا المجال ، كمثل القرعاء التي تفرح بشعر إبنة خالتها . حيث أنهم متفرجون قاعدون ، لا عن فوائد الرياضة وحسناتها فحسب ، بل هم يهدرون ، إضافة إلى الوقت الثمين ، أعينهم وأعصابهم .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ويا حبذا لو يمارس الرياضة جميع الناس ، ومن كل سن ، تلك هي الحقيقية المطلوبة ، لا لعباً ولا لهواً ، وإنما بدافع الواجب ، الذي هو الحفاظ على أنفسهم وعقولهم وأبدانهم لتبقى سليمة معافاة . فالأنفس والأبدان أمانات هي لله تبارك وتعالى ، وإهمالها أو إتلافها بشكل من الأشكال ، بما يضرها ، أو تعريضها للضعف والوهن ، كل ذلك خيانة نسبية لهذه الأمانة ، والتي هي ضمن الأمانة الكلية ، عنيت بها دين رب العالمين . وخير ما نختم به موضوعنا هذا ، هو قوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاَ . </strong>سورة الأحزاب الآية 72<strong> } .</strong> أي بخيانتها كان ظلوماً جهولاً . وإلاَّ فهو من أولياء الله  المقربين المحبوبين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين . </span></p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>هل المحبة والرحمة تعليم إلـاهي لجميع ما خلق الله ؟! :</title>
		<link>https://islamicbrain.org/%d9%87%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%a8%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%ad%d9%85%d8%a9-%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%85-%d8%a5%d9%84%d9%80%d8%a7%d9%87%d9%8a-%d9%84%d8%ac%d9%85%d9%8a%d8%b9-%d9%85-2/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[العقل الاسلامي ونهاية العالم]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 24 Nov 2023 18:24:36 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[مفتاح المعرفة - وفيه شطحات أهل العرفان]]></category>
		<category><![CDATA[هل المحبة والرحمة تعليم إلـاهي لجميع ما خلق الله ؟! :]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://islamicbrain.org/?p=8487</guid>

					<description><![CDATA[&#160; هل المحبة والرحمة تعليم إلـاهي لجميع ما خلق الله ؟! : ============================           أحد كبار العلماء في بعض رسائله العرفانيـة يقـول : &#8221; فاجعل نظرتك إلى جميع الموجودات وخصوصاً البشـر ، نظـرة رحمـة ومحبة &#8230;&#8221; وفي سياق آخر من رسالته يقول : &#8221; ولو زال الحجاب لاتضح لنا أن كل ما هو منه جل [&#8230;]]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<h2 dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>هل المحبة والرحمة تعليم إلـ<sup>ا</sup>هي لجميع ما خلق الله ؟! :</strong></span></h2>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">============================</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">          أحد كبار العلماء في بعض رسائله العرفانيـة يقـول :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">&#8221; فاجعل نظرتك إلى جميع الموجودات وخصوصاً البشـر ، نظـرة رحمـة ومحبة &#8230;&#8221; وفي سياق آخر من رسالته يقول : &#8221; ولو زال الحجاب لاتضح لنا أن كل ما هو منه جل وعلا محبوب ، وكل ما هو مبغوض فليس منه ، وهو بالتالي ليس موجوداً . &#8220;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">          وسؤالنا : هل تقر التعاليم الإلـ هية هذين المبدأين ؟</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">          طبعاً ، إنّ مرجعنا الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فهو الكلام الفصل ، هو كتاب الله ، القرآن الكريم  . فماذا في القرآن الكريم ، حول هذين المبدأين ؟ .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">أولاً : بالنسبة للمقولة الأولى : فاجعل نظرتك إلى جميع الموجودات  وخصوصاً البشر نظرة رحمة ومحبة ، يقول الله تبارك وتعالى : <strong>{ &#8230; وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ &#8230; </strong>سورة هود الآيات ( 118 ـ 119<strong>) </strong><strong>} . </strong>أي خلق الجميع ليرحمهم ، ولكن الذين لا يزالون مختلفين لا تنالهم رحمته سبحانه ، تنال فقط  الذين استثناهم في الآية الكريمة كما هو واضح .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">          ثم قوله سبحانه في أول سورة الممتحنة  : <strong>{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">          وقوله تبارك وتعالى هذه الآيات التي تطلع على الأفئدة وتهز النفس المؤمنة هزاً عميقاً :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ َلا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ . هَاأَنْتُمْ أُوْلاَءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . إن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ . </strong>سورة آل عمران الآيات ( 118 ـ 120 <strong>) </strong><strong>} . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">          رغم أن هذه الآيات الرائعات غنية عن البيان إلا أن إشارتين فيهما أقوى من ان يمر عليهما دون توقف ، أولاهما قوله تعالى : <strong>{ هَاأَنْتُمْ أُوْلاَءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ </strong><strong>.. </strong><strong>} </strong> وواضح أنه من العجز والغبن والغباء أن نكن المحبة لمن يبغضنا ، أما قول المسيح الذي تأثر به ودار حوله بعض العرفانيين ، حيث قال (ع) &#8221; أحبوا أعداءَكم &#8221; فقد نسخه هو ونقضه في أكثر من موقف . من ذلك غضبه وإشهار سوطه يضرب به وجوه الباعة وظهورهم بدعوى أنهم دنسوا الهيكل بما يبيعون <sup>(*)</sup> . ومن ذلك موقفه من بطرس ، أحد تلاميذه ، حيث امتشق سيفه يقاتل به وبضراوة  قوماً ، كانوا بدسيسة من اليهود ، يعذبون المسيحيين ويضطهدونهم . فقال له المسيح والسيف يقطر دماً من أعدائه : &#8221; يا بطرس أنت الصخرة التي ستقوم عليها الكنيسة &#8221; يقول  ذلك مادحاً لبطرس مسروراً بفعلته . فأين من ذلك محبة الأعداء الحاقدين المبغضين وأين من ذلك رحمتهم ؟! .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">          أما الإشارة الثانية في الآيات الرائعات ، فقوله تبارك وتعالى  : <strong>{</strong><strong> .. </strong><strong> قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ </strong><strong>.. </strong><strong>} </strong>وهو خطاب للنبيّ (ص) وخطاب لكل قرآنيّ مؤمن ومسلم . وكذلك  هو واضح أن صيغة هذا الأمر الذي يأمرنا به الله تعالى في مواجهة مبغضينا والحاقدين علينا  والمتمنين لنا أسوأ أنواع الهلاك ، أن هذه الصيغة <strong>{</strong><strong> .. </strong><strong> قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ </strong><strong>.. </strong><strong>}</strong> لا يمكن أن نحمِّلها الرحمة والمحبة . وأهم ما نستفيده من روح الآيات أن الله عزت عظمته ، يريد لنا العزة والشرف والعدالة ، ولا يرضى لنا الذلـة والمهانة ، خاضعين لذابحينا ومريدي إبادتنا ، يقتلون الأطفال ويهتكون الأعراض ، ونقابلهم بالمودة والرحمة ، ونرش عليهم الأرز والرياحين والزنابق .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">          وأخيراً ، نعم يمكن أن نقول أن رحمته سبحانه شملت كل شيء ، ولكن لم تشمل محبته كل شيء .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">          أما بالنسبة لقول القائل : &#8221; ولو زال الحجاب لاتضح لنا أن كل ما هو منه جلَّ وعلا محبوب ، وكل ما هو مبغوض فليس منه وهو بالتالي ليس موجوداً  &#8221; .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">          وهذا الكلام من عجيب التحكم ، وهم يقوِّلون الله عكس ما يقول  سبحانه ، أو أنهم</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>(*) يبيعون الأبقار والأنعام وأنواع الماشية حيث كانت تدنس بقذاراتها .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;"> يردّون على قرآنه ـ والقرآن كلامه ـ بخلاف نصوصه الواضحة لكل من يعي ويسمع ويبصر ، ولا سيما النصوص غير القابلة للتأويل ، ومنها قوله تبارك وتعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>{ &#8230; وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ . </strong>سورة البقرة الآية 205<strong> } .</strong> وقوله تعالى : <strong>{ &#8230; فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ . </strong>سورة آل عمران الآية 32<strong> } .</strong> وقوله تعالى : <strong>{ &#8230; وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ . </strong>سورة آل عمران<strong>  </strong>57<strong> } . </strong>وغيرها من أقواله تعالى أنه : <strong>{ </strong><strong>.. </strong><strong>لا يحب</strong><strong> ..</strong><strong> }</strong>  لم نتتبعه إلى النهاية  مكتفين بما أوردناه .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">          فهو سبحانه يحب ولا يحب . وقد ذكرنا أمثلة مما لا يحب ، وهذه أمثلة مما يحب تبارك وتعالى ، كذلك نكتفي ببعضها ، ودائماً وبالضرورة  من القرآن الكريم :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">          قال تعالى : <strong>{ &#8230; إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ . </strong>سورة البقرة الآية 195<strong> } . </strong>وقال سبحانه : <strong>{ &#8230; إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ . </strong>سورة البقرة الآية 222<strong> } . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">          وفي زعم الزاعم  ( أن كل ما هو منه جلَّ وعلا محبوب وكل ما هو مبغوض فليس منه وهو بالتالي ليس موجوداً ) هذه العبارة تذكرنا بفلسفة  الوجودية وشطحات أصحابها  والتي حلَّ لهم مشكلتها &#8221; ديكارت &#8221;  بقولته المشهورة : &#8221; أنا أفكر فأنا موجود &#8221; .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">          فالله عز وجل ذكر أشياء وموجودات  قال إنه تعالى لا يحبها مثل الفساد والطاغين والكافرين فكيف من زعم أنها غير موجودة  وهو في مقامه من أولى مهماته أن يرجع إلى القرآن الكريم كعالم مسؤول عن العقيدة وعن تبليغها ، ولا سيما أن كلام العلماء الكبار وكتاباتهم يقتدي بها الملايين في مشارق الأرض ومغاربها .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">          ومعاصي الجن والإنس موجودة ، وصحيح أنها ليست من الله ، بل من أصحابها ولكنها موجودة ومبغوضة  ، بعكس ما أورده ( قدس سره ) . ومن أكبر الموجودات في الآخرة جحيم النار التي توعَّد بها الله المعاندين والعصاة  والكافرين والمشركين والمنافقين والمكذبين إلخ &#8230;  موجودة وهي ليست محبوبة ، وقطعاً هي مبغوضة عند كل من يعقل ويتأمل . وكذلك  العذاب في الدنيا والآخـرة هو مبغوض وهو موجـود . قولـه تعالى : <strong>{ فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ . وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ } . </strong>( وبعدها ) <strong>{ يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ . ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً . فَادْخُلِي فِي عِبَادِي . وَادْخُلِي جَنَّتِي . </strong>سورة الفجر الآيات ( 25 ـ 30 ) <strong>} . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">          وأكثـر من ذلك ، فإن الله تعالى لا يرضى لنا أن نحب نحن ما لا يحبه هو سبحانه . كما ولا يرضى لنا أن نبغض ما يحبه هو عزت عظمته .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">          قد يقول قائل : صحيح إن الله تعالى  لا يحب  ولكنه لا يبغض . بلى ، ليس الأمر هكذا ، قال تبارك وتعالى عن قومٍ يبغضهم <strong>{ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ . </strong>سورة المائدة الآية 80 <strong>} . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">          بقي أن نقول أن  تطبيق القولين المفتريين  على القرآن الكريم ، يستحيل من قبل الدعاة إلى الله  المجاهين في سبيله الذابين عن دينه ، الساخطين لسخطه ، الراضين لرضاه ، المحبين ما يحب ، المبغضين ما يبغض  ، سواء  كان جهادهم  بالسيف أو القذيفة  أو الكلمة المكتوبة أو المسموعة ، شعراً ونثراً ورسماً أو تمثيلاً أو بأي فن من الفنون التي تتشرف بحب الله وتتقرب من مجده وفردانيته  ووحدانيته في ألهانيته .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;">          ثم إننا كمسلمين  ممنوعة علينا الرهبانية فـ &#8221; لا رهبانية في الإسلام  &#8221; وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .</span></p>
<h2 dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>تناقض يحسمه القرآن الكريم :</strong></span></h2>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">==========================</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 14pt;">    <span style="font-size: 12pt;">      يقول أحد العلماء  الكبار في بعض كتبه :</span></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          &#8221; إعلم أن ليس لأي موجود من الموجودات ، بدءاً من غيب عوالم  الجبروت  وإلى ما فوقها  أو تحتها ، شيء من القدرة أو العلم أو الفضيلة . وكل ما فيها من ذلك إنما هو منه جلَّ وعلا . فهو الممسك بزمام الأمور من الأزل إلى الأبد ، وهو الأحد الصمد . فلا تخش  من هذه المخلوقات الجوفاء الخاوية الخالية ، ولا تلق آمالك عليها  أبداً ، لأن التعويل على غيره تعالى شرك ، والخوف من غيره جلَّت قدرته كفر &#8221; .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ويقول في مكان آخر ، من نفس الكتاب ، ما يتناقض تماماً مع هذا الكلام :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          &#8221; وإنما الأمل بفضل الله وإمداد أوليائه عليهم السلام &#8220;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">فتارة هو يحصر كل خير بالله عز وجل ، وهذا فهم قرآني صحيح : <strong>{</strong> <strong>بيده الخير</strong> <strong>وهو على كل شيء قدير</strong> <strong>}</strong> وتارة يعوِّل على إمداد أوليائه عليهم السلام . وهو كان قال في الفقرة  الأولى &#8221; أن التعويل  على غير الله تعالى شـرك والخوف من غيره جلت قدرته كفر &#8221; .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وهذا التناقض ، يبلبل القراء والأتباع الذين بالملايين . فيوقعهم في الشرك وفي الكفر ، من حيث لا يقصد ولا يقصدون والحقائق القرآنية تؤيد ما قاله في الفقرة الأولى ، وفي هذه الحقائق تعريف الله تبارك وتعالى نفسه ، وتعريفه نفوس المخلوقين ، ثم تعريفه سبحانه  العلاقة بينه وبين خلقه . وما جاء في القرآن الكريم عن ذات الله  وعن حاكميته  للكون جملة وتفصيلا ، لم  ينـزل في كتـاب قبل القرآن الكريم  ولم يتشرف بمعرفته أحد قبل رسول الله محمّد (ص) ، حتى من الأنبياء والمرسلين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولقد ذكرنا في كتابنا &#8221; مفتاح المعرفة الجزء الأول &#8221; بعض الفروق السافرة والمميزة جداً ، بين محمّد (ص) وقرآنه المنزل عليه ، وبين موسى وتوراته وعيسى وإنجيله عليهما السلام ، وبين نظر كل واحد من الثلاثة إلى الله وإلى الوجود ، ثم علاقة كل واحد منهم  بربه سبحانه ، بناءً على مدى معرفته به ، أو  بناءً على مدى ما اختصه الله به من المعرفة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          من مفاتيح معرفة الله تعالى في القرآن الكريم :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">قوله تعالى       : <strong>{ هُوَ الأَّوَّلُ وَالآخِرُ  وَالظَّاهِرُ  وَالْبَاطِنُ  وَهُوَ  بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . </strong>سورة الحديد الآية 3<strong> } . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وقوله تعالى      : <strong>{ &#8230; وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ &#8230;  </strong>سورة  الحديد الآية 4  <strong>}</strong>  .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وقوله تعالى      : <strong>{ &#8230; مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُـمَْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ &#8230; </strong>سورة المجادلة الآية 7<strong> }</strong> <strong>.</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وقوله تعالى      : <strong>{ &#8230; وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَنًا إِنَّ  اللَّهَ سَمِيـعٌ عَلِيمٌ . </strong>سورة الأنفال الآية 17<strong> } . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وقوله تعالى      : <strong>{ &#8230; أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ . </strong>سورة فصلـت الآية 54<strong> } .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وقوله تعالى      : <strong>{ &#8230; وَأَنَّهُ عَلَـى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .  </strong>سورة الحج الآية 6<strong> } . هذه الاية كررها الله سبحانه وتعالى</strong> <strong>في أكثر من سورة وبحدود 50 مرّة ..</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وقوله تعالى      : <strong>{ &#8230; هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ &#8230; . </strong>سورة الرعد الآية 33<strong> } .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وقوله تعالى      : <strong>{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ . </strong>سورة ق الآية 16<strong> } .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وقوله تعالى      : <strong>{ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ &#8230; </strong>سورة الأنفال الآية 17<strong> } .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وقوله تعالى      : <strong>{ وَهـُوَ الَّذِي فِي السَّمـَاءِ إِلهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ . </strong>سورة الزحرف الآية 84<strong> }</strong> <strong>.</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وقوله تعالى      : <strong>{ &#8230; يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ&#8230; </strong>سورة البقرة الآية 255<strong> } .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          هذه المفاتيح لمعرفة الملِك الحق ، لا يوجد مثلها في الكتب والتعاليم الإلـهية التي أنزلت قبل رسول الله محمّد (ص) إلاَّ الدعوة إلى التوحيد ، ونفي الشرك عن الله تبارك وتعالى ، حيث كانت البشرية ، غير مؤهلة بعد ، عقلياً وعلمياً ، لإدراك هذه الحقائق الكبرى .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>هل المخلوقات هي الله ؟!</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">====================================</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          لذلك ، وبعد نزول القرآن الكريم ، على رسول الله محمَّد (ص) وبعدما أنزل عليه (ص) من الأحاديث القدسية ، التي تسبر أغوار الكتب السماوية ، ولا سيما أغوار القرآن الكريم ، استأثرت هذه المفاتيح بعقول الفلاسفة ، وأهل العرفان وجماعات الصوفية وأكابر العلماء ، حتى جماعة الكهنوت عند رهبان النصارى وأحبار اليهود . وكانت المشكلة المحنة هي قضية وحدة الوجود أم عدم وحدته .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما الذين نزَّهوا الله بما نزَّه هو عنه ذاته سبحانه فقد رفضوا حكاية وحدة الوجود ، أي أن يكون الله متحداً بالكون جملةً وتفصيلاً ، وهو الذي قال وفصَّل أنه كان قبل الكون وأنه هو سبحانه القديم الموجود الذي خلق الوجود . قال تعالى : <strong>{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ . </strong>سورة الإخلاص<strong> } .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقال تعالى :<strong> { ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ . </strong>سورة الأنعام الآيـة 102<strong> } .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>          </strong>وقال تعالى : <strong>{ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ . </strong>سورة الرعد الآية 16<strong> }</strong> <strong>. </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقال تعالى : <strong>{ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ . </strong>سورة النحل الآية 20<strong> } . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقال تعالى : <strong>{ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُورًا . </strong>سورة الفرقان الآية 3<strong> } .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>          </strong>أما الذين قالوا بوحدة الوجود ، فقد أشكلت عليهم الآيات التي ذكرناها في صدر هذا البحث ، ولا سيما آية <strong>{ هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ .. </strong>سورة الحديد الآية 3<strong> } </strong>إضافة إلى بعض الأحاديث القدسية التي أولوها  بالوجدان ولم يؤولوها بالقرآن ، علماً أن القرآن الكريم  هو الميزان الذي يجب أن يوزن به كل حديثٍ قدسيٍّ أو نبويٍّ أو إماميٍّ أو أي رأيٍّ مدّعىً أو أيَّة حكمة  .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وهكذا اشتبه عليه الأمر ( قدس سره )  . فهو يقول في بعض كتابه الذي نحن بصدده :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          &#8221; فهو أمرٌ فطر عليه جميع الناس . بل جميع الموجودات . فما يبحث عنه ويجري وراءَه الجميع سواء في العلوم والفضائل والفواضل . أو في المعارف وأمثالها ، أو في الشهوات والأهواء النفسانية . أو في التوجه إلى كل شيء  وأي شخص  من قبيل أصنام المعابد والمحبوبات الدنيوية الأخروية الظاهرية والخيالية المعنوية والشكلية . كحب النساء والبنين والقبيلة  والقادة الدنيويين  كالسلاطين  والأمراء وقادة الجيوش ، أو القادة الأخرويين كالعلماء المفكّرين والعرفاء والأنبياء (ع) كل ذلك هو ذات  التوجّه إلى الواحد الكامل المطلق . فليس من حركة تقع إلاّ له تعالى ، وفي سبيل الوصول إليه جلَّ وعلا ، وليس من قدم تخطو إلاَّ نحو ذلك الكمال المطلق &#8221; .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وهو كما سيتضح ، متأثر إلى حد كبير بأقوال بعض الفلاسفة  ومشاهير الغلاة  الذين قالوا بالحلولية ، ومنهم الحلاج الذي قتل متهماً بالزندقة  وصح عنه أنه قال في آواخر أيامه :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">   طلبت المستقر بكـل أرض     فلم أرَ لي بأرض  مستقرا</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">   أطعت مطامعي  فاستعبدتني             ولو أني قنعت لعشت حرّا</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ثم إمام التصوف  محي الدين بن عربي الذي نسبت إليه نظرية هي من أغرب النظريات الصوفية والفلسفية في وحدة الوجود ، حيث زعموا أنه كتب : &#8221; فإياك أن تتقيد بعقد مخصوص وتكفر بما سواه فيفوتك خير كثير ، بل يفوتك العلم  بالأمر على ما هو عليه . فكن في نفسك هيولى لصور المعتقدات كلها ، فإن الله تعالى أوسع وأعظم من أن يحصره عقد دون عقد فإنه يقول : <strong>{ &#8230; فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ &#8230;} </strong>وما ذكر أيناً من أين . وذكر أن ثم  وجه الله  ووجه الشيء حقيقته &#8230; فقد بان لك عن الله تعالى  انه في أينية كل وجهة ، وما ثم إلا الاعتقادات . فالكل مصيب وكل مصيب مأجور ، وكل مأجور سعيد ، وكل سعيد مرضى عنه (*) &#8221; .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقد زعموا كذلك أن لإبن عربي هذا البيت من الشعر :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">&#8221; عقد الخلائق في الإلـه عقائداً   وأنا اعتقدت جميع ما عقدوه&#8221;.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>(*) </strong><strong>       </strong><strong>محي الدين بن عربي : فصوص الحكم ( مع الشرح ط : القاهرة</strong> <strong>  </strong><strong> </strong><strong> 1304 ـ 1323 هـ )  ج 2 ص 60 وما بعدها . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ويلاحظ بوضوح أن كلامه ( قدس سره ) يطابق بمضامينه وأبعاده ، كلام ابن عربي المزعوم . وأقول المزعوم ، لأني أشك ، حتى وأنكر ، أن إمام المتصوفين محي الدين بن عربي ، يعتقد هذا الإعتقاد أو يصدر عنه مثل هذا الكلام . وقد أنكر هذا الزعم غيري من المهتمين بالفكر الإسلامي ، ولا سيما ما يدور حول القرآن الكريم ومفهوم التوحيد الذي هو أعلى المفاهيم وأغلاها على الإطلاق .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما الكلام الذي قرأناه له ( قدس سره ) ثم الذي قرأناه لإبن عربي  فهو يخالف الفكر الإسلامي عامة ، كما يخالف القرآن الكريم ، كما يتنافى تنافياً شديداً مع مفهوم التوحيد .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما مخالفته للفكر الإسلامي والقرآن الكريم ، فلكون الفكر الإسلامي في أصالته بسيط ، تقوم جميع مبادئه على الثواب والعقاب لفريقين من البشر وغيرهم ، في الدنيا والآخرة : فريق ُيثاب وفريق يُعاقب . وضمن هذه المبادىء البسيطة ، قيام الساعة حيث تحشر الخلائق : ثم تقسم في نهاية المطاف : فريق في الجنة وفريق في السعير .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما الكلام الذي هو بين أيدينا للعلامة الجليل والمنسوب لإبن عربي ، فهو يخلط خلطاً منكراً بين أهل الثواب وأهل العقاب ، وكأنما كذلك بين الجنة والنار ، وواضح أن هذا لا يستقيم لا عقلاً ولا شرعاً ولا عدلاً ولا رحمة ، قال الله تبارك وتعالى : <strong>{ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ . إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ . وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ . ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ . فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ . </strong>سورة البروج الآيات ( 12 ـ 16)<strong> } . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقال عزَّت عزته : <strong>{ فَكُلاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . </strong>سورة العنكبوت الآية 40<strong> } .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فإذن حسب الآيات التي أوردنا من سورة البروج . بمن بطش ربك لشديد ، ولمن هو سبحانه غفور ودود ؟ إذا كان جميع الخلق ومنهم الناس على حق في عقائدهم وفي تعبدهم بين الصنم وبين الشيطان وغير ذلك من المعبودات المنكرة . ثم بين كل ذلك الكفر والشرك والإلحاد &#8230; وبين عزة الله والتعبُّد له وحده ؟ وهما يُقِران ( أي العالم الجليل وكلام ابن عربي المزعوم ) أنه لا إلـه إلاَّ الله ، وأن القرآن حق ، فإذا كان في الآيات التي ذكرناها تأويل ، فما هو تأويلها ، سواء آيات سورة البروج ، أو آيات سورة العنكبوت  التي فيها يقول سبحانه : <strong>{&#8230; فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأََرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا &#8230; } </strong>وهذه الآيات هي أحداث وقعت في تاريخ البشرية فهي غير قابلة للتأويل ، لأنها حقائق تاريخية مادية ،  ومن أراد أن يعاند أو يكابر فيتمحَّل لها تأويلاً على طريقة الزنادقة وليس على طريقة الراسخين في العلم ، فنقدم له دليلاً مادياً على سفينة نوح ، التي اكتشفت في الخمسينات أو الستينات على قمة أحد أعلى جبال أرارات  نواحي تركيا ، ونقلت بعض أهم آثارها إلى المتحف الرئيسي في موسكو . وهذا الخبر يعرفه الكثير ، من العلماء النجفيين والطلبة الذين كانوا في العراق في الفترة التي ذكرت .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وكذلك خبر أهل الكهف ، وهروبهم من قومهم الوثنيين لأنهم كانوا يؤمنون بالله ، وقومهم لا يؤمنون . ثم خبر كهفهم الذي اكتشف بكامل أوصافه القرآنية ، في بعض نواحي الإردن . فهل قوم أهل الكهف المعادين لله المهدِّدين بالقتل من يؤمن به سبحانه هم كذلك على حق ؟ وهم كانوا يعبدون الله في الحقيقة ؟ حسب المنطق المزعوم ؟ .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ثم لو شئنا أن نستشهد بآيات أخر لتقرير الحقائق القرآنية التي تتعارض تعارضاً شديداً مع منطق العلاَّمتين ( قدس سرهما) ـ إذا صح زعم ابن عربي ـ فسنحتاج لذلك إلى مئات الصفحات . وإنما نكتفي بما أوردنا من الآيات ، وحسبنا ما فيها من قوة الحجة وساطع البرهان ، وإلا كما قال أحد العقلاء :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">   وليس يقرُّ في الأذهان شيء   إذا احتاج النهار إلى دليل ِ.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          نكتفي بهذا لننتقل ، بالقارىء ، الذي خشينا عليه من الوقوع في المتاهات وفي ما يسخط الله سبحانه ، فيخسر الدنيا والآخرة . ننتقل معه ، إلى معارضة هذا الإعتقـاد ، أو تنافيه ـ كما قلنا ـ تنافيا شديداً مع مفهوم التوحيد ، الذي هو أغلى وأعلى المفاهيم عند العقلاء في الوجود .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فالعلامة الجليل ( قدس سره )  ، إضافة إلى ما تقدم عن الإشارات المنكرة إلى وحدة الوجود ، والخلط العجيب بين منتهى  الجمال في ما خلق الله  وبين منتهى القبح فيما يصدر عن المخلوقين ، إذا كفروا أو أشركوا أو نافقوا أو ضلوا ضلالاً مبينا &#8230; هو يضيف في صفحة لاحقة من الكتاب إياه فيقول :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          &#8221; والأمر سيّان إذا التزمنا إطار العقل ، أو الأطر الأخرى بأسرها . فجميعها تفصح عن ان الكمال المطلق هو جميع الكمالات ، وإلاَّ فهو ليس بمطلق . ولا إمكان لظهور أيّ كمالٍ أو جمالٍ في غير الله ، لأن الغيرية هي عين الشـرك إن لم نقل إنها إلحاد &#8221; .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          واهتمامنا الكبير من هذا القول ، بالعبارة الأخيرة : &#8221; لأن الغيرية هي عين الشرك إن لم نقل إنها إلحاد &#8221; .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وهذا الكلام يعني ، وبشطحة قلم ، قضى على مليارات المؤمنين في تاريخ البشرية ، منذ تاريخ الأديان المنزلة ، قضى عليهم بالعذاب المؤبد  في  جحيـم النـار ، لأن من لا يؤمـن ـ حسب مقولته ـ ( بأن الله في الجبة ) كما قال الحلاج ، أو أنك أنت الله أو أنا ، أو ذاك الشيطان ، أو تلك التي في الزواريب ، أو مدينة بومباي ، التي تبين أنها أوسخ مدينة في العالم ، أو البقرة  التي يعبدها الهندوس ، أو .. أو .. إلى آخر ما يصدم  أنفك أو عينك أو أذنك في العالم ، طبعاً إضافة إلى كل ما هو جميل ، إذا لم يكن كل ذلك هو الله ، بنظرك وبنظر مليارات البشر ، الذين ينزهون الله حتى عن مقارنته بأعظم المخلوقين في الوجود ، فأنت وكل هذه المليارات من المؤمنين في تاريخ البشرية أهل شرك أو إلحاد لأنكم فقط نزّهتم الله سبحانه كما نزّه هو نفسه ، بل ، وبأقل بكثير مما هو سبحانه نزَّه نفسه .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومعنى الغيرية التي تنفيها هذه المقولة ، يعني أن يكون الوجود المخلوق وأشياء هذا الوجود هي الله لا تنفك عنه ولا ينفك عنها ـ سبحانه وتعالى عما يصفون ـ وعلى هذا الأساس وبموجب هذه المقولة ، بدلاً من أن تصلي قائلاً إياك نعبد وإياك نستعين ، فتستطيع أن تقول إياي نعبد وإياي نستعين ، فلا تكون قد جاوزت فحوى هذه المقولة ومضمونها .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومعلوم في دعوى وحدة الوجود هذه مع الإصرار كما رأينا على اللاغيرية فيها بين الله تعالى وبين بقية خلقه ، أن في الوجود  ما يخشى الإنسان أو يأنف من مقاربته أو حتى من مجرد رؤيته ، من أشياء خلقها الله سبحانه ، مثل الجحيم والشياطين  ، وشجرة الزقوم ، التي لكي يصور لنا الله مدى قبحهـا ونفـور الأنفس منها  ومن أثمـارها ، قال <strong>{ كأنها رؤوس الشياطين }</strong> ، وسواء كانت هذه حقائق مجردة تقف عند حدود ألفاظها ، أو كانت رموزاً لهذه الحقائق الغيبية ، فالأمر سيان  في كونها موحشة ورهيبة ومنفرة . يضاف إلى هذا الذي خلقه الله تعالى ، ما يخلفه الإنسان في يومياته من أعمال مشينة ، وأخلاق ساقطة ، وسفالات ، ثم الأشياء التي يفرزها ويتقزز منها فيواريها تحت الأرض ، لكي لا تصدم عينه وأنفه ودماغه، كل هذه المنكرات والقبائح بين سلوك الناس ومخلفاتهم ، كل هذا تريد النظرية أن يكون هو الله لترتاح نظرية وحدة الوجود التي بدون غيرية .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما أن الله مهيمن على الوجود ، أما أنه سبحانه محيط بالأشياء <strong>{ ألا إنه بكل شيء محيط } </strong>أما أنه كما قال سبحانه عن نفسه : <strong>{ لا يعزُب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين } </strong>أما أنه سبحانه <strong>{ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم } </strong>أما أنه تبارك وتعالى <strong>{ هو الذي في السماء إلـه وفي الأرض إلـه وهو الحكيم العليم } </strong>أما أنه سبحانه  <strong>{ وهو معكم أينما كنتم } </strong>أما أنه سبحانه قال : <strong>{ ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } </strong>فهذا كله لا يعني أنه هو سبحانه عين الوجود وعين المخلوقات  وعين كل فعل يصـدر عن مؤمن أو عن غير مؤمن ، بل هو سبحانه وتعالى عما يصفون ، وسبحانه وتعالى عما يشركون ، هو كما أخبر عن نفسه : كان ولم تكن سماوات ولم تكن أرض ولم يكن أي شيء غيره ، فخلق السماوات والأرض وخلق كل شيء . وحتى قوله عزت عظمته في الآية الكريمة في سورة الشورى ، والتي يلتف حولها المفسرون ولا يقاربونها :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنْ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ . </strong>سورة الشورى الآية 11<strong> } . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>          </strong>فهي لا تعني تجانسه مع خلقه ، بل تعني غيريته عن خلقه . وأقوى دليل على ذلك فيها ، قوله عزَّ في كبريائه: <strong>{ ليس كمثله شيء } </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فلقد تعلمنـا في المدارس مثلاً ، أن الزئبق لا يلامس جوانب الإناء الذي يوضع فيه ، وطبعاً لا يجانسه . وتعلمنا أن أنواع الأشعة مثل (سينا) و (غاما) تخترق الأشياء والأجسام ، وتفعل فيها سلباً وإيجاباً ولا تجانسها . كذلك اليوم يطول الحديث عن أشعة (ليزر) التي تخترق الصخر والحديد ، وتستعمل حتى لقطع الحديد ، إضافة إلى إستعمالها  في أنواع العمليات والعلاج للمرضى  .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ونحن لا نعرض هذه الأمثلة ، التي هي من أسرار خلقه سبحانه ، إلا لنقرب المعاني في فهم غيريته هو تبارك وتعالى عن خلقه ، وإلا فهو عزت عزته ، منزه عن المقارنة بها وبغيرها . وتكفي قوة حجته ، وإشراقة دليله ، وساطع برهانه في قوله عزَّ من قائل : <strong>{ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } </strong>.</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          على أننا لا ننكر على الرجل الكبير ، الذي غير الله به مجرى التاريخ ، لا ننكر عليه عرفانه ، وله في النفس موقع مهيب ومحبب ، وكما وإننا لا ننكر ما آتاه الله سبحانه من صفات القيادة الفذة ، وجعل منه منارة قلَّما تتكرر في الأجيال .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          إلا أنه هو يعترف في كتابه ، بأنه لم يكن عملياً في تطبيقه لما يؤمن به من هذه الأمور التي يسميها عرفانية .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وربَّ قائل يقول ، ما دمت تعترف للرجل بكل ذلك على المستوى الإسلامي والعالمي ، وأنك من المعجبين والمحبين ، فمن أي موقع أنت تنظر لمقولاته وموقعه الذي لا يكاد يدانيه موقع أي رجل غيره في قلوب الملايين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أقول هذا صحيح ، ولكن أذكر بأن لله في خلقه شؤون ، وأقارن عظمة الرجل ، بعظمة نبيّ الله موسى عليه السلام ، حيث أن موسى (ع) شغل كذلك العالم في يوم من الأيام ، وتصدرت أخباره ومناقبه أجهزة الإعلام في عصره على مستوى العالم المعروف آنذاك ، ولا تزال . وميَّزه الله تعالى بتكليمه إياه ، وأنزل التوراة وأيده وأعزه ونصره على أعدائه أجمعين . حتى ظن موسى (ع) وظن أتباعه وأنصاره ومحبوه ، أنه فريد معدنه وعلمه في عصره وفي تاريخ البشر . ولكنَّ الله عزت عظمته بيَّن لموسى (ع) وللناس أن الحقيقة  غير ما يظنون وما يعتقدون . فكانت الواقعة المشهورة بين موسى (ع) وبين من أرسله الله تعالى ليتعلم منه ، ونحن هنا نكتفي بتدوين هذه الواقعة بنصها القرآني وبدون أي تعليق : قال الله تبارك وتعالى في كتابه المجيد :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا . فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا . فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا .  قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا . قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا . فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا . قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا . قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا . وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا . قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا . قَالَ فَإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا . فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا . قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا . قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا . فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا . قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا . قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا . فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا . قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا . أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا . وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا . فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا . وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا . </strong>سورة الكهف الآيات ( 60 ـ 82 )<strong> } . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          والأمر الوحيد الذي ينبغي أن نلفت إليه على وضوح الآيات والمعاني ، هو الفارق الكبير من حيث الشهرة الكبيرة التي نتجت عن الظهور في المواقف التي مكَّن الله موسى منها ، وبين  ذاك الرجل الذي مكَّنه الله من تعليم موسى بعد أن آتاه رحمة من عنده سبحانه وعلمه من لدنه علما .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وكاتب هذه السطور ، وبمنتهى التواضع لله سبحانه ولعامة المؤمنين ، قد آتاه الله سبحانه رحمة من عنده وعلمه من لدنه علما ، فجعله مصداقاً من مصاديق آية النور ، وجعل فيه تجليات لرموزها ، وهي قوله سبحانه :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأََرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . </strong>سورة النور الآية 53<strong> } . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">وتفضل الله سبحانه عليه بالآيات الثلاث التي بعدها :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ . رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ . لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ . </strong>سورة النور الآيات ( 36 ـ 38 ) <strong>} . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ولذلك أنا في خشية كبيرة دائماً ، من أن لا أبلِّغ ما علَّمني ويعلمني إياه الله  تبارك وتعالى وتحت عظم المسؤولية التي حمَّلني إياها ، وتحت وطأة الآية الكريمة التي صدَّرت بها هذا الكتاب ، أكتب ما أكتب ، وهي قوله تعالى :</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          <strong>{ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ .</strong> سورة البقرة الآية 159<strong> } . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وحيث أن الله تبارك وتعالى بيَّن لي وما زال يبيِّن لي من حقائق التوحيد ما ينقذ الناس ويجنبهم البدع ، فأنا ملزم بإظهار ما يبين سبحانه ، وملزم بتبليغه وعدم كتمانه وطبعاً لأنجو من لعنه ـ والعياذ بالله ـ  ولأنال رضاه وهو حسبي في الدنيا والآخرة .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          لذلك كان لزاماً علينا ، بخصوص النظرية التي نحن بصددها أن نظهر ما فيها  من التشريك بين الله سبحانه وبين بقية خلقه . هذا التشريك  الخفيُّ الذي قال عنه رسول الله (ص) وقال أمير المؤمنين علي (ع) والأئمة الأطهار (ع) أنه كدبيب النمل في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وأعود فأقول ، إن الرجل كان معلماً وما زال لملايين البشر ، وذلك في طاعاته لله وحبه له ، الذي جعله عملاقاً وقزَّم أمامه طواغيت العصر وجبابرته كلهم . إلا أنه مع كل ذلك لم يدَّعِ العصمة ، وكان نموذجاً فذاً في تواضعه وترابيته ، ومن شاء أن يطَّلع علـى إنسانيـة الرجل ، وعلى بعض أخطائه وعدم عصمته فليقرأ كامل كتابه : ( &#8221; وصايا عرفانية &#8221; الإمام الخميني ) .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>إشارات تدحض نظرية وحدة الوجود :</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>===================</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;"><strong>          </strong>يلبس النور الذي خلقه من سنخ نور من أنواره يتداخل معه<strong> { هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ</strong> <strong>وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ</strong> <strong>. </strong>سورة الحديد الآية 3 <strong>}</strong> .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أما بقية الأنوار التي ليست من سنخ أنواره <strong>{ .. نُورٌ عَلَى نُورٍ .. </strong>سورة النور الآية 3<strong> } . </strong>وكذلك الأعراض مثل العظم واللحم والدم والخشب والحديد ، الخ &#8230;  فيقيض لها قوى من خلقه نورية أو نورانية ، ليست من قدسية نوره ، يخترق بها الأشياء يفعل فيها ( أي بالأشياء ) ، وهي أي الأنوار القوى المخلوقة ، ليست من قدسية نوره ولكنها فاعلة  عاملة بالنسبية . وهكذا تكون  جميع الأشياء ( الوجود جملة وتفصيلا ) ما كان منها له قدسية أنواره أو ما كان منها قريباً من القدسية  ، أو بعيداً عنها ، فكل شيء يكون مغموراً ـ ضمن النور العام ـ بدرجة تناسب شيئيته ، جواهراً وأعراضاً وتحوُّلات . ولا ننسى أن أشدَّ الظلمات لها درجة من النور تناسبها . قال تبـارك وتعالى : <strong>{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ .. أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا .. </strong>سورة النور الآيات ( 39 ـ 40 )<strong> } .</strong> فكلمة  <strong>( لا يكاد يراها )</strong> دلالة على وجود نسبة من النور في الظلام ، تناسب درجة إظلامه ، فيبقى هناك إمكان أن يرى يده بمنظار ليلي  مما توصل إليه العلم المعاصر .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          واختلاف قوى الأنوار والأشعة أصبح معلوماً في أيامنا ، وقد ذكرنا شيئاً من تأثيراتها في سياق بحثنا ، نستفيد من ذلك تقريب الأفهام ليس إلاَّ .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          غير أن غيرية نوره سبحانه ، رغم تلبسها الشديد بالأنوار التي تفضَّل عليها وجعلها مقدسة ، تبقى هي المهيمنة والحاكمة والفاعلة ، والموجهة والعاقلة والموحية ، فإنه لا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وإن القوة لله جميعاً والعزة لله جميعاً . اللهم لك الحمد ملء عرشك ولك الحمد زنة عرشك ولك الحمد ولك الشكر كما حمدت نفسك وكما شكرت نفسك وكما ينبغي لكرم وجهك .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ومن أدلة غيرية نوره القدسي ، أو أنواره القدسية  سبحانه ، انكماشها عن الشخص المجتبى <strong>{ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى . </strong>سورة طه الآية 13<strong> } .</strong> فيتراجع تأثيرها وتوجيهها وبركاتها بأمر منه تبارك وتعالى ، فتتراجع معها صحة الإنسان المجتبى النفسية والبدنية ، ويتراجع في مجال الهداية . ويكون ذلك لأسباب سبَّبها الإنسان المختار من قبل الله لنفسه وبدنه وربما متعلقاته ، فتنزل فيها عقوبة أو أكثر ، وقد يعاد إلى مبدأ تصفيات كان مكتوباً له أن يعفى منه إذا هو ثبت وصدق وضحى وازداد قربا ، <strong>{ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ . </strong>سورة القمر الآية 55<strong> } . </strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          أو أنه سبحانه يبتليه ويعطى علامات منها الكشف ومنها الإلهام ومنها الإيحاء تحت وطأة غيبوبة واعية أو وجع هادف أو تعنيت له ، وتكون الغاية من ذلك تعليمه وتعليم درجات المؤمنين الذين وصولهم متأخر نوعاً عن وصوله .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وأضيف إلى الأسباب التي يتراجع معها المجتبى ، خيانة الله في كذبة ما ، مما هو غير مسموح به ، أو عدم الإهتمام بذكرٍ ألهمه الله سبحانه ، أو أوصاه أن يعتني بمعانيه ، أو عدم الإقبال على قرآءَة القرآن رغم التوصية ، أو عـدم العناية بمعاني الآيات في الصلاة .. وغير ذلك من المعاصي التي تبدو للناس العاديين بسيطة ، ولكنها بالنسبة للمجتبين هي غاية في الأهمية ، وقد يترتب عليها غضب الله وسخطه . واستجير برحمته من ذلك . اللهم إني أعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك . ( منسوب إلى النبي محمّد (ص) ) <strong>، </strong>يا عفوُّ يا غفور يا رحمان يا رحيم برحمتك يا أرحم الراحمين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وقد يكون من توفيق الله للشخص المجتبى أن يستجيب له دعاءَه إذا كان مضطراً ، وقد يستجيب له إذا لم يكن مضطراً ، وتكون الإستجابة ( مع الوصول النسبي العالي ) فورية . فإذا قلَّص سبحانه نوره القدسي أو أنواره القدسية لسبب سلبي من الأسباب ، فإن دعاء هذا الشخص المجتبى لا يعود ينفع معه القبول والإستجابة كما كانا ينفعان أثناء رضى الله سبحانه وودِّه ومحبته .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          فما العمل في هذه الحالات ، لكي يعود الإنسان المجتبى إلى منزلته الممتازة ، التي كان فيها عند ربه تبارك وتعالى ؟&#8230;</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وما غير الندامة الشديدة ، والخوف ، والإجتهاد في العبادة والتقرب إليه سبحانه والإستغفار  ؟!</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          طبعاً تسبق كل ذلك التوبة النصوح ، وهو سبحانه ذكر في أكثر من مكان في كتابه الكريم ، أنه ما أمرنا بالتوبة وطلب المغفرة  إلاَّ ليغفر لنا وهو خير الغافرين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          ثم لا بدَّ أن نذكر من الأسباب المغيرة لحسن الإتصال بكرمه وجوده ورحمته وعامة نعمه ، هو أن يطلب هذا المجتبى بعد أن يكون قد تكفل له الله سبحانه بالكفاية وفوق الكفايـة وبعد أن يكون قد أعطاه في نفسه وبدنه ومتعلقاته فوق ما كان هو يحلم بذلك . ثم يبطر طالباً المزيد وبغير حساب ، وهو لا يحتاج أبداً إلى هذا المزيد . فإذا كان حسب موقعه ، موعوداً بوعود كريمة عالية  ، مثل النصر على أعداء الله وأعدائه ، أو غير ذلك من الوعود في مجال نصره في دعوته إلى الله عزت عظمته ، ثم طمع فطلب المزيد من الدنيا مثلاً على طريقة سليمان وليس موسى ، حيث طلب الخبز فقط <strong>{</strong> <strong>.. فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ . </strong>سورة القصص الآية 24<strong> } .</strong> أو على طريقة محمّد (ص) حيث أتاه جبرائيل مبعوثاً من الله سبحانه يحمل إليه مفاتيح كنوز الأرض . فردَّها صلى الله عليه وآله ، بلطف قائلاً له : يا أخي يا جبرائيل لا حاجة لي بها ، وإنما أجوع فأسأل الله وأشبع فأحمده ، وهذا من جملة الأسباب التي مدح لأجلها رسوله وعبده ونبيَّه قائلا ً له : <strong>{ وَإِنَّكَ لَعَلى</strong> <strong>خُلُقٍ عَظِيمٍ . </strong>سورة القلم الآية 4<strong> } .</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt;">          وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: right;"><span style="font-size: 12pt;"><strong> </strong></span></p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>
