بسمِ الله الرَّحمن الرَّحيم

أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم – بسم الله الرّحمن الرّحيم – تفسير سورة فاطر، وتسمّى سورة الملائكة  عددُ آياتها خمسٌ وأربعون، ورقمها في المصحف الشّريف خمسٌ وثلاثون.

قال تبارك وتعالى في محكم كتابه : ” لكنِ الله يشهد بما أنزل إليك ، أنزله بعلمه ، والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً ” .

تفسيرُ السُّورة المباركة :

الآية الأولى  : ) الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( .

 التَّفسِير:  و( الحمد لله ) أول الآية ، الله عزّ وجلّ يحمد نفسه بنفسه ، ومن مثل هذا قوله : (تبارك الله) إذ يبارك ذاته بذاته ، وهو الغنيُّ عن مخلوقاته . وفيها كذلك أنه يُعلّم النّاس الحمدَ ، كيف يحمدونه فيقولون (الحمد لله فاطر السّموات والأرض ) أي خالقهنّ من العدم بدون نموذج سابق ، وهذا ما دوّخ علماء الفيزياء من الكفّار، إذ يزعمون أنّهم توصّلوا  إلى بداية خلق السّموات والأرض و بداية خلق الكون، وهم يزعمون أن الكون هو ما تحت السّماء الدّنيا هذه ، والأمر الوحيد الّذي حيّرهم هو ماذا كان يوجد قبل الانفجار العظيم عند خلق السّموات والأرض حسب زعمهم ، والجواب البسيط هو أنّه كان الله جلّ وعزّ ولم يكن شيء وخلق الله كلّ شيء .

ونتابع في الآية ( الحمد لله فاطر السّموات والأرض جاعل للملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورُباع ) وجاعل الملائكة رسلاً إلى المستقيمين من المؤمنين ، والدّليل على ذلك في قوله جلّ شأنه ( إن الّذين قالوا ربّنا الله ثم استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة ألّا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة الّتي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الّدنيا وفي الآخرة ) وطبعاً ، غالباً لا يرى المؤمنون الملائكة مجسّدين بأجنحتهم أو غير أجنحتهم لأن الملائكة قوى نورانيّة  كالكثير من القوى الفاعلة في حياتنا ، والتي تحيط بنا من كلّ جانب ولكّننا لا نراها ، مثل قوى الجاذبيّة و الكهرومغناطسيّة ، وغير ذلك من القوى الموجودة المؤكّدة والّتي لانراها فإذاً ( جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع) : نوعٌ من الملائكة بجناحين ونوعٌ  بثلاثة و نوعٌ  بأربعة ونوعٌ  ربما بعشرة وبمئة وإلى آخر ما هنالك .  قول الله تبارك وتعالى في بقيّة الآية ( يزيد في الخلق ما يشاء ) ، ما يشاء في مجال الملائكة وما يشاء في أجنحة الملائكة وما يشاء في عامّة الكون في جملته وتفصيله وفي قضاياه  ، فإذاً يزيد في الخلق ما يشاء ، إن الله على كلّ شيء قدير.

الآية الثانية  : ) مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ( .

التَّفسِير: (ما يفتح الله للنّاس من رحمة ) من غيثٍ من السّماء ، مطرٍ، أو عافيةٍ في الأبدان ، أو حكومةٍ عادلةٍ ، أو كفايةٍ في الإقتصاد ، أو غير ذلك ممّا يفتحه الله للنّاس من رحماته،  (وما يمسك فلا مرسل له من بعده) ( وما يمسك)  كأن يحبس المطر ، أو أن  تكون الحكومات جائرة، أو أن تدبّ الفوضى في  البلاد ، يعني إذا أمسك النّعم  التي ذكرنا ، من الأمن السّياسيّ  و الإقتصاديّ ، فإنّ أحداً لا يستطيع إرساله ، كما أنه إذا فتح للنّاس من هذه  الخيرات والبركات والرّحمات، فإنّ أحداً لا يستطيع إمساكها ومنعها عن البشر.  وكلا الأمرين متوقّف على شكر هذه النّعم .

الآية الثالثة : ) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ(.

التَّفسِير :  فتذكيرٌ بأن النّعم كلَّها هي من الله جلّ وعزّ، فاذكروها يا أيّها النّاس واشكروا الله عليها ، وذكرها هو نوعٌ من الشُّكر ، والشُّكر واجبٌ ( لئن شكرتم لأزيدنّكم ولئن كفرتم إنّ عذابي لشديد ) . ثم يقول سبحانه (هل من خالقٍ غير الله يرزقكم من السّماء والأرض)  ، يرزقكم  أنواع النّعم وأصنافها، مما ذكرنا ومما لم نذكر، ( لا إله إلاّ هو)  هو  الله الحيّ القيّوم القادر ، الذي هو على كلّ شيءٍ قدير .

 الآية الرابعة : وفيها يخاطب سبحانه رسوله محمّداً (ص)  مؤانساً إياه بقوله له : ) وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ(.

التَّفسِير: كُذّب قبلك عيسى يامحمّد وكُذّب موسى وكُذّب إبراهيم وكذّب نوح وكذّب غيرهم وغيرهم فلا تبتئس بتكذيبك من هؤلاء القوم ، فإلى الله ترجع الأمور ، أي أنّ الله  تبارك وتعالى يحاسب هؤلاء المكذّبين ويعاقبهم في الدّنيا أو في الآخرة ويثيبك  على صبرك ، ويثيب الصّابرين على صبرهم  كذلك في الدنيا و في الآخرة .

الآية الخامسة : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ).

التَّفسِير: ( إنّ وعد الله حقّ)  في جميع الأزمنة والأمكنة ، (فلاتغرّنكم الحياة الدنيا ولا يغرّنكم  بالله الغَرور) بما يغريكم بما في الحياة الدنيا من زينتها ومغرياتها وأنتم لا تلتفتون إلى قِصَرِها ، ولا تلتفتون إلى كونها محطّة ومكان إمتحان تـنـتـقـلون بعده إلى الدار الآخرة ، إما إلى نعيمٍ ، وإما إلى جحيمٍ . و( الغَرور) و هو الشّيطان، إما أن يكون من النّاس ، وإما أن يكون من شياطين الجنّ ، فلا يغرنّكم بالله الغَرور ، الذي  يزيُّن لكم المعاصي ويزين لكم ما في الحياة الدنيا من إغواءات و شهوات .

الآية السادسة : ( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِير).

التَّفسِير: ( إنّ الشّيطان لكم عدوّ ) هذه حقيقةٌ قائمةٌ واضحةٌ تعرفونها ، فاتّخذوه عدواً ، لا تستمعوا إلي وسوساته ولا تغتروا بغروره وبإغوائه ، ( إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير) ، (حزبه) التابعين له، المطيعين له ، إنما يدعوهم بالنتيجة ليكونوا من أصحاب السعير ، أي أصحاب النار.

الآية السابعة : ( الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ).  وواضحٌ أن الفريقين لا يستويان ، وشتّان شتّان بينهما.

الآية الثامنة : ( أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ).

التَّفسِير: قوله تعالى ( أفمن زُيِّن له سوء عمله فرأه حسناً)  يذكّرنا بقوله جلّ وعلا ( قل هل ننبِّئُكم بالأخسرين أعمالاً ، الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً).

(فإن الله يضلّ من يشاء) . و نعود إلى الآية (  أفمن زين له سوء عمله فرأه حسناً فإن الله  يضل من يشاء ويهدي من يشاء )  أي أنّ الله يضلّ من الناس من يشاء الضلالة أو من يعمل عملاً يؤدي به إلى الضلالة أو يسلكُ سلوكاً يوصله إلى الضلالة ، فإن الله لايظلمُ أحداً، إن الله ليس بظلّام للعباد  ( ويهدي من يشاء)  كذلك فمن يريد الهداية ويعمل لها فإن الله هو الذي يهديه تبارك وتعالى . (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)  يا محمّد و يا أيَّ وليٍّ من أولياء الله ، لا تتقطّع نفسك عليهم أسفاً إن الله عليم بما يصنعون ، وهذا كذلك يذكرنا بقوله جلّ وعزّ ( أفأنت باخعٌ نفسك ألّا  يكونوا مؤمنين ) أي  أفتذبح نفسك إذا هم لم يؤمنوا بوحدانية الله ، و بأنه  لا إله إلا هو، ( إن الله عليم بما يصنعون) ، آخر الآية ، وهو طبعاً يحاسبهم في الدنيا ويحاسبهم في الآخرة  معذّبين مخلدّين في جهنم . تبقى ملاحظة ، وهي أنّ الله سبحانه لا يسمح لأحدٍ أن يؤمن إلّا بإذنه سبحانه ، ولا يسمح لأحدٍ  أن يكفر إلّا بإذنه تبارك وتعالى ، فإنّ مشيئته سبحانه يستحيل أن تسبقها مشيئة أحد من المخلوقين .

الآية التاسعة : و فيها يعطي سبحانه دليلاً آخر على وحدانيته وتوحيده كما و يعطي مثلاً على يوم القيامة قوله جلّ عزّ : ( الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ ) .

التَّفسِير:  إذاً الله عزّ وجلّ هو الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً أي غيوماً متراكمة فيسوقها سبحانه إلى بلد ميتٍ، حيث تمطر في هذا البلد فوق الأرض الميتة ، فأحيينا به الأرض  بعد موتها بأن تــنبت العشب وأنواع النبات من الرّياحين والبقول والشّجر بأنواع الثّمر ، (كذلك النشور) كذلك البعث من القبور وخروج الناس إلى حسابهم.

الآية العاشرة : ( مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ).

التَّفسِير: فقوله تبارك وتعالى (من كان يريد العزة ) أي من كان يريد العزة كلّها فلن يستطيعها ،لأن عزّته  أي عزَّة الإنسان تبقى دون عزة الله ويد الله تبقى فوق يده،  فما من يدٍ إلا يدُ الله فوقها ولا يغرّنك أيها الإنسان عزُّ الملوك والحكام والسلاطين ، فإنّهم مقهورون بالمرض وبالموت وبغير ذلك من الآفّات . أما قوله تعالى ( إليه يصعد الكَلِم الطّيب والعملُ الصّالح يرفعه ) أي أنّ العمل الصالح يرفع الكَلِم الطّيب ، وأن الكلم الطيب يرفع العمل الصالح ، ففي هذه العبارة عبرة ، فالكلم الطيب هو كل عبادةٍ فيها إخلاص لله عزّ شأنه ، فإذاً (الذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ) أي أنّ الذين يمكرون السيئات  ويأتمرون بها فيما بينهم على المؤمنين وعلى رسُلِ الله ، إنما يعود مكرهم عليهم في الدنيا كما في الآخرة ، (ومكر أولئك هو يبور) أي أنّ مكرهم لا يُجديهم نفعاً ،  كالأرض البوار التي هي لا تَشرب ماءً و لا تطلع نباتاً.

الآية الحادية عشر : وفيها يسوق سبحانه  أدلةً على توحيده وعلى عظيم قدرته فيقول ( وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ).

التَّفسِير:  ( والله خلقكم من تراب)  أي أنتم في الأصل ترابيّون ، لايشبه خلقكم خلق الجنّ ولا خلق الملائكة  لأن الملائكة من نور ، والجن من نار . إذاً الله خلقكم من تراب  ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجاً وهذه الحقيقة  القرآنية تتحدّى كل إنسان عاقل . وتتلخّص هذه الحقيقة في أنّ الإنسان مخلوق خلقه الله  من نطفةٍ والنطفةُ تتحول إلى علقة والعلقة إلى مضغة والمضغة إلى عظام والعظام يكسوها الله لحماً ثم يخرجه خلقاً  آخر فتبارك الله أحسن الخالقين . (ثم جعلكم أزواجاً ) فمن التراب إلى النطفة إلى أن جعلكم أزواجاً تتزاوجون  وتنجبون  ، (وما تحمل من انثى ولا تضع إلا بعلمه)  أي أن إبداع الحمل وقوانين الحمل  ومدة الحمل وجنس الحمل وكذلك الوضع أي الولادة  لا يكون  إلا بعلمه وبقدرته وبحكمته  وبالقوانين  التي هو خلقها ووضعها،  وإذا كان الناس يفعلون شيئاً من ذلك ،  فإنما يقلدون هذه القوانينن وهذه المبادىء وهذه القواعد ، فيتجاوزون بذلك  حدوده  و يقعون في سخطه وغضبه،  لأنهم  يشاركون  الله فيما لا يجوز لهم أن يفعلوا فيكون  بذلك وليُّهم الشيطان في قوله ( ولأمرنّهم  فليغيرنّ خلق الله) . أما قوله تبارك وتعالى (وما يعمّر من معمّرٍ ولا ينقص من عمره إلا في كتاب) ، أي أن يستكمل إنسانٌ عمره كلّه، أي العمر المكتوب له ، أو أن ينقص شيئٌ من هذا العمر المكتوب له نتيجة لسبب ما ، فإنّ ذلك في كتابٍ عنده سبحانه . 

    يقول تبارك وتعالى في مكان آخر ( وهل ُيهلك إلا القوم الفاسقون / وهل ُيهلك إلا القوم الظالمون ). والإهلاك غير الهلاك ، فالهلاك أن يموت الإنسان في العمر المكتوب له ، والإهلاك أن يموت الإنسان  قبل أن ينقضي أجله ، أي قبل الوصول إلى حد العمر المكتوب له ، وذلك يكون بأسبابٍ ندركها ونفهمها في قوله جلّ وعزّ ( وهل يهلك إلا القوم الفاسقون )  أي الّذين يخرجون من الدّين ويفسدون في الأرض، وفي قوله (وهل يهلك إلا القوم الظالمون ) أي الكفّار والمشركون على أنواعهم ، و الدّاعون النّاس إلى الكفر أو الشّرك.

الآية الثّانية عشر : و فيها ينقلنا الله جلت عظمته  إلى معجزة  في الأرض و في البحر دائمةٍ ثابتةٍ قائمةٍ يعرفها معظم الناس قوله  تبارك وتعالى  ( وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ).

التَّفسِير:  ولقد أصبح معلوماً أنّه في كل بحرٍ من البحار المعروفة على وجه هذه الأرض وفي عدّة أماكن من البحار العظيمة الواسعة ، يوجد بحران :  واحدٌ عذبٌ وآخرُ مالحٌ شديد الملوحة ، و يحيط البحر المالح – وهو الأكثر- بالبحر العذب . ولقد عرفنا هذا نحن في لبنان في البحر الأبيض المتوسط ، إذ قريباً من الشواطىء اللبنانية يذهب الصّيادون  عميقاً في البحر،  باتّجاه الغرب فيصلون إلى مكان في البحر يعرفونه، ينزلون  فيه و يستحمّون في الماء العذب ويملؤون ما يشاؤون من الآنية، يتزودون بها أثناء رحلة الصيد.  وهذا المقصود في قوله ( و ما يستوي البحران هذا عذبٌ فرات سائغ شرابه وهذا ملحٌ أجاج ) .  والعجب  أن البحر المالح لا يدخل في البحر العذب  ، وأن البحر العذب لا يتداخل مع الماء المالح ، وإنما بينهما برزخٌ لا يبغيان وسيأتي تفسير هذا في مكانٍ آخرَ  إن شاء الله  ، ونشرح المفردات ( وما يستوي البحران) أي لا يتساويان فبينهما فروقات ، هذا (عذب فرات سائغ شرابه)  أي هنيئ ،( وهذا ملحٌ أُجاج)  أي شديد الملوحة ، و(أجاج ) أخذت من التعبير أججّ النار، والتعبير مجازي طبعاً . (ومن كلٍ تأكلون لحماً طرياً ) – واضح – (وتستخرجون حليةً تلبسونها)  من أنواع اللؤلؤ والمرجان وما شابه ذلك . ( وترى الفلك فيه مواخر) أي أنواع السفن و (مواخر) تعني  داخلات سائرات فيه ، (لتبتغوا من فضله) طبعاً من فضل الله تبارك وتعالى بأن تسألوه وتدعوه ، ( ولعلكم تشكرون) لعلكم تشكرون الله الخالق البارىء المصور الرازق ، والشكر هنا إنما ينبغي عند العقلاء تعجباً من قدرة الله  تبارك وتعالى، وتعجباً من علمه وأسراره ، فكيف أن السفينة تمخر الماء المالح وتدخل في الماء العذب ولا يختلط هذا بذاك، وكيف أنّ كما  يقول الصيادون و الخبراء ، أن السّمك في الماء العذب مختلف عنه في الماء المالح ، وأنه حتى اللّآلئ التي تستخرج من الماء  العذب  مختلفة ، فهي أجمل وأصفى وأنقى من التي  في الماء المالح، وهذه معلومة يعرفها أهل الإختصاص ، فينبغي الشكر تعجباً من قدرة الله ومن علمه و أسراره في خلقه ، كما ينبغي الشكر على كثرة هذه النعم التي أنعم الله بها على الناس بإختلاف أنواعها في هذين البحرين المالح و العذب.

الآية الثّالثة عشر والرّابعة عشر : قوله جلّ وعزّ ( يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ (13) إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14) .

التَّفسِير: وهنا كذلك يسوق الله سبحانه دليلاً ، إضافةً إلى أدلة توحيده التي مرّت بنا ، ويذكر في نفس الوقت  اّلذين يدعون غيره من خلقه، علماً أن الواجب ، عقلاً وشرعاً ، ألّا يُدعى إلا الله لأنه وحده القدير على الإجابة ووحده السميع البصير،  فيقول (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل)  أي يدخل الليل في النهار ويدخل النّهار في الليل ، وهذا الكلام كناية عن الإلفات إلى دورة الأرض أمام الشمس حول نفسها ، مشكّلةً الليل والنهار ، وطبعاً هذا من عجائب خلقه، الكرة الأرضية السابحة في الفضاء ، تدور حول نفسها وتدور حول الشمس التي سخّرها كذلك وسخر معها القمر ، وهنا لابدّ من الإلتفاتة إلى علم  الفلك الذي يقدم لنا يوماً بعد يوم معلومات هائلةٍ وعجيبةٍ ودقيقةٍ عما تحت سماءنا الدنيا هذه ، فعندما نقول الشمس والقمر فنحن نعني مجموع الشموس والأقمار،  فالشمس اسم جنس وكذلك القمر ، وقد أصبحنا  نعلم أن في سمائنا ملياراتِ الشموس في مجراتها، وكذلك مئات الأقمار حول الكواكب السيارة .

     يقول عزّ وجلّ (  كلٌّ يجري لأجلٍ مسمّىً) . ويبدو أن الأجل المسّمى النّهائي لهذه الأجرام وكذلك للأرض ، هو قيام السّاعة ،  ثم يقول ( ذلكم الله ربكم ) الذي خلق هذه العجائب وهذه الغرائب وهذه المعجزات ، (ذلكم الله ربكم له الملك ) مالك الأكوان جملةً وتفصيلاً بيده ملكوت كل شيء،  ما لكم أيها الناس تدعون غيره، والذين تدعون من تدونه ما يملكون من قطميرٍ، تدعون أصناماً كما كان يفعل الناس في الجاهلية ، وتدعون اليوم أنبياءَ و أئمةً وأولياءَ، تدعونهم وتسألونهم حاجاتكم والواجب أن يُدعى الله وحده لا شريك له فإذا كان الّذين تدعونهم بشراً ، فإنّهم لا يملكون من قطمير، أو جنّاً أو ملائكةً أو أي شيء،  ما يملكون من قطمير،  والقطمير هو قشر نواة البلح أو التمر،  وهو قشر رقيق جداً لا قيمة له ، فالذين تدعونهم لا يملكون حتى هذا القطمير لأن المالك هو الله رب العالمين وحده . ثم يقول في الآية الرابعة عشر:( إن تدعوهم – إن تدعو هؤلاء الذين تدعوهم – لا يسمعوا دعاءكم ) فإذا كانوا أصناماً فإنّهم لا يسمعون دعاءكم ، وإذا كانوا بشراً ميتين لا يسمعون دعاءكم ، وإذا كانوا أحياءَ وسمعوا ، لما  استجابوا  لدعائكم ، لأنهم لا يقدرون على الإستجابة وكذلك إذا سألتموهم الرزق لا يستطيعون رزقكم ، وإذا سألتموهم الحياة لا يستطيعون أن يحيوكم بعدموتكم، ولئن سألتموهم أي شيء تطلبونه فكل شيءٍ بيد الله عزّ وجلّ وهو على كل شيء قدير،ولا أحد غيره على كل شيءٍ قدير. ثم يقول (ولو سمعوا مااستجابوا لكم)  فإذاً كانوا أحياء وسمعوا لا يستطيعون الإجابة لأنه  الله وحده على كل شيء قدير ،لأنه وحده السّميع البصير ولأنه وحده السميع القريب وهو أقرب إيكم من حبل الوريد ولأنه وحده معكم أينما كنتم ولا أحد غيره من خلقه يكون معكم أينما كنتم، ( ويوم القيامة يكفرون بشركِكُم ولا ينبئكَ مثل خبير ) أي أن دعاءكم غير الله : كأن تدعو نبياً أو تدعو إماماً  أو أن تدعو ولياً  أو صنماً حجرياً او خشبياً فهذا شركٌ بالله ، لأن المدعوّ الواجبُ دعاءَه هو الله وحده لا شريك له ، فإذاً يوم القيامة يكفرون بشرككم ، هؤلاء الذين تدعونهم من أولياء الله ومن أنبياء الله يوم القيامة يكفرون بكم وبما أشركتم بالله تبارك وتعالى ، و بما أشركتموهم بالله جلّ وعزّ، ( ولا ينبئكم مثل خبير)  والخبير هو الله تبارك وتعالى ، هو أخبر بمصائركم وبمصالحكم وبالحقائق الكبرى في الدنيا والآخرة .

الآية الخامسة عشر والسَّادسة عشر والسَّابعة عشر : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16)  وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17) .

التَّفسِير: فإذاً بعد أن نبّأ  وحذّر وأنذر من أن يُدعى غيره من خلقه ، قال سبحانه يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله ، والله  وحده هو الغنيّ وهو الذي يستطيع أن يعطي ، و يستطيع أن يرزق و يستطيع أن يجيب أدعيتكم ، ( إن يشأ يذهبكم ويأتِ بخلقٍ جديد ) يعني إذا دعوتم  غيرَ الله ، تستدعون غضب الله وسخطِه ، فإذا شاء يذهبكم ويأتي بخلق جديد ، أي يفنيكم  و يميتكم ثمّ بعدها يأتي بخلق جديد ، و تكون لكم  الحسرة في الدّنيا والآخرة ، وما ذلك على الله بعزيز ، وهذا لا يصعب على الله تبارك وتعالى لعزته وقدرته التي لا تحاول ولا تطاول .

الآية الثّامنة عشرة : ( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ) .

التَّفسِير: (ولا تزر وازرةٌ  وزرَ أخرى ) أي لا يؤاخذ إنسانٌ بخطيئة إنسانٍ غيرهِ ، والوزر هو الثقل ، والوازرة هي النفس . ومجمل المعنى أنّه لا يُعاقب إنسان بذنبِ إنسانٍ آخر ، وهذه قاعدةً مكررة في القرآن . ولذلك قلنا إن جميع البشر أكلوا من شجرة المعصية فأهبطهم الله جميعاً إلى الأرض. أمّا الّذين يزعمون أن الله حمّل  البشر وزر أبيهم آدم ، فهم يجدِّفون على الله ، لأنّ الله  سبحانه  لا يناقض نفسه، حيث يقول (ولا تزر وازرة وزر آخرى)  . ثم كفاية الآية  (وإن تدعُ مثقلةٌ إلى حملها لا يُحمل منه شيء)  ، أيّةُ نفسٌ تدعو إلى أن يَحمل عنها أو أن يُحملَ منها  ، لا يُحمل منها شيء  ولو كان من أقرب المقربين ومن الأرحام ومن الحميمين ، فإنّ إنساناً لا يَحمل عن إنسان آخر ثقله أو شيئاً ممّا يثقلهُ . ( إنما تنذر الذين يخشون ربهم ) ، و الخطاب هنا لمحمدٍ (ص) ، ومعناها أنّك إنما تنذر من يستفيد من إنذارك وتخويفك الذين يخشون ربهم وهم لا يرونه ، مع أنّه سبحانه أقرب إليهم من حبل الوريد الّذين يخشون ربّهم بالغيب ، (وأقاموا الصلاة) ،  وكان من صفاتهم أنهم يقيمون الصلاة ، (ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه ) ، و التّزكّي  تعني تطهير النفس والتخلق بأخلاق الله تبارك وتعالى، ( ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه ) أي لأجل نفسه ولأجل مصلحة نفسه ، (وإلى الله المصير)  ثم إلى الله العاقبة ، حيث يُحاسب الناس .

الآية التّاسعة عشر، العشرون، الواحدة والعشرون والثّانية والعشرون: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21)  وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ (22).

التَّفسِير:  إذاً ( وما يستوي الأعمى والبصير) أي لا يستويان ، الأعمى الذي  لا يبصر ، والبصير الذي يبصر بعينيه ، كما و  لا تتساوى  الظلمات والنور، وشتّان ما بين الأعمى والبصير وما بين الظلمات والنّور ، كذلك لا يستوي الظلّ مع مكان الحر الشديد ، وهنا كناية عن الكفار والمؤمنين وعن الجنّة والنار ، وكلّ هذه الآيات تلخّصها هذه الآية ( لا يستوي الأحياء ولا الأموات ) والمقصود بالأحياء هم أهل الإيمان ، والأموات هم الكافرون المشركون المنافقون . ( إن الله يسمع من يشاء ) من يشاء أن يسمع  ومن يريد أن يسمع ، يسمعه الله تبارك وتعالى  ، (وما أنت – يا محمد – بمسمع من في القبور)  سواء كانوا في القبور الحقيقية المحفورة في الأرض  ، أو كانوا في قبور اجسادهم  وهم يمشون ويتحركون ولكن و كأنما  هم أموات .

الآية الثالثة والعشرون  والرّابعة والعشرون : ( إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ(23) .

التَّفسِير: ما أنت يا محمد  إلا نذيرٌ ، أرسلك الله لتكون بالحق بشيراً ونذيراً تبشر المؤمنين والصالحين المطيعين بالحياة الطّيبة في الدّنيا والآخرة ،  وتؤكّد للعصاة وللكفرة وللمشركين أنهم سيكون لهم العذاب في الدّنيا وفي الآخرة . – قال الله تبارك وتعالى (من كان في الضّلالة فليمدد له الرّحمن مدّاً ، حتّى إذا رأوا ما يوعدون إمّا العذاب وإمّا السّاعة فسيعلمون من هو شرٌّ مكاناً وأضعف جنداً ) – .  (وإن من أمةٍ إلا خلا فيها نذير)  يعني هذه سنّة الله في خلقه فما من أمةٍ من الأمم  إلا مضى فيها نبيٌ أو رسولٌ ينذرهم ما بين أيديهم بعد الموت في الآخرة .

الآية الخامسة والعشرون : و فيها يعزي الله نبيه محمد بقوله ( وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ).

التَّفسِير: فلست أنت وحدك الذي كذبّك قومك ، فهذا موجودٌ في الأمم ( كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبيّنات ) أي بالمعاني الواضحة والكلام العقلي والمنطقي ، (وبالزُّبر ) الزُّبر هي قطع كانت تكتب عليها الرسالات السماوية أو تنقش نقشاً أو تحفر حفراً ، (وبالكتاب المنير) أي الكتاب الواضح البين .

الآية السّادسة والعشرون :  ( ثمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ).

التَّفسِير: الله عزّ وجلّ يقول أنّه بعد أن أرسلت إليهم بالأنبياء وبالرسل وبالبينات و بالزبر وبالكتاب المنير ، لم يؤمنوا ولم يطيعوا ولم يرعَوُوا ، (ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير) ، أخذهم  الله عزّ وجلّ بالعذاب وبالعقوبات وبالإجتثاث وبالخزي في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة ، (فكيف كان نكير)  وهي طبعاً ليست للسؤال وإنما للتعجب .

ثم قول الله تبارك و تعالى في الآية السابعة والعشرين: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ).

و بعدها في الآية الثامنة والعشرين : ( وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ).

التَّفسِير: ألم ترَ يا رسول الله ، ألم ترَ يا وليّ الله ، ألم ترَ يا قارئ القرآن ، يا أيها العبد المؤمن ، ألم ترَ إلى هذه العجيبة ، والعجائب المعجزة ، أنّ الله أنزل من السّماء ، بلونٍ واحدٍ ومذاقٍ واحدٍ في جميع أقطار الدنيا وعلى جنس واحد من التراب أخرج الله به ثمراتٍ من أنواع الفاكهة وأنواع نتاج الأرض بين أحمرٍ و أصفرٍ و أخضرٍ و بنيٍّ و بنفسجيٍّ،  و إلى آخر ما هنالك من الألوان المعروفة من ألوان الطيف و مختلفاً ألوانها ومختلفاً مذاقاتها ومختلفاً روائحها الزكية ، من ماءٍ واحد ومن ترابٍ واحدٍ، فمن أين أتت هذه الألوان و من أين أتت هذه المذاقات الطيبات ومن أين أتت هذه الروائح العطرية الزكية .

     ثم يتابع سبحانه  ( ومن الجبال جددٌ بيضٌ وحمرٌ مختلفاً ألوانها وغرابيبُ سودُ) و المقصود بالجدد هنا الجبال الشاهقة التي تلفت النظر الجمالي إليها بتركيبتها ، و بهيبتها وبتخطيطها ، و الجدد هي  الطرق والخطط على الجبال . ( وغرابيب سود )  والغربيب هو الشّديد السّواد ، وسود هي عطف بيان على غرابيب لذكر صفة الغرابيب . ومن ثم الآية التي بعدها ( وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كذلك )  وكذلك إختلاف ألوان الناس المعروفة ، وإختلاف ألوان الدواب التي تدبّ على الأرض بجميع أصنافها ، و الأنعام من إبل وبقر وأغنام وماعز كذلك مختلفة الألوان . ثم يعطي الله الخلاصة  تبارك وتعالى ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ) و المعنى الإجمالي أنّ العلماء المحققون لهذه العجائب بين الأرض والسماء ، يخلصون من خلال تحقيقهم  و تدقيقهم في هذه العجائب ، إلى خشية الله تبارك وتعالى وإلى خشوعهم وخشوع قلوبهم وعقولهم لله جلّ وعزّ على عجائبه  في الأرض وبين الأرض و السماء ، والمقصود بقوله تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء ) العلماء الحقيقيون وشرط هذه  الخشية  أو شرط هذا العلم هو الإيمان بالله ، وما داموا  يخشون الله ، فهم علماء حقيقيون ، والّذين يزعمون أنهم علماء ولا يخشون الله فليسوا بعلماء حقيقيين . والمقصود بكلمة (علماء) ليس فقط علماء الدين وإنما العلماء في كل علم وفي كل فن : علماء الفيزياء وعلماء الكيمياء و علماء الذرة  وعلماء الفلك ، إلى آخر ما هنالك من الإختصاصات والمواضيع العلمية . فإذاً كلما كان العالم مؤمناً بالله سبحانه ، كلما كان أكثر خشيةً لله عزّ و جلّ من خلال ما يتوصّل إليه في علمه ، وإن كان العلم الأسمى و الأعلى هو العلم بالله تبارك وتعالى ، وهو العلم الذي قال فيه الإمام زين العابدين (ع) : (لا يدركه إلّا ملكٌ مقرب أو نبيٌّ مرسل أو عبدٌ مؤمن محّص الله قلبه بالإيمان) . وهذا العلم  ليس كثيراً عليه أن تُخاض إليه اللّجج أو تسفك دونه المُهج . ثم قوله تعالى في آخر الآية ( إن الله عزيز غفور )  (عزيز) أي ذو انتقام من الّذين يدّعون العلم بدون إيمان ، (وغفور)  أي غفور لهفوات المؤمنين من عباده.

الآية التاسعة والعشرون  والثلاثون : وفي هاتين الآيتين يذكر الله تعالى بعض صفات هؤلاء العلماء الذين يخشون  ربهم ، فيقول جلّ وعز : ( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ (29)  لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) ) .

التَّفسِير: (وأقاموا الصّلاة ) ، الصلاة مفهومة  بين نافلة و بين واجبة ،( وأنفقوا مما رزقناهم سرًا وعلانية) أي أدّوا حقوق الله للمستحقين ، بين حقوق واجبة وبين صدقاتٍ وأعمال برٍّ في السّر و العلن ( أولئك يرجون تجارة لن تبور) ، أي لن تخيب ولن تكسد ، ( ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله) ، يفعلون ذلك لكي يوفيهم الله أجورهم في الدنيا و في الآخرة ( ويزيدهم من فضله  إنّه غفور شكور)  ، (وغفور)  معناها كثير الغفران لذنوب عباده المستغفرين ، و (شكور) كثير الشكر أي كثير العطاء يعطي على الحسنة أضعاف أضعافها .

الآية الواحدة والثلاثون : وفيها يخاطب الله سبحانه محمّداً معززًا ثقته بنفسه و بربه فيقول : ( وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ) .

التَّفسِير: أي ( الذي أوحينا إليك من الكتاب) أي من القرآن المجيد ، هو الحقُّ الصِرف الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، كما قال في آياتٍ أُخر ، و (مصدّقاً لما بين يديه ) أي مصدّقاً لما سبقه من الكتب ولا سيّما من التوراة والإنجيل مما أنزل الله تبارك وتعالى ( إنّ الله بعباده لخبيرٌ بصير) .

من الآية الثّانية و الثّلاثين إلى الآية الخامسة و الثّلاثين : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35) .

التَّفسِير: وقوله جلّ وعزّ ( ثمّ أورثنا الكتاب الذّين اصطفينا من عبادنا) ، أي الذّين هم من أولياء الله ، (فمنهم ظالم لنفسه) ، ظالم لنفسه  في قعوده عن الجهاد في سبيل الله ، أو في قعوده عن الدّعوة إلى الله، وظالم لنفسه في قلّة عبادته ،( ومنهم مقتصد)  أي متعبد مكتف بالعبادة ، ( ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله) ، وهو الداعي إلى الله ، المجاهد الذي يبلّغ رسالات الله ولا يخشى لومة لائم .

( ذلك هو الفضل الكبير) ، و الفضل الكبير للّذي هو سابقٌ بالخيرات بإذن الله . والمقصود بالذين اصطفينا من عبادنا ، الأئمّة عليهم السّلام ، ومنهم أولياء الله الذّين يصطفيهم ويجتبيهم إلى قيام السّاعة ، وهم الّذين أخذ منهم ميثاقاً غليظاً في النّشأة الأولى ، فمن هؤلاء وهؤلاء جميعاً من هو ظالمٌ لنفسه ومنهم من هو مقتصد كما قال الله تعالى ، ومنهم من هو سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفوز الكبير. وقوله تعالى ( جنّات عدن يدخلونها) ، أي يدخل جنّات عدنٍ – على درجاتٍ متفاوتة- كلّ هذه الأصناف الثّلاثة. ( يحلّون فيها من أساور من ذهبٍ ولؤلؤاً  ولباسهم فيها حرير) ، وهذا الذّهب غير الذّهب الّذي نعرفه في الحياة الدّنيا وكذلك اللّؤلؤ غير اللّؤلؤ و الحرير غير الحرير، وإنّما هي أشياء لا توصف بلغاتِ  أهل الأرض و إنّما هي من عطاءات الله لأهل خاصّته في جنّات النّعيم ،  وهم الذّين يقولون في الدّنيا و في الآخرة : (الحمد لله  الذي أذهب عنّا الحزن إنّ ربّنا لغفورٌ شكورٌ)  وقد شرحنا معنى (غفورٌ شكورٌ ) في الآيات السّابقات ، ثمّ يتابعون : ( الذي أحلّنا دار المقامة من فضله ) ، و المقامة تعني الإقامة الدّائمة في نعيم الله في الآخرة ، ( لا يمسّنا فيها نصب ولا يمسّنا فيها لغوب) ، و (النّصب ) هو التّعب ، أمّا ( اللّغوب ) فهو الإعياء من شدّة التّعب ، أي لا يمسّهم في الجنّة لا هذا ولا ذاك .

الآية السّادسة و الثّلاثون : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ  ) .

التَّفسِير: و المقصود هنا بالّذين كفروا أي الّذين كفروا بالتوحيد و بوحدانية الله وجعلوا له شركاء أو جحدوا ألوهته ، فهؤلاء ( لا يقضى عليهم  فيموتوا ) ويستريحوا بالموت ، (ولا يخفّف عنهم من عذابها كذلك نجزي كلّ كفور).

الآية السّابعة و الثّلاثون : ( وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ).

التَّفسِير: والإصطراخ هو محاولة  الصّياح  للإستغاثة ، فيقولون : (ربّنا أخرجنا من النّار نعمل صالحا) نعمل بالطّاعات ، نعمل بأوامرك الّتي أمرت ، غير الّذي كنّا نعمل من المعاصي في الدّنيا ، ولا ندعو غيرك ، فيقال لهم ( أولم نعمّركم  ما يتذكّر فيه من تذكّر) ، أولم نعطكم من العمر ومن الفسح الزّمنية ما يتذكر فيه من تذكّر ، (وجاءكم  النّذير) ،في كتاب الله، جاءكم بقيام السّاعة و بأشراط السّاعة ، (فذوقوا فما للظّالمين من نصير) ، ذوقوا العذاب و إستمراريّة العذاب بما قدّمت أيديكم و لن تجدوا من يدفع عنكم أو من ينصركم.

الآية الثّامنة والثّلاثون : ( إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ).           

التَّفسِير: أي إنّ الله هو الّذي يعلم غيب السّماوات ، ما لم يعلَمه النّاس والكثيرون من خلقه ، ( إنه عليم بذات الصّدور)  أي لاتُضمِروا شيئاً يكرهه الله ، لأنّه مطّلع على ما صدوركم ، يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصّدور.

الآية التّاسعة و الثلاثون : ( هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا ). 

التَّفسِير:  ( وهو الّذي جعلكم خلفاء في الأرض) أي يخلف بعضكم بعضاً، فكلّ جيل يخلف الجيل الّذي سبقه ،( فمن كفر فعليه كفره) أي من كفر منكم أيّها النّاس فعليه كفره ،  هو الّذي يتضرّر من كفره ، ( ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربّهم إلّا مقتاً ) ، و المقت هو شدّة البغض من قِبل الله عزّ وجلّ ،( ولا يزيد الكافرين كفرهم إلّا خساراً ) ، و الخسران في هذا المجال هو الهلاك و عذاب الآخرة .

الآية الأربعون : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا ).

التَّفسِير:  والخطاب هنا موجّه للنبيّ محمد ولأيّ وليّ من أولياء الله ، ( قل أريتم شركاءَكم الّذين تدعون من دون الله ) ، سواء كان الشّركاء الّذين تزعمون هم من الأصنام الحجريّة أو من الأصنام البشريّة أو من الأئمّة والأنبياء الّذين يدعوهم بعض النّاس وهم لا يستطيعون الإجابة ، و قد ذكرنا هذا سابقاً، أنه لا يجوز دعاء غير الله تبارك وتعالى ، فإذاً ( قل أرأيتم شركاءكم الّذين تدعون من دون الله ، أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السّموات ) ، أروني ماذا خلقت أصنامكم و ماذا خلق الأنبياء وماذا خلق الأئمّة ، ( أم لهم شرك في السّموات ) ، طبعاً هذا مستحيل  أن يكون لهم ذلك ، أن يكونوا قد خلقوا أو أن يكون لهم شرك في السّموات ، ( أم آتيناهم كتاباً فهم على بيِّنة منه ) أي على حجة بينة واضحة دامغة ، ( بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضاً إلّا غروراً ) طبعاً (إن ) هنا هي (إن) النافية ، أي لا يعِد الظالمون بعضهم بعضاً إلّا غروراً ، إلّا كذباً و زوراً .

الآية الواحدة والأربعين قوله جلّ وعزّ : ( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ) .

التَّفسِير:  ( إن الله يمسك السّموات والأرض أن تزولا ) ،  يمسكهما أي  يحفظهما من الزّوال وطبعاً ذلك أمرٌ عجبٌ من حيث تركيب السّموات ، لا يمسكهما شيئ من فوقهنّ أو من تحتهنّ  بغير أعمدةٍ ترونها ، وكذلك هذه الأرض السّابحة في الفضاء ، الدّوّارة حول نفسها ، والتي تدور حول الشّمس بانضباط ودقّة عجيبين ، لا تخرج عن مدارها ، ولا الشّمس تغيّر نهجها ، والسّموات مستقرّات بما في السّماء الدّنيا من أعاجيب النّجوم و أعاجيب المجرّات و أعاجيب  الحركات و أعاجيب الأنظمة  والقوانين في نظام الفلك ، فالله عزّ وجلّ الّذي يمسك كلّ ذلك من أن يزول ، من أن يتغير، أو أن يتبدّل ، ولئن زالتا – أي السّموات والأرض – إذا قُدّر لهما أن تزولا ، إن أمسكهما من أحد من بعده ، (إن) هنا النّافية ، يعني ما أمسكهما من أحد من بعده ، لا يستطيع أحد غير الله أن يمسك السّموات و الأرض من أن تزولا . ( إنّه كان حليماً غفوراً) (حليماً ) أي قادراً صابراً على النّاس ، لا يعاجلهم بالعقوبة ، و(غفوراً ) أي كثير الغفران .

الآية الثّانية و الأربعون قوله تعالى : ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا ).

التَّفسِير: ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) المقصود بها أهل مكة ، (لئن جاءهم نذير ليكوننّ أهدى من إحدى الأمم ) ، طبعاً أقسموا بهذه الأيمان المغلّظة  قبل بعثة محمد الميمونة (ص) رسولاً من لدن الله تبارك وتعالى ، أقسموا أنّهم إذا جاءهم رسولٌ من جهة الله تبارك وتعالى ، ( ليكوننّ أهدى من إحدى الأمم ) ، أي الأمم الماضية الّتي قبلهم ، اليهود والنّصارى والصّابئين ،  ( فلمّا جاءهم نذير ما زادهم إلّا نفوراً) ، فلمّا جاءهم محمد (ص) ما زادهم مجيئه إلّا نفوراً و استكباراً.

الآية الثّالثة و الأربعون : ( اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ).                                    

التَّفسِير: فإذاً عندما جاءهم محمد رسولاً من لدن الله جلّ وعزّ ، رفضوه واستكبروا ( استكباراً في الأرض) و تجبّراً و تكبّراً  وأنفةً من أن يتّبعوا رجلاً من البشر و( مكرَ السّيئ ) أي العمل والخداع إفساداً  في الأرض وقد يكون المكر حسناً في بعض الحالات ، كمكر المؤمنين بالكافرين في حالات الحرب ، ( ولا يحيق المكر السّئ إّلا بأهله ) أي المكر السّيئ الّذي مكروه و كلّ مكر سيّئ  يمكره الكافرون  بالمؤمنين ، كما مكر أولئك برسول الله و بأصحابه ، فقد حاق بهم مكرهم السّيئ ، فإذاً ( لا يحيق المكر السّيئ إلا بأهله) وهذه قاعدة عامّة إلى قيام السّاعة ، (فهل ينظرون إلّا سنّة الأوّلين ) أي هل ينتظرون إلّا سنّة الأوّلين أي طريقة الله وقوانينه في الماضين من الأمم ، الّذين كذّبوا رسلهم وآذوهم ، (فلن تجد لسنّة الله تبديلاً ) يا رسول الله يا محمّد ويا أي قارئ للقرآن الكريم ، لن تجد لسنّة الله تبديلاً ، لن تجد لطريقة الله وقوانينه  في تعامله مع الشّعوب ومع الأمم الّذين يمكرون بأنبيائه وبرسله ، لن تجد لها معهم تبديلاً ولا تحويلاً ، والتبديل يكون أمراً مكان أمرٍ ، و التحويل يكون أمراً عن مكان ما أو عن أمر ما ، والقصد بالنتيجة وباختصار: أنّ سنّة الله في خلقه أن يعاقب الأفراد والأمم و الشّعوب ، كما عاقبهم في الماضي على تكذيبهم الرّسل قبل محمّد (ص) ، وأن يعاقبهم مجموعات من البشر كما عاقبهم على تكذيبهم محمّداً بعد إرساله (ص) وذلك بدحرهم وخذلانهم ،  فكما يعاقب الأمم فإنّه سبحانه من سنّته أن يعاقب كذلك  الأفراد الّذين يمكرون  بأنبيائهم والّذين يمكرون بدين الله ،  ونرى ذلك في التّاريخ وفي البعثات السّابقة ، و في بعثة محمّد (ص) ، ثمّ فيما أتى بعد محمّد إلى قيام السّاعة ، وذلك على شكل عقوباتٍ، تارةً على مستوى الأمّة ، وتارةً على مستوى المجتمعات ، وتارةً على مستوى الأفراد ، ولا يظهر ذلك إلّا للمتتبّع و المدقّق في سلوك النّاس بشكل عام .

الآية الرّابعة و الأربعين : ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ).

التَّفسِير: فهؤلاء الّذين كذّبوا الرّسل وكذّبوا رسول الله محمّد (ص) و الّذين ما زالوا يكذّبون ما أنزل الله على محمّد وما أنزل الله من رسالاتٍ  إلى البشر ، ( أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الّذين من قبلهم) من الشّعوب ومن الأمم ، (كانوا أشدّ منهم  قوّة ) بعساكرهم وبجيوشهم وبحروبهم  وبفتوحاتهم ، (وما كان الله ليعجزه شيئ في السّموات ولا في الأرض) ، إذ أنّ الله تبارك وتعالى كما أهلكهم وأبادهم ،سيهلك ويبيد أمثالهم قبل قيام السّاعة ، فلا  يعجزه أو يصعب عليه من شيء في السّموات ولا في الأرض ، (إنّه كان عليماً قديراً ) (عليماً) في دقائق الأمور لا يخفى عليه منها شيئ ، و (قديراً ) قدرته لا تحاول ولا تطاول وليس لها حدود.

ثمّ الآية الأخيرة من سورة فاطر الآية الخامسة والأربعين  قوله عزّ وجلّ : ( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا ).

التَّفسِير: وقوله جلّ شأنه ( ولو يؤآخذ الله النّاس بما كسبوا  ما ترك عليها من دابّة ) أي على ظهر الأرض، وإن لم يذكر اسمها هنا ، إلّا أنّ القرائن  تدلّ عليها ، فلو أنّه يعاقبهم سبحانه على ما يرتكبون من معاصٍ ومن آثامٍ ، ما ترك على ظهرها من دابّة ، لأنّ الجميع يدانون إلّا من رحم ربّك ، ولولا أنّ بعض النّاس يستغفرون  وأن بعضهم يتوبون وأنّ بعضهم يهتدون فيلجأون إلى الله جلّ وعزّ ، لما ترك على  ظهر الأرض من دابّة ، (لكن يؤخّرهم إلى أجلٍ مسمّىً )، وهذا الأجل المضروب لجميع خلق الله هو قيام السّاعة ، وقد جاء أشراطها كما قدّمنا في آياتٍ أخريات ، فإذا جاء أجلهم ، وهو يوم الفصل ، يوم الحساب ، ( فإنّ الله كان بعباده بصيراً ) ، كان بصيراً بأمكنتهم ، بأعمالهم ، بدخائلهم ، فهو سبحانه  يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور، وتبعاً لذلك يقرّر سبحانه درجاتهم في النّعيم أو في الجحيم .

سبحانك اللّهم وبحمدك ، إغفر لنا وتب علينا ، و آخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين .

شارك