محاسبة على الظاهر والباطن …

محاسبة على الظاهر والباطن …

وفضح المنافقين

 

        ما زلنا في أجواء العبر الملزمة لنا ،كأمة وكأفراد ، نفسياً وسياسياً واجتماعياً وعسكرياً ، عنيت أجواء واقعة أُحُد . ففي أواخر آياتها ، وكأنما هي الخلاصة ، قال عزَّ وجل وتبارك وتعالى :

       { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ . وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ . الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ  } . [ 165 ـ 168  : آل عمران ] .

        الناس  في هذه الأمة ، كم يغنون وكم يمجدون ، لو هم تدبروا كنـزهم  الأروع على هذا الكوكب الأرضي ، عنيت القرآن الكريم . فأما غناهم ، إذا تدبروه ، إنما يكون بالمعاني السامية والتعاليم الفعالة ، التي تكنـزها الأفئدة ، وتكنـزها أعماق الضمائر ، ذلك هو علم النفس الحقيقي العالي ، وليس  السقيم المفترى  ، مما نسمع ومما نقرأ ومما نرى من نماذج . وأما مجدهم ، إذا ربوا أنفسهم وأبناءهم بمقتضى آيات الله ،موقنين بهيمنته سبحانـه، وإحاطته بالنفوس والأجسام، وإحاطته العملية بدقائق الكون وتفاصيله ، وأنه هو القادر القاهر الذي لا يفوته شيء ولا يعجزه شيء ، وأنه هو ناصر المنصورين ، وهو خاذل المخذولين،

 

 يعني باختصار ، إذا شحنوا مبادىء التربية  الإسلامية ، بفكر التوحيد ، كما هو مبين ومفصل في القرآن الكريم ، لنصروا الحق ،  وانتصروا به على أهل الباطل ، كفرةً ومجرمين ، ومشركين  ووثنيين ، حيثما كانوا على وجه هذا الكوكب . وبالانتصار الشامل  هذا يكون مجد هذه الأمة ، التي جعلها الله سبحانه أمة وسطاً ، ووعدها بهذا النصر وهذا المجد ، إن هي التزمت بتوحيده سبحانه ، وبطاعته ، وجاهدت في سبيله وحـده لا شريك له ، آمرة بالمعروف ، ناهية عن المنكر ، عابدة إياه وحـده ، مسقطة جميع أنواع الطواغيت المادية والمعنوية . تائبة من التوجه لبني البشر والتوكل على نبي البشر ، أنبياء كانوا أو أئمة ، أو ساسة أو قادة مهما علت مكانتهم الدينية أو الإنسانية ، أحياءً وأمواتاً .

        هذا بعض ما تنطق وتوحي به ، هذه الآيات التي نحن بصددها . فنحس ونوقن ، بأن الله جلَّت عظمته ، هو يدير المعركة ، كل معركة ، أُحُد وغير أُحُد ، في الغابر والحاضر والمستقبل ، في الدهر كله ، بين كل فريقين متقاتلين ، قلُّوا أم كثروا ، محلياً وعالمياً . فهو سبحانه مالك الملك ، يؤتي الملك  من يشاء وينـزع الملك ممن يشاء ، ويعز من يشاء ويذل من يشاء ، بيده الخير وهو على كل شيء قدير .

        وكيف يدير ويدبر شؤون الناس ؟ يفعل سبحانه ذلك تبعاً للنوايا ، وتبعاً للإعتقاد . ومن الأدلة على ذلك ، هذه الآيات ، التي يحاسب فيها  المقاتلين ، المؤمنين والمنافقين ، فيظهر ما استبطن عند هؤلاء وهؤلاء ، ويعلم  الجميع بما لم يكونوا هم يعلمون عن أنفسهم وعن الآخرين : يلاحق خلجات الأنفس ، ويحاصر أنفاسهم وأعمارهم ومصائرهم ، نجد كل ذلك وأكثر منه في هذه الآيات الأربع الكريمات :

        فقوله تبارك وتعالى : { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا … } أي أصبتم ضعفها حيث نصركم في معارك سابقة وفي نفس هذه الوقعة ، وقعة أُحُد ، في بدايتها . { قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا } قلتم لماذا وكيف هذا ونحن مسلمون وفينا رسول الله ـ لأنه (ص) كان وعدهم بالنصر من  الله إن هم أطاعوه . { قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ  } أي بمعصيتكم لأمر ربكم  المتمثل بمعصيتكم لرسوله (ص) . { إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } قدير على أن ينصركم بشروطه هو سبحانه ، وقدير على أن يخذلكم إذا نقضتم هذه الشروط ، فينصر عليكم أعداءَكم ، لا حباً بهم وإنما تربية لكم وعقوبة مبطنة بلطفه ، لكي تتكاملوا كما يحب لعباده الصالحين ، فتفوزوا فوزاً عظيماً : { هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا } . [ 44 : الكهف ]  وقوله تعالى : { وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ …}  أي أن الله سبحانـه أوقع ذلك ، بين تعذيب لفريق ، وتعليم لفريق ، وأجر عظيم  للنبي (ص) والذين ثبتوا معه . وقوله تعالى : { وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ . وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ …} فقد سبق وأشرنا إلى فعل ( علم ) ومشتقاته ، تلك التي لها صلة باسم الجلالة ، وخلاصة الأمر أن الله عزَّ وجلَّ يعلم السابق واللاحق من الأمور ، علم ما كان وما سيكون من الأزل إلى الأبد : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } . [ 3: الحديد ] . ولذلك فإن قراءة { وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ . وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ …} في هذه الآية  ينبغي أن تكون بضم الياء في فعل يعلم وكسر اللام ، فيكون معنى قوله تبارك وتعالى : ليجعل علامة على كل مؤمن ، وذلك كقوله تعالى : { سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ } . [ 16 : القلم ]  أي نضع سمة أي علامة على وجهه ، يعرفه بها الملائكة ومن يشاء له الله ذلك . ومن جهة أخرى ليعلم  المؤمنين كذلك تعليماً نافعاً يكون فيه تدارك كمالهم الإسلامي فالإنساني . وأما قوله تعالى { وَلَيُعْلِم الْمُنَافِقِينَ } فالصيغة عينها ، أي يجعل على وجه كل منافق علامة تدل على نفاقه ، يعرفه بها أهل السماوات ومن يشاء الله من أهل الأرض ، ومن جهة أخرى يعلم المنافقين إعلاماً يكون فيه إلقاء الحجة عليهم بعد فضح نواياهم وكشف ما استبطنوا من الكفر والكذب والخيانة لله عزَّ وجل ولرسوله (ص) . ثم يفصِّل سبحانه القول في مواقفهم ، وأقوالهم ومزاعمهم ، وأنه يصبحون مع موجات النفاق والشك والخيانة والجبن ، أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان ، قوله عزَّ وجل : { وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ }  أي قاتلوا انتصاراً لعـزة الله ولدينه العظيم هذا ، أو إن لم

يكن لكم شرف هذا الإيمان ، فادفعوا القوم وقد جاؤوا يتحدونكم في عقر داركم ويعرضونكم للقتل والإذلال والسبي أنتم وأعراضكم …

        { قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ } ذلك هو النفاق المفضوح . فهم يعلمون قتالاً بالتأكيد ، ولكنها حجة الوقح الكذوب ، الذي حرم نفسه نعمة الصدق وشرف الثبات في المواجهات والصمود في المواقف ، استقواءً وتعززاً بالله العلي القدير ، والقوي العزيز . قوله عزَّ وجل { هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ} ذكر الإيمان هنا على دعواهم ، وليس على حقيقة كونـهم مؤمنين في الأصل . فهم منذ البداية أظهروا الإسلام ، وظلوا مستبطنين كفراً أو شركاً أو ارتياباً برسول الله (ص) وبأخباره ووعـوده ، والدليل عل ذلك ، قوله عزَّ وجل في الآية التي تليها:  { يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } فهم لو قالوا ما في قلوبهم لكان موقعهم  الطبيعي إنما يجب أن يكون مع أعداء المسلمين المجاهرين بهذا العداء . ولكن أسباباً عدة كانت تشدهم للبقاء مع المسلمين ، مدَّعين الإسلام والإيمان ، هذه الأسباب تتراوح بين الخوف والرجاء : الخوف على مصالحهم إن هم التحقوا بالمشركين ، وكذلك الطمع بمكاسب ومغانم ، كانوا يسعون لنيلها مع مجموع المسلمين بعد أن رأوا انتصارهم في بدر وغيرها من الغزوات . وبهذه الآية الكريمة وغيرها من الآيات ، فضح الله نواياهم ، وأعلم المسلمين بهم بعد إذ كانوا يظنون فيهم الخير والصلاح وصدق الحمية الإسلامية . ويتابع الله تعالى في وصفهم ووصف خيانتهم ونفاقهم وسوء اعتقادهم بقدرة الله عزَّ وجل وشمول حاكميته وهيمنته ، وهي أمور لا تختص بمنافقي وقعة أُحُد وحدهم، وإنما تشمل وتنسحب على جميع المنافقين ، التي تظهر أحوالهم وطبائعهم جلية في ضوء هذه الآيات ، إذا واجهوا أو وُوجِهوا بظروف مشابهة ، سواء في المعارك السياسية أو المعارك العسكرية ، أو حتى الفكرية ، التي يتعرض لها المسلمون ، في حياتهم وصراعاتهم مع أعداء الله وأعداء دينه ، منذ أرسل الله رسوله محمّداً (ص) وإلى قيام الساعة . يقول سبحانه متتبعاً أقوالهم وتحركاتهم وأحاسيسهم : { الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا …} الذين قالوا لإخوانهم في النفاق ، قالوا يغتابون المسلمين ، وخاصة رسول الله (ص) حيث لم يعمل بمشورتهم هم ، وأخذ بمشورة غيرهم كما ذكرنا في تفاصيل الواقعة . فنقموا عليه تجبراً وتكبراً وارتياباً برسالته (ص) قالوا  هذا وانفصلوا عن بقية المسلمين ، فكان ذلك منهم خذلاناً لمحمّد (ص) وصحبه وعصياناً وخيانة لله عزَّ وجل . قالوا وفعلوا هذا وقعدوا عن  الجهاد في سبيل الله ونصرة دينه .  قالوا عن بقية المسلمين  الذين لم ينسحبوا معهم قبل بدء المعركة ، ولا سيما عن الذين  قُتِلوا منهم :  { لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا } وهذا فكر سطحي ، ما زال أكثر الناس في أيامنا هذه ، وفي أوساط إسلامية ، يعتقدونه ويرددونه ، كما يحتجون  بالآية  الكريمة احتجاجاً خاطئاً : قوله تعالى : { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} . [ 195 : البقرة ] ويعطونها نفس المعنى الذي قاله ويقوله المنافقون في مواجهة الأعداء والمواقف  التي تستدعي البأس والحمية الجهادية في سبيل الله . وهو معنى بخلاف ما أراد الله عزَّ وجل من الآية ، فمعنى { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} أي لا تمتنعوا عن الإنفاق في سبيل الله دعماً للمقاتلين المسلمين  في كل زمان ومكان ، ويتضح  المعنى من موقع الآية . فمن شاء فليراجع . ولذلك ألقى الله سبحانه عليهم الحجة ، ودمغهم دمغاً بقوله عزَّ وجل : { قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ  } . واضحٌ التحدي القاتل أو القاهر المميت فعلاً ، في هذا الرد. من يضمن منكم أن لا يموت لساعته ، بنوبة قلبية ، بنفرة فرس ، أو سقطة عن ظهر دابة ، أو حادث سيارة أو لسعة حشرة كبيرة أو صغيرة ربما أصغر من بعوضة، أو … إلى آخر ما هنالك من أسباب لا تُعدُّ ولا تحصى يتسبب عنها القتل أو الموت . والأبرز الأظهر من ذلك كله هو الموت ، فليس لإنسان مهرب منه ، مؤمناً كان في الصديقين ، أو طاغوتاً في المكذبين والمنافقين . من هنا قوة الرد القاهر ، للمنافقين ، وجميع الذين لا يعرفون ، أن الآجال موقوتة في علم الله ، وأنها في كتاب ، وأنه سبحانه { يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ } . [ 39 : الرعد ]  وأنه هو يحيي ويميت ساعة يشـاء . فبماذا يجيب المنافقون ، على قوله تبارك وتعالى ،

 

هذا القاهر : { قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ  } .

*  *  *

        تبقى آية الختام ـ للوقعة ـ  الدرس التاريخي ، أُحُد ـ هذه الآية التي هي في الحقيقة آية ختام لكل قتال بين أنصار الله من جهة ، وأنصار الطواغيت من جهة ثانية ، ما دام على هذه الأرض تكليف وجهاد في سبيل الله . هذه الآية هي قوله تبارك وتعالى :

       { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } . [ 169 : آل عمران ] .

        وبمثل معناها  تقريباً ، شبيهتها في سورة البقرة : { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } . [ 154 : البقرة ] .

        وكلتا الآيتين تشيران إلى حقيقة واحدة ، هي أن من يقتل في سبيل الله ، هو حي عند الله يرزق ، وليس في ذلك أية تورية أو مجاز ، هو حي كعامة الأحياء الذين يعيشون على هذا الكوكب الأرضي ، ويرزق كما يرزقون  ، ولكن على نحو أفضل . ودليل ذلك في قـول الله عزَّ وجل : { … وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ . سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ . وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ } . [ 4 ـ 6 : محمّد ] . وهذا الترتيب في سورة محمّد ليس عبثاً ، فهو مقصود وبوضوح  ، كذلك بدون أية تورية ولا كناية ولا مجاز ، ، هي هداية وإصلاح بال. وبعد الهداية وإصلاح البال ، إدخالهم الجنة : {  وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } . [ 19 : الأحقاف ] .

        وأكثر كتب التفسير التقليدية المحترمة ، أشار إلى هذه الحقيقة ، ولكن إشارات غالباً ما كانت غامضة ومبهمة ، معتمدين فيها على صراحة النص القرآني من جهة ، وعلى بعض الروايات من جهة ثانية .

        ويكفي القول في كلتا الآيتين ، أن هذه الخصوصية فيهما عن ذكر الحياة بعد القتل ، وكذلك الرزق ، كافية لاعتبار ما قلناه ، عن حقيقة الحياة وحقيقة الرزق  ،المختلفتين عما نقرأه في القرآن والأحاديث عن حياة البرزخ ، وبعده حياة الآخرة بعد يوم القيامة والحساب .وإلاَّ إذا كان الشهداء لهم نفس مصير الناس العاديين، الذين يموتون موتاً عادياً ، أو كما يسمى في اللغة ، حتف الأنف ، فيكون هذا التخصيص للشهداء بهاتين الآيتين الكريمتين الشهيرتين بدون طائل ، ومعاذ الله أن يكون الأمر كذلك . فالتميز في استشهاد الشهيد ، وبموجب الآيتين، ظاهراً  ، قد اقتضى تميزاً في مصيره . وإلاَّ لو كان الاستشهاد قتلاً في سبيل الله ، كالموت العادي الذي في سبيل الله ، لكان أُغْفِلَ الفارق بينهما . وحقيقة الأمر أن الفارق كما هو واضح في الآيتين لم يُغْفَلْ .

        إلاَّ أن في القرآن الكريم ، محطات عجيبة لإعمال النظر . قد يبدو بعضها مطلباً أعلى من مطلب الشهادة ، أو بكلمة أخرى : كما أن الاستشهاد هو أفضل ميزة من الموت العادي ، فإن موتاً عادياً مع بعض التأمل ، هو أعلى درجة من الاستشهاد ، ذلك ما يسمى بالموتة الأولى والأخيرة : قوله تبارك وتعالى : { لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ . فَضْلًا مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  } . [  56 ـ 57  : الدخان ] . ومرجـع الهاء في {فِيهَا} إلى الجنة . ومن هذا الفريق الأنبياء ومن كان قريباً من منـزلاتهم من أولياء الله الصالحين . ولتوضيح الأمر أكثر .نذكر في مقابل هذه الموتة الوحيدة ، التي هي الأفضل ، في معاناة أهل الأرض على مختلف درجاتهم عند الله سبحانه ، قوله تعالى ،في إشارة إلى موتتين وحياتين ، يخضع لهما فريق ثالث من الناس: { قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَـا فَهَـلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ } . [ 11 : غافر ]  وهذا الفريق كفر في النشأة الأولى  ، فحكم عليه بالعذاب ، فرجا الله عزَّ وجل بإعطائه فرصة أخرى ، فأعطاه . وهو يعلم سبحانه ، وقد أعلمهم كذلك ، أنهم لو ظلوا يحيون ويموتون إلى أبد الآبدين ، لما تزحزحوا عن كفرهم  وعتوهم ، وهو سبحانه أعلم بالظالمين .

        يبقى لزوم الإلفات إلى قوله عزَّ وجل : { وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } في آية سورة البقرة . فإن هذه العبارة كافية لإثبات حقيقة الحياة والرزق من الله للمستشهدين ، بشكل مختلف عن الحياة المقررة لغيرهم ممن يموت من المؤمنين العاديين . ولو كان هؤلاء ، كذلك يحيون ويرزقون ، وإنما في برزخ هو في قوله تبارك وتعالى : { …وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } . [ 100 : المؤمنون ].

        أما قوله تعالى في آية آل عمران : { بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } فكلمة { عِندَ رَبِّهِمْ } لا تعني مكاناً معيناً ولا زماناً معيناً ، فحيثما يكون الإنسان في الأرض أو في السماء ، أو في أي مكان من الكون ، فهو عند ربه عزَّ وجل ، إلاَّ أن المقصود بالعبارة ، هو التأكيد على الرعاية والهداية وصلاح البال .

        يبقى التنبه إلى الفارق بين قوله تعالى : { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيـلِ اللّهِ … } في البقرة ، وقوله عزَّ وجل : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ … } في آل عمران ، أن الأُولى ، تعتني بمن سيقتل في سبيل الله ، في كل عصر وزمان ومكان ، فشأنهم ، أي هؤلاء الذين يستشهدون في سبيل الله أنهم { أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} . وأن الثانية تعتني بالذين قتلوا في الماضي زمن محمّد (ص) وأصحابه من السابقين ، فما بعدهم ، كلما استشهد فرد أو مجموع كانوا مصاديق لهذه الآية الكريمة { أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } .

        وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

شارك