الحبّ .. أﻣ المودَّة ؟!

الحبّ .. أﻣ المودَّة ؟!
 
بيروت ، يوم السبـت ، حوالي الساعة الثانية والثلث بعد الظهر ، اتصل بي على الأنترفون :
ـ         هنا الشيخ ..
ـ         نعم تفضل .
          هو شاب وسيم أميل إلى الطول .
ـ         أهلاً وسهلاً . يبدو عليك التعب .
ـ         أكثر من تعب . أكاد أنهار ( واصفرَّ وجهه ، وبدا عليه أنه غير متماسك ، ومال إلى الأرض ) لولا أن أعانه أحد أولادي ، وكان بقربي ، وأدخله، ودخلت بأثرهما. وأجلسه في الصالة. وانتظرت حتى تماسك ، فنهل قليلاً من الماء . ثم قليلاً من فنجان الشاي ، ثم طلب أن ينفرد بي لأن في الأمر خصوصية . فنظر ولدي نظرة ارتياب ، لأننا لم نكن نعرف الرجل . فقلت له توكل على الله فهو معنا سبحانه . وأشرت له بالخروج فخرج .
ـ         هل أنت مرتاح الآن .
ـ         نعم ، الحمد لله .
ـ         من أين حضرتك ؟
ـ         لبناني ، من بلدة كذا ، من منطقة كذا …
ـ         عمرك ؟
ـ         سبع وثلاثون سنة .
ـ         مهنتك وثقافتك ؟
ـ         … ومجاز في العلوم السياسية .
ـ         لماذا جئتنا ؟
ـ         بعض أقاربي وإخواني ، نصحني أن أزور طبيب صحة ، وبعضهم بطبيب نفساني ، وبعضهم قال إن حالتي تستدعي رجل دين من الموثوقين ، وحيث أني أنا أعلم بحالتي ، وصحتي ومشكلتي ، وحيث أني مؤمن بالله فقد قررت أن ألجأ إلى رجل دين .
ـ         بل تلجأ لله ، وما رجل الدين إلاَّ أداة ، مؤشر ، دليل ، يدل على درب السلامة إذا وفَّقه الله  .
الآن باسم الله وبالله . تفضل وقل ما تريد .
ـ         أحس أنني أكاد أفقد عقلي ، بين الحين والحين ، وقد بلغ بي الأمر أن قوتي تخونني وأحس بضعف شديد.
ـ         منذ متى ؟!
ـ         منذ شهر تقريباً .
ـ         هل فقدت أحداً من أهلك ، هل توفي منهم أحد ؟
ـ         نعم والدي وكان في حوالي السابعة والستين من العمر .
ـ         يعني كان شاباً .. منذ متى توفاه الله ؟
ـ         منذ أربعة أشهر تقريباً .
ـ         هل تعتقد أن فقدك لوالدك يسبب لك ما أنت فيه الآن . ومنذ شهر .
ـ         لا ليس الأمركذلك ، فقد كان رحمه الله ، يعاني من ارتخاء في عضلة القلب وكان موته متوقعاً . وقد تجاوزت الصدمة .. إلا أن حالتي الراهنة بسبب فتاة ..
ـ         إذاً هات ..
ـ         كنت خاطباً فتاةً منذ أربع سنـوات أو أكثـر قليلاً، وكنت أحبها كثيراً وتحبني أكثر، وفجأة بعد مضي سنتين تقريباً، أبغضتها لدرجة لم أعد أحتمل رؤيتهـا . وقـد أدركـت هـي ذلك ، وتأثـرت ، وعانـت من تحوّلـي هذا بمرارة .. وافترقنا .
          ثم فجأة كذلك ، وبعد قطيعة حوالي سنتين ، شعرت بحنين إليها وشوق عجيب ، فاتصلت بها .. وعادت العلاقة طبيعية وعلى أحسن حال .
          منذ شهر ، تغـيَّرت عليَّ ، وأخبرتني أنها على علاقة بشاب يعمل في المؤسسة التي تعمل فيها ، وأنه قريباً سيعقد عليها .
ـ         كم عمرها ؟
ـ         خمس وثلاثون سنة .
ـ         وهل أنت لم تعقد عليها منذ البداية ؟
ـ         نعم لم أفعل ، وإنما قرأنا الفاتحة .
          [ وهذا يعني- في بعض نواحينا- الخطبة . ( وهي ليست شرعية في الدين ، إذ هي لا تحل له ، ولا حتى أن يمسَّها ) ، ومن هنا كان الخطأ الأول ، بل الخطيئة الأولى . ولست أدري من أين أتت هذه العادة السيئة . فهو إن قاربها وقع وأوقعها في معصية هي من الكبائر في جميع المذاهب الإسلامية ، وإن لم يقاربها وطالت مدة الخطبة كما هو الحال ، في قصة هذا الشاب وفتاته ، حصل الكبت . الذي قد يعقد الأمور دون وعي من الطرفين . ويبدو من تقرير هذا الشاب أن عمر الفتاة كان عندما اكتفيا بقراءة الفاتحة – مع معلومة أنهما يحرم عليهما أن يتقاربا – إحدى وثلاثون سنة، ومضت أربع سنوات، فصار عمرها خمس وثلاثون، والمرأة عندما تتجاوز الخامسة والعشرين تبدأ تشعر بما يسمونه ” العنوسة” ، فكيف إذا تجاوزت الثلاثين . وأن تصبح البنت عانساً من البلايا الكبيرة ، وهي عندها خسارة لا تعوَّض . من هنا أخبرته فتاته هذه ، بعد أن أيأسها مدة أربع سنوات تقطَّرن من عمرها ، وهي تحلم ببيت الزوجية ، الذي هو عادة بالنسبة للمرأة مملكتها ، وتحلم ، وذلك كذلك في غريزة المرأة ، بطفل أو طفلة تملأ عليها حياتها بالبهجـة والسعادة والشعـور الباطنـي العميـق باستمـرار حياتـها وتحقيق وجودها ، وهذه أمور إذا لم تتحقق للمرأة ، دخلت في  يأس قد تتلوه ، إذا لم  يعالج بالإيمان والصبر بالله تعالى- الكآبة ، التي إن تفاقمت أصبحت قاتلة ، نفسياً ، وبدنياً . وهذه الفتاة ، وقد بدا يدق عندها ناقوس الخطر ، فلا حقق لها حبيبهـا البيت – المملكة ، ولا الطفل الذي هو أغلى أحلامها ، وها هي تكاد تدخل في ظلام العمر ، في ” العنوسة ” ، لذلك كله فاجأته بأنها ستتزوج غيره .
          وهنا نقول ، أنه لو كان العقد شرعياً كما هو مفروض ، لوجدا شيئاً من التنفيس ، دون الوقوع في الإثم الذي تترتب عليه العقوبة ، الدنيوية ، ودون الكبت السلبي ، في حال التعفف ، ولكان العقد ، أي شرعية العلاقة حافزاً للإسراع في تدبير السكن ، ومعه السكينة والسلامة والطمـأنينة . إذاً أبلغته أنها ستتزوج غيره . ويبدو كذلك هنا إما أنها كانت جادَّة بعد أن نفد صبرها ، وإما لتحريك رجولته ، فيبادر بفعل ما هو عقلاني وعملي . ولكن الذي حصل هو عكس المطلوب …]
          حيث تابع الشاب يقول :
ـ         ومنذ ذلك الحين أخذت أعصابي تتحطَّم ، وقواي تنهار ، وعقلي أصبح مشتتاً ، وها أنا كما تراني . ذهبت إلى شيخ يضرب ( المندل )(*فأخبرني أنها حقيقة ستتزوج الشاب الذي معها في المؤسسة ، فازددت تعقيداً . وكانت هي قد أخبرتني أنها منذ مدة ذهبت إلى نفس هذا ( المشعوذ ) وأخبرها أيام انحرافي عنها ، أني أراها كالعبدة السوداء .
ـ         إذاً هو يفتن بينكما …
ـ         لا هو يعلم عني ويعلم عنها دون أن يقول له أحد . اليوم لم أعد أحتمل  قصدتها .. وقبَّلت رجلها .
ـ         في البيت ؟
ـ         لا في الشارع .
ـ         وأمام الناس ؟
ـ         لا في سيارتها .
كنت منذ أيام ذهبتُ بصحبة والدتي ، لزيارة بيت فلان ، بعد أن دعتنا ربة البيت مراراً ،حيث عندها بنت ، مرشحة للزواج ، قلنا نتكلم معها ومع أهلها ، لعلني أخطبها وأرتاح من ” سميَّة” فكنت أثناء السهرة أنظر إلى الفتاة الثانية ، ولا أراها ، كنت لا أرى إلاَّ ” سميَّة ” . ثم انصرفنا من لدن القوم ، دون أن نتكلم بشيء . وقد حدثت سميَّة بذلك . لأثبت لها أني لا أطيق فتاة في الدنيا غيرها . ولكنها انفجرت باكية وغاضبة وقالت : ولكنك ذهبت إليها ناوياً خطوبتها ! … أليس كذلك ؟! وكانت هي تعلم ذلك لأننا في نفس البلدة .
ـ         هل حصل هذا الحوار مع سميَّة ، قبل لقائكما في السيارة أم بعده ؟
ـ         لا قبل ذلك بأيام ، يوم أخبرتني أنها ستتزوج من زميلها المذكور ، أتريد أن  ترى صورتهـا ( ومدَّ يده يريد إخراجها من جيبه )
ـ         لا ، لا لزوم لذلك ، هل لديكما بيت جاهز لسكناكما ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المندل : طريقة من طرق تحضير الجن ، يكذب هؤلاء المجرمون المشعوذون على زبائنهم وما أكثرهم ، وهم جهلة الناس .
ـ         نعم ، وهي شاركت في تجهيزه . لو تُكلِّمها في التلفون .
ـ         لا لزوم لذلك ، وإنما .. خذ نَفَساً طويلاً ، واسمعني جيداً :
         إعلم أنه من الصعب جداً على فتاة أصبح عمرها 35 سنة ، أن تصبر بدون زواج ، ودون سكن في بيت شرعي مدة أربع سنوات مع الشاب الذي تحبه ، والذي اكتفى منذ الأربع سنوات التي تصرَّمت من عمرها أن قرأ عليها الفاتحة . عد إليها بسرعة ، فهي ما زالت تحبك ، بدليل أنها انفجرت غاضبة ، عندما عرفت أنك ذهبت لتخطب فتاة غيرها ، وبدليل أنها ما زالت تشاركك في تجهيز البيت ، وأنها بكت من برودتك وقسوتك بكاء المطعونة في حبها للمرة الثانية ، وما قضية الشاب الذي ادَّعت أنها ستتزوج منه إلاَّ وسيلة تحريك لشهامتك ورجولتك .. ولتهيئة البيت الذي آن لكما أن تأويا إليه ، هذا أولاً ، وثانياً ، أُعقد عليها في أول فرصة ممكنة ، معتذرا إليها عن تضييع السنين الماضية ، وعلى المرارات التي أدخلتها على حلاوة حبكما ، وانتقلا سريعاً إلى بيتكما سعيدين ، فالسعادة تكون – مع الإيمان والحب – ولو على حصير ، هذا ثانياً وأما ثالثاً ، فاعلم جيداً أن عمل أدعياء علم الغيب ( المندل ) وكل أنواع الكتابة للحب أو للبغض ، هي حرام ، وأنها أنواع من السحر أو من الكذب والشعوذة ، وأصحابها في غضب الله ، كذلك المتعاملون معهم المخدوعون بأساليبهم المجرمة . قال تعالى : { … وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى . سورة طه الآية 69 } . علِّمها أن زيارة مثل هؤلاء والتـعاطي معهم جريمة ، وأن من يتوكل على غير الله ويستغيث بغير الله من الكاذبين والفاسقين والمشعوذين يضيعوه كما  ضيعوكما  أو كادوا .. ثم إن من يتوكل على الله سبحانه يكفيه ، ويهديه ، ويغفر له – إذا تاب وأناب – ذنوبه وأخطاءه ويصلح بينه وبين من يحب ، لأنه سبحانه غفور ورحيم ، وهو أرحم الراحمين ، وأسمع السامعين ، أوَلا تؤمن أن الله معنا الآن يرانا ويسمعنا ويستجيب دعاءَنا إذا دعوناه . فثق بصحبة الله تعالى لنا وبقوة حضوره وأنه على كل شيء قدير ، وحده لا أحد غيره من خلقه .
         هنا كانت سحنة الشاب تتغير وقوته تعاوده ، ولكنه طلب إليَّ من جديد لو أني اتصلت بفتاته لأقول لها أني على استعداد أن أذهب بصحبته إلى أهلها لأخطبها له من جديد ، على أني بمثابة والدٍ له ، حيث أن والده غير موجود . فاعتذرت ثانية ، وأدركت أنه بحاجة لدعم إنسانٍ ما ، مخلوقٍ ما، وهذا في الحقيقة نقص يجب على كل مؤمن أن يتلافاه ويعتمد على الله وحده :{… وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا . سورة الطلاق الآيات ( 2 ـ 3 ) }.
         وبعد أسبوعين تماماً ، أي مساء سبتٍ ، عاد يزورني وبدون اتفاق وعلى غير موعد .
         استقبلته بعين فاحصة ، مقارنة مع مقابلتي السابقة ، فإذا هو مشدود القامة أكثر من ذي قبل ، في وجهه شيء من البشاشة ، وحركته أكثر حيوية .
         بادرته بالكلام :
ـ         تبدو أحسن حالاً ، حصل خيراً إن شاء الله ؟
ـ         أحسن بكثير ، ولله الحمد .
ـ         كيف سميَّة ؟
ـ         تزوجنا .. وهي بخير وتسلم عليك ، وتريد أن تزورك ولكن عجلت المجيء إليك ، لأن وقتها لم يسمح لها اليوم ، جئت لأشكرك على ما أنقذتني وهديتني لأُنصف سميَّة وأنقذها أيضاً.
ـ         الشكر لله وحده ، الشكر لله أولاً وآخراً ، فهو وحده سبحانه هداني ووفقني للذي قلتُ لك ، قال تبارك وتعالى : { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء … سورة القصص الآية 56 } . هل سميَّة سعيدة ببيتها الجديد ؟ وبزوجها الذي فارق خريف نفسه وأفكاره ، إلى ربيعٍ كان بانتظاره وانتظار سميَّة ، ولكن لم يكن يراه ؟ يبدو أن الله تعالى كان يريد لكما ربيعاً ، فجنحت أنت عنه .
ـ         صحيح ، وها أنا بحمد الله ، عدت إليه .
ـ         نعم يا فايز ، فقد منَّ الله تعالى عليك من جديد ، وها أيامك بفضل منه سبحانه قد أورقت وأزهرت وعسى قريباً أن تثمر ، فيرزقكمـا الله طفلاً أو طفلة تكمِّل عليكما السعادة ، في ظل الآية الكريمة ، قول الله سبحانه { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ . سورة الروم الآية 21} .
          ويا عزيزي يا فايز ، أمَّا وقد أخذنا نحسن التفاهم حول معرفة الله تعالى فاعلم أنه في نهج البلاغة ، أول عبارة في الخطبة الأولى : ” أول الدين معرفة الله ” ولقد حقَّ عليَّ أن انتقل معك نقلة مهمة في مفهوم الحب بشكلٍ عام ، دفعني إلى ذلك ، موقفك من سميَّة ، يوم انحنيت تقبل قدمها ، طبعاً كان اشتعل فيك حبك لها حتى حجب دخانه عن عينيك أولاً طاعة الله وثانياً كرامتك التي بذلتها على قدمي إمرأة . فاعلم يا عزيزي أن الله تعالى ، وقد أصبحت حريصاً على تعاليمه ، إنه لا يحب المؤمنين الضعفاء ولكنه سبحانه يحب المؤمنين الأقوياء بعزته. وقد ذكرت لك هذه الآية الكريمة ، التي تحصر علاقة الرجل بالمرأة ، من الجهتين العاطفية والإجتماعية وتشكل قاعدة مبدئية مسؤولة أمـام الله تعالى للرجال والنساء على السواء، وهي أن يعلموا أن الله تعالى اعتبر هذه العلاقة ، مودة مع السكنى والسكينة ، إضافة إلى ظله الظليل ورحمته الواسعة . ولن تكون هذه العطاءات من لدنه عزَّ شأنه ، للذين هم وضعوا قوانين وأعراف الحب ، الذي هوى من قمم الجبال الشامخة بالشهامة والكرامة ، وتقوى الله ، والتعفف والعنفوان ، إلى وديان فيها التماسيح والحشرات والزحافات .
          وحتى لو كان الحب عذرياً كما تقرأ عنه في تاريخ الأدب ، أو جنسياً كما يطلق عليه أو كما هو في بؤر الجنون ، من الشـوارع إلى التلفزة إلى الأنترنت ، طبعاً مع الفارق الكبير بين النوعين ، فإن كلاهما انحدر عن شـرف القاعـدة الإلـٰهية التي قررها الله جل شأنه لعباده قوله تعـالى : { … وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ … سورة البقرة الآية 165 } .
          وقضية ثانية لزام عليَّ كذلك – لإبراء ذمتي عند الله سبحانه – أن أفصِّلها لجنابك ، ولمن يتفضل عليه الله بمعرفة إشكالاتها ، هي قضية ، الكتابة أو السحر أو المندل ، أو أي نوع من هذا القبيل ، ولا سيما أنكما أنت وسميَّة وقعتما في شراك أحد شياطينها ، وكدتما تضلان بسببه وتخسران الدنيا والآخرة .
          ولتفهم أبعاد هذه القضية ، سأقص عليك قصة ، هي مَثَل ، نموذج عن هذه المواضيع :
          أتاني يوما مجموعة من أقرباء لنا ، أب وأم ومعهما ابنتهما المطلَّقة ولها من زوجها طفلان . قال لها أبوها ، تكلمي بكل ما عندك عن الموضوع وعن سبب الطلاق . قالت :
          كنا أنا وزوجي في أحسن حـال من التفاهم والإنسجام ، وكما تعلم ، الله يفيض علينا رزقه . حتى أخذ زوجي يمرض ويبغضني ، أو يبغضني ويمرض ، ولقد استدعى مرضه أن يدخل المستشفى أكثر من مرة ، وفجأة اتخذ قراراً تحت وطأة بغضه لي .. وطلقني ..
          فوجئت بالأمر ، بعد تلك السعـادة المميزة التي كنا فيها ، وأخذت أتذكر المقدمات التي سبقت الطلاق ، فوجدت أعاجيب ، مختصرها ، أن زوجي في حالة مرضه ، كان هو وأمه وأخته يذهبون إلى بلدة ” كذا ” وهي قريبة من بلدتنا ، ويزورون فيها رجلاً معروفاً بأنه يكتب ” للمحبة والبغضة ” – حسب تعبيرها – ويضرب المندل ويشفي من الأمراض ، ثم تذكرت أن زوجي ، كان يتناول سائلاً من قنينة ، دواء ، يصنعه هذا الرجل ، ويأخذ ثمنه غالياً . تأكدت من كل ذلك ، بعد أن طلبت أخته مني يوماً قميصاً داخلياً من ثيابه ، فأخذته ووضعته أمامـي في كيس كان في يدها ، وقالوا لي نحن ذاهبون إلى البلدة المذكورة ، فقلت خذوني معكم ، ترددوا في البداية ، ثم حسمت الأمر أخته وقالـت ، لا بأس ، واصطحبوني معهم ، ووصلوا إلى بيت الرجل ، ودخلوا عليه ، بعد أن طلبت مني أخته أن أبقى أنا في صالة الإنتظار .. فبقيت وقد ازدادت جداً هواجسي وشكي بأن هذا الرجل هو سبب بغض زوجي وسبب مرضه ، والسبب الأصلي هو أخته التي أدخلت معها القميص ، وعندما خرجوا سألتها عن القميص ، قالت كان طلبه الرجل وبقي عنده .
ـ         هل أخت زوجك متزوجة وكم عمرها ؟
ـ         لا ، هي عانس ، وعمرها أربعون أو خمسون سنة .
ـ         وهل بينك وبين أمه وأخته مشاكل ، فأنا أعرفك طيبة القلب وتتقين الله ، ولا تؤذين حتى نملة .
ـ         لا ، لا يوجد بيني وبينهما مشاكل ، وإنما عندما زوجي أخذ يكثر دخله من التجارة ويكثر ماله تغيَّرتا عليَّ وخصوصاً أخته فهي حسودة جداً وقوية وشرسة .
         ( إلى هنا وكان قريبنا والدها وزوجته ، يسمعان ويبدو عليهما التعجب والغضب ، فأدركت أنها لم تكن وضعتهما في جوها تماماً وأنها تكتمت عليهما بهذه التفاصيل . وأنها تصرفت بحكمـة ، خشية من تعقيد الأمور ، خاصة وأن والدها ، ممن لا يسكتون على هذا النشاز المكشوف ، وأنه يستطيع أن يكشف الرجل وأن يهينه ، أو أن يدخله في صفقة ، كأن يطلب منه كتابة مضادة ، ليقلب الأمر على المعتدين .
         وفعلاً هذا ما عرضه الأب ، ثم استدرك قائلاً ، أحببنا أن نأخذ رأيك قبل أن نفعل شيئاً ) .
ـ         جزاكم الله خيراً ، ولا قوة إلا بالله . والحقيقة أني أحب أن أخيِّر أم علي ( صاحبـة المشكلة ـ وتوجهت إليها بالحديث ) .
         بين أمرين ، كلاهما مرّ : إما أن تلجأ إلى الله تعالى وحده شاكية له أمرها متوكلة عليه وحده دون أحد من خلقه ، راجية ً منه إنصافها من هؤلاء القوم ، صابرة محتسبة ، مصلية قانتة أن يعيد لها زوجها صحيحاً سوياً وأن يبرىء عقله وقلبه وبدنه من علله التي أدخلها عليه هؤلاء من شياطين الجن والإنس . دون أن يتدخل في شأنها أي مخلوق من أهلها أو من غيرهم . وبين أن تفعل ما يفعله الجهلاء من الناس ، والذين يخافون من المشعوذين ومن شياطينهم ويظنون فيهم القدرة والقوة ، ويتعاملون بسحر السحرة وكذب الكذبة ولا يخافون الله تعالى ولا يحسبون له أي حساب ، علماً أن هؤلاء سيصنَّفون عنده سبحانه من أولياء الشياطين وليس من أوليائه جل شأنه . فماذا تقول أم علي ؟ :
ـ         أختار الأمر الأول ، اللجوء إلى الله بجميع الشروط التي ذكرتها .
ـ         بارك الله فيك ، وأيدكم بحفظه ورعايته ، توكلوا إذاً على الله وحده وانتظروا منه الفرج ، وعسى أن يكون قريباً . وأفيدوني بكل جديد في هذا الموضوع .
ـ         في أمان الله      
ـ         في أمان الله .
 
          بعد أسابيع ، أُخبرنا أن شقيقة الزوج ، قد قتلت في حادث سيارة كانت تقودها ، ونقلت إلى المستشفى ، ثم جاءَنا الخبر أنها لم تمت وإنما هي بدرجة الخطر الشديد ، ثم ارتفع عنها الخطر بعد أيام ، ثم أول ما تكلمت طلبت زوجة أخيها أم علي ، فجاءَتها وما إن اقتربت من سريرها حتى أخذت تبكي وتردد كلمة سامحيني ، وفهمت إم علي . قالت وبكيت أنا ولم أفهم لماذا بكيت .
          أيام وتعافت ، نسبياً ، من الجراح والكسور التي أصابتها ، وأول ما خرجت من المستشفى طلبت أن يذهبوا بها إلى زوجة أخيها وهي ما زالت مطلَّقة ، فبادرتها حين إطلالتها عليها بالقول : سامحيني يا إم علي ، فقد حطمني الله كما رأيت بسبب ظلمي وأذيَّتي لكِ متعاملةً مع الشياطين والمشعوذين ، ولقد جاءني رجل معمم وأنا بين الموت والحياة ، وقال لي ، كل ما أصابك هو بسبب خيانتك لله وتعاملك مع المشعوذين والشياطين وظلمك لزوجة أخيك أم علي . وها قد نجَّاك الله من الموت لتطلبي السماح منها وتعتذري لها وتتوبي عن جرائمك مع المشعوذين .
 
          وبعد أيام قلائل ، جاءَتني أم علي إلى بيتنا في بيروت ، فقالت لها زوجتي  ،  ( وهي عمتها )
بينما هي تسلم عليَّ . أعطيه الأوراق .. فناولتني أوراقاً مطوية وملفوفة بأحجام صغيرة وهي تقول . وجدتها فوق عتبة البيت بين الخشب والإسمنت ، المهم أنها أوراق سحرٍ رهيبة . قالت ماذا أفعل بها ، قلت آتيني بقلم ، فكتبت عليها ما يبطل فيها السحر ، وقلت لها اربطيها بحجر ، وألقي بها في البحر.
          وبعد ذلك ببرهة وجيزة ، رجع الزوجان كطيرين جمعا فراخهما في وكنتهما بعد أن تشتتوا بفعل عواصف هوجاء من فعل أعداء الله وأعداء عباده . أعني المشعوذين وزبائن المشعوذين .
 
          أما الذي كان يكتب ” للحب والبغضة ” وضرب ” المندل ” فقد جاءَني كذلك خبره ، فهو بعد أن كان يعاني من أمراضه وأوجاعه سنوات ، قد مات تحت وطأة غسل الكلى ، وقد ترك أطفالاً يتكسبون من صدقات الناس .
فايز      : أتسمح بسؤال ؟
ـ         تفضل .
ـ         ما دام الأمر كذلك ، وكتابات هؤلاء تؤثر بالمكتوب له أو عليه ، سلباً أو إيجاباً ، فلماذا يسمح الله تعالى بنفاذ هذه الكتابات أو هذا السحر ؟ ما دام الله محيط بكل شيء وهو بكل شيء عليم ؟
ـ         نعم ، يا فايز هناك أمور مهمة جداً يجب أن تعرفها ويعرفها أهل الإيمان فيما يتعلق بالسحر والكتابة التي قد ( تفرق بين المرء وزوجه ) كما جاء في القرآن الكريم . وأنا شخصياً كثيراً ما أسمع عن مجرمين يمارسون مثل هذه الكتابة ، وعن أغبياء كذلك ، يقصدونهم ويتعاملون معهم ، ولعل أكثرهم من النساء ، ولا سيما الجاهلات اللواتي يؤمنَّ بالتبصير وتحصيل الغيب ، حتى في فنجان القهوة . ثم إنه لا يقدم على هكذا تعامل مع هكذا مشعوذين ، إلا من كان في دينه أو إيمانه نقص ما أو خلل ما . وقد جاء في الحديث عن محمَّد ( ص ) أنه قال :
 
          ” من أتى عرَّافاً أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمَّد ( ص ) ” أراد بالعراف والكاهن أمثال هذا المشعوذ الذي يدَّعي علم الغيب ويكتب ( للبغضة والمحبة ) ، وقد كان هكذا اسمه في الزمن الماضي .
 
          أما السؤال المهم : لماذا يأذن الله سبحانه بنفاذ هذا السحر على بعض الناس وهل هذا السحر حقيقة قائمة ؟ فالجواب ، نعم : ففي كتاب الله المجيد ، القرآن ، هذه الآية مفصَّلة عن هذه القضية ، قوله تبارك وتعالى:
 
          { وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ . سورة البقرة الآية 102 } .
          صحيح إن شرح الآية يطول ، فإن أردته كاملاً ، فالتمسه في كتب التفسير المرموقة . على أن ما يهمنا من هذه الآية الكريمة الآن ، هو قوله تبارك وتعالى : { .. وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ .. } ، وهذا يعني أن الله عز وجل ، قد يأذن بالضرر وقد لا يأذن . وإذنه سبحانه من الطبيعي أن يكون تبعاً لصاحب العلاقة وثقته بربه ومدى معرفته به ، وبأنه سبحانه حاضر ناظر لا يفوته من العلـم بخلقه شيء ، { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ  وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ . سورة غافر الآية 19 } { … وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ . سورة يونس الاية 61 } . فإن كان الإنسان من غير المؤمنين الموقنين ، فليس له من الله حفظ ولا حصانـة . وإن كان في إيمانه نقص ما أو خلل ما ، فبمقدار هذا النقص أو الخلل ، يكون تأثره بالسحر أو بأنواع الكتابة ، وحتى بالحوادث بشكل عام .
          يا عزيزي يا فايز ، العارفون بالله تعالى ، هم في حصانة ورعاية وألطاف من ربهم الكريم ، الرؤوف الرحيم . إسمع قوله جلَّت عظمته ، في سورة البروج : { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ . إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ . وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ . ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيـدُ . فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيـدُ . سورة البروج الآيات ( 12 ـ 16 ) } . فهذه من أجمل وأروح وأروع آيات الله وتعريفه بنفسه عزَّ شأنه ، يغفر للخاطئين والمقصِّرين والجاهلين ، فإذا انتبهوا وتابوا ، يتوب سبحانه عليهم ، ويُقبل عليهم بعد إعراضه عنهم ، وبعد بغضه لأعمالهم وسلوكهم . ويحبهم إذا كانت توبتهم توبة نصوحاً ، أي صادقة خالصة لوجهه الكريم ، لذلك هو قال جل شأنه : {… إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ … . سورة البقرة الآية 222 } .
 
          يا أخي الكريم ، مشكلة الإنسان مع الحب ، وقد قيل ، ( ومن الحب ما قتل ) إذا عنوا به حب الرجل للمرأة ، أو المرأة للرجل ، أما إذا عنوا به ، أن ( من الحب ما قتل ) إذا كان الحب لله وكان القتل في سبيل الله فنعم الحب هو .
          إذا أحسن الإنسان فهم قوله تبارك وتعالى : { مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُـلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ … سورة الأحزاب الآية 4 } نجا وتسامى . فلماذا نبَّه الله سبحانه إلى هذه الحقيقة ؟ ألا ينبغي أن تفكر فيها ملياً ؟ المرء إنما يحب بقلبه ، فإذا أحب شيئاً ما أو إنساناً ما ، أو إنسانةً ما ، واستغرق في حبه كل عاطفته ، امتلأ قلبـه بهذا الحب . ألا ترى أن الرجل إذا امتلأ قلبه بحب إنسان آخر ، أو إنسانـة ، أو أي شيء في الوجـود ، فإنه لا يبقى مكان في قلبـه لحب الله . وهو سبحانه يقول : {… وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ … . سورة البقرة الآية 165 } .
          والإنسان حتى إذا أحب الله تبارك وتعالى ، وأحب مع الله شيئاً آخر ، رجلاً ، إمرأة ، قديساً .. ألا ترى أنه إذا ملأ قلبه بحبهما ، أي بحب الله والإنسان الآخر ، فإنه يكون بذلك قد جعل لله أنداداً يحبهم كحب الله ، والله يقول : {… وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ … }
ـ         فإذاً كيف ينبغي أن نحب الله ونحب الآخرين من خلقه ؟ أم أن الحب لغير الله حرام ؟
ـ         لا أبداً ليس حراماً حب غير الله ، بل هو سبحانه أذن به تحت عنوان المودة . لاحظ قوله في هذه الآية : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً … . سورة الروم الآية 21 } هكذا هو سبحانه أراد أن تكون العلاقة بين الأزواج – تحديداً – علاقة مودة ورحمة – . ومثل هذه المودة أو المحبة لغير الله ، تكون بما يطفح من حب الله على جوانب القلب .
 
          ولعلَّ موضوع الحب فيما يتعلق بالله تبارك وتعالى أخطر من هذا كله ، ندرك هذا الخطر ، إذا أمعنا النظر في هذه الآية الكريمة ، التي مرَّرت منها في حديثي معك بعض المقاطع ، وهي قول الله تبارك وتعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ . إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ . سورة البقرة الآيات (165 – 166 } .
 
          والأنداد ، في لسان العرب – جمع نِدّ ، والنِدّ بالكسر المثْل والنظير . فكل إنسان هو لك ند من حيث إنسانيته ، وأنت نِدُّه ، فأصبح معنى قوله تعالى على هذا الأساس ، أن من الناس من يتخذ من دون الله بشراً مثلهم يحبونهم كحب الله ، قال الله تعالى لرسوله محمّد ( ص ) : { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ … . سورة الكهف الآية 110 ، وسورة فصلت الآية 6} . وقال سبحـانه : { قَالَـتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ … . سورة إبراهيم الآية 11 } . فأنت حتى إذا أحببت النبيَّ محمّداً (ص) كحبك لله تعالى ، وقعت في لون قاتم من الغلوّ والمغالاة ، ونالك التهديد والوعيد في الآية الكريمة . وهنا ينبغي أن نتذكر مدى هبوط الناس في عقائدهم ومجالسهم وعواطفهم ، فنجد أن أكثرهم واقعون تحت وطأة هذا الحب الذي أنذرهم الله تعالى في الآية الآنفة وأوعدهم عليه بأشد العقوبة وأشد العذاب .
          فكلامه جلَّ وعزَّ ، المخيف عن عاقبة حب الأنداد في الإنسانية كحب الله ، واضح جداً في قوله تعالى في الآية : { … وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ . سورة البقرة الآية 165 } وهذا معناه ، أن الذين يحبون أحداً كحب الله ، أو أكثر حباً من الله ، فهم ظالمون ، وعلى ذلك فهم سيعذبون ، وعند مواجهة العذاب سيعلمون أن الذين كانوا يحبونهم من دون الله كحب الله ، ليس لهم قوة ، سواءً كانوا من القديسين أو من أصناف الرجال أو النساء ، وسيعلمون علم اليقين ، ويرون رؤيا العقل ورؤيا الأعين أن القوة لله جميعاً ، وأن الله شديد العذاب لهؤلاء الخائنين الذين { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمـاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ . سورة الزمر الآية 67}.
          يا عزيزي فايز ، ولا ننسينَّ ما ترمي إليه الآية التي تلي هذه المخيفة والخطيرة ، وهي قوله تعالى : { إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ . سورة البقرة الآية 166 } ، فهي لوضوح معانيها غنية عن الشرح ، وهي تذكرنا بآية مدهشة أخرى من آيات القرآن الكريم ، قوله تبارك وتعالى : { وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَـةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ . سورة العنكبوت الآية 25 } . يعني المودة التي تجمع بين صديقين أو أكثر ، أو بين صديقٍ وصديقة ، أو حبيبٍ وحبيبة ، إذا لم يكن جوهرها – أي جوهر المودة – معقوداً لله أصالة ً ، ثم للآخرين بالعَرَض ، تكون هذه المودة ، حالة من حالات الوثنية ، والوثنية كما تعلم ، كفر بالله .
ـ         فإذاً على هذا الأساس ، جميع الناس وثنيون ، فهل يعني ذلك أن جميعهم إلى النار ، ألا تعتقد يا شيخ أن الله أرحم من ذلك ؟
ـ         بلى ، أعتقد هذا . ولكني أمام تعاليم ، أمام نصوص ، من قال فيها برأيه هلك ، أنا لا أقول آرائي ، وإنما أتلو تعاليم الله تبارك وتعالى ، وقد ذكرت منذ هنيهة قوله تعالى : { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ … وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ … } فأنا لا يجوز لي ، ولا يجوز لمخلوق ، أن يشطب نصف الحقيقة ، خاضعاً لرأيه أو مزاجه أو رأي الآخرين .
 
          أما بخصـوص كثرة الوثنيين في المجتمعـات الإسـلامية وغير الإسلامية ، حتى لا يكاد ينجو – بموجب المعادلات الإلـٰهية – إلا القليل القليل ، فهذه آية من تعليمه سبحانه تشير ، بل وتحيط بهذه القضية ، إحاطة لا يجرؤ مخلوق أن يحكم بمثلها ، ومن أين للمخلوق مثل هذا النظر والهيمنة على الكون بجملته وتفاصيله ، قال تبارك وتعالى :
          { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ . سورة الأعراف الآية 179 } .
          فإذاً ، بموجب هذه الآية ، إن الذين لا يفقهون بقلوبهم ولا يملأونها بنور الحق المبين ، وإذا نظروا فبهوى النفس الأمارة ، وإذا سمعوا ، فيسمعون غير الحق . الله تبارك وتعالى صنَّفهم كالحيوانات الداجنـة ، ولست أنا ، ولا شأن لرأيي هنا ولا أهمية ، ولا لرأي غيري أياً كان هذا الغير ، في مواجهة الحكم الإلـٰهي  الذي اعتبرهم كذلك أخسَّ وأحطَّ من الحيوانات الضالة عن الحق ، وعن قوَّته وعدله وجماله .
          صبراً بالله ، عزيزي فايز ، لعلي أطلت عليك ؟ ولكنها وظيفتي الشرعية . وهي أن أدعو إلى الله ، وتحت عنوان : { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ . سورة الذاريات الآية 55 } وأنت    مؤمن ولله الحمد ، وأنا ليس أكثر من أن أذكِّرك بالله جلَّت عظمته وبتعاليمه التي من يعمل بها، يضمن سعادة الدارين : هذه الدنيا والدار الآخرة .
ـ         عفواً ، لو سمح وقتكم ، فإني أسمع بشغف ، وأحسُّ أني بحاجة شديدة لمعرفة هذه الحقائق ،
          وأحسُّ أنك أزحت غمامة ً أو شيئاً ثقيلاً عن قلبي .
ـ         بل هو الله تبارك وتعالى الذي فعل ، وهو سبحانه أراد بك خيراً ، إذ يسَّرك لسماع مـا
          سمعت ، وأنا لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما يشاء لي الله سبحانه ، فهو فضـل الله 
          ورحمته عليك وعلينا . والآن ، ما هو قرارك بعد أن أنعم الله عليك بالزواج ؟ هل ستبقى
          مرتهناً بقلبك وفكرك ولياليك لسميَّة ، مع إحترامي وتقديري لها ولصبرها الجميل عليك .
          ( أبتسم ويبتسم ) .
ـ         معاذ الله ، فإني أصبحت أعرف الله أكثر ، وأصبحت به أقوى وأعزّ ، فلا يمكن أن أذلَّ
          بعد لمخلوق .
ـ         أو مخلوقة ، أليس كذلك .
ـ         طبعاً ، وهذه بالأخص ، فأصبحت القاعدة عامة، {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ …} وأنا ولله الحمد ، أصبحت فخوراً أكثر بأنني منهم  ، وسأحاول أن أتقدم وأتعلم أكثر ، لأدخل في درجات أهل اليقين . فهل تسمح شيخنا بلقاء آخر ، أو لقاءات ، إذا كان هذا لا يثقل عليك ؟
ـ         على الرحب والسَّعة .   – في أمان الله   – في أمان الله .
شارك