سورة الإخلاص

بسم الله الرحمن الرحيم
 
 
تفسير سورة الإخلاص ورقمها في المصحف الشريف مائة وإثنا عشر وآياتها أربع آيات .
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم : { بسم الله الرحمن الرحيم . قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُن لَّهُكُفُوًا أَحَدٌ } .
أما عن فضل هذه السورة فقيل الكثير وأهمه هو ما عليه الإجماع انها تساوي ثلث القرآن أي أن أجرَ قراءتها يساوي أجرَ قراءة ثلث القرآن ، وفي تفسيرها ، قول الله تبارك وتعالى : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ  قل يا محمد  قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ  وقل يا قارىء القرآن .
كان يقال عند العرب  للنسابة الذي  يعرف بأنساب الناس الذي له خبرة وعلم بأنساب الناس ، كان يقال له ، إنسب لنا فلاناً  فيقول : هو فلان بن فلان بن فلان .. حتى جده الأعلى وربما حتى آدم عليه السلام . وقال المشركون لرسول الله محمَّد ( ص) بعدما جاءهم بمقولة لا إله إلاَّ الله التي زلزلت أصنامهم قالوا له يا محمَّد إنسـب لنا ربّك فنزلت السورة :  { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُن لَّهُكُفُوًا أَحَدٌ } .
 وقيل إن عامر ابن الطفيل وإربد إبن ربيعة أخو لبيد الشاعر أتيا رسول الله صل الله عليه وآله وقال عامر : إلى ما  تدعو يا محمّد ، فقال  : إلى الله ، فقال : صفه لنا أمن ذهبٍ هو أو من فضةٍ أم من حديدٍ أم من خشب ، فنزلت السورة  ، وأرسل الله الصاعقة على إربد فأحرقته وطعن عامر فمات .
 وقوله تعالى : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، هذا أمر من الله  يأمر به رسوله محمّداً (ص) أن قل للناس يا  محمّد : هو الله أحد الذي تحق له العبادة وهو وحده لا شريك له . ومعناه هو الذي سألتم تبيين نسبته أيها المشركون . قال الإمام أبو جعفر الباقر  عليه السلام ، قال المشركون  هذه آلهتنا المحسوسة بالأبصار فأشر أنت يا محمّد إلى إلَـَهك الذي تدعو إليه حتى نراه وندركه ولا نألـه فيه فأنزل الله سبحانه : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُن لَّهُكُفُوًا أَحَدٌ. فالهاء في هو تثبيت للثابت والواو إشارة إلى الغائب عن درك الأبصار ولمس الحواس وأنه يتعالى عن ذلك بل هو مدرك الأبصار ومبدع الحواس . ونقول في قوله تعالى : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ : هو الواحد في الإلـَهية أو الألهانية التي هي فوق مستوى الخلائق وقد أدرجها الله تعالى في لغة العرب ومعها كلمة ألـِهَ ومعناها الذي هو تحيَّرَ . فَألِـهَ يَألـَهُ عند العرب يعني تحيَّرَ. والله أو الإلـه معناه المعبود الذي لا شريك له المعبود ، الذي ألِـهَ الخلق عن  إدراك ماهيته والإحاطة بكيفيته .
وتقول العرب  ألِـهَ الرجل : إذا  تحيَّرَ في الشيء فلم يحط به علما ، ووَلِـهَ إذا فزع إلى الشيء واستغاث به أو ركن إليه ، والوله كذلك شدة الحب . وقوله أحد : أي أحد في خالقيته ورازقيته وحاكميته وعالميته ومشيئته وقدره وقضائه ، وأحد في استقطاب أسمائه الحسنى وأمثاله العليا وهو أحدٌ في إحاطته بالوجود وبمفردات الوجود وجزيئات الوجود وكليَّات الوجود ، ولا يحيط به سبحانه شيء .  وهو أحد في أنه علَّم الأسماء كلَّها ، أسماء الأشياء والخلائق وقدَّر لها صفاتها ومعانيها وبقي  هو وحده سبحانه لا يوصف ولا تحد معانيه ، فالصفات تتغير ، والمعاني تُؤوَّل  وتتحول ، وهو وحده سبحانه يُغيِّر ولا يتغير ويُحي ويُميت ويُميت ويُحي وهو أحدٌ توحَّد بالقدرة والبقاء وقهر عباده بالموت والفناء ، ولا يكاد يُفهم الفارق بين كلمتي أحد وواحد إلاَّ بمثلٍ تقريبي . فإذا قلنا فلان لا يطاوله واحد ولا يحاوله واحد ولا يقاومه واحد ، لجاز لك أن تقول بل يقاومه إثنان . ولكن إذا قلنا لا يحاوله أحد ولا يطاوله أحد ولا يقاومه أحد ، فتجد أن ذلك أوقع في الذهن وأبلغ في المعاني .
أما قوله تعالى : الله الصَّمد  ففيها هذه المقولات ، الصَّمد الذي انتهى سؤدده ، والصَّمد الدائم الذي لم يزل ولا يزال  ، والصَّمد الذي لا جوف له ، والصَّمد الذي لا يحتاج إلى طعام أو شراب ولا نوم  ، والصَّمد القائم بنفسه ، الغنيُّ عن غيره ،  والصَّمد المتعالي عن الكون والفساد  ، والصَّمد الذي لا يوصف بالنظائر ، والصَّمد الذي لا شريك له ولا يؤده حفظ شيء ولا يعزبُ عنه شيء ، والصَّمد الذي إذا أراد شيئاً إنما يقول له كن فيكون .
وأما قوله تعالى : لم يلد ولم يولد ، ففي لم يلد  قال الله تبارك وتعالى : يخبر عن نفسه في سورة الأنعام الآية : ( ١٠١ ) قال : { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } صدق الله العليُّ العظيم .
وأما قوله ولم يولد ففيها كذلك مقولات : أنه سبحانه لم يتولد من شيء ولم  يخرج من شيء كما تخرج الأشياء الكثيفة من عناصرها ، كالشيء من الشيء ، والنبات  من الأرض ، والماء من الينابيع ، والثمار من الأشجار ، ولا كما تخرج القوى اللطيفة من مصادرها ، كالبصر من العين ، والسمع من الأذن ، والشم من الأنف ، والذوق من  الفم والكلام من اللسان ، والمعرفة  والتمييز من القلب ، والنار من الحجر ، لا بل هو الله الصَّمد  الذي لا من شيء ولا في شيء ولا على شيء . ونضيف  فنقول  ولا هو يتولد كالطاقة من المادة  ولا كالجاذبية في الأجرام وبين الأجرام السماوية والأرضية ولا كالمغنطة تخرج من المغناطيس ولا كالكهرباء المغناطيسية تخرج  من مصادرها الكونية ولا مثل الكوارك الذي يخرج من تفاعلات جزيئات الذرة ولا كأيّ شيء يخطر في البال أو في الظن  أو قد يكتشفه العلم والعلماء ، العلماء الذين سيظلون مهما كبروا أطفالاً محدودين بالنسبة لعجائب وغرائب علم الله عزت عزته .
أما قوله تبارك وتعالى : ولم يكن له كفؤاً أحد ، الكفؤ والكفو والكفيء والكفاء واحد ، وهو المِثْل والنظير والند جمع أنداد . قال تبارك وتعالى : ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً ، يحبونهم كحب الله . قيل سأل رجل علياً عليه السلام عن تفسير هذه السورة فقال : قل هو الله أحد ، هو أحد بلا تأويل عدد ، والصمد بلا تبعيض بدد ، لم يلد فيكون موروثاً هالكاً ، ولم يولد فيكون إلـهاً مشاركاً ، ولم يكن له من خلقه كفواً أحد .
 هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين . سبحانك اللهم وبحمدك ، لا  إلـه إلاَّ أنت إغفر لنا وتب علينا .
 
                          الشيخ عبد الكريم آل شمس الدين
                        لبنان ـ جبل عامل ـ عربصاليم